المدخل إلى المسألة:
* الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة.
* الأذان للصلوات المجموعة كالأذان للصلوات الفائتة.
* الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها.
[م-٨٣] الجمع منه ما هو متفق عليه، ومنه ما هو محل خلاف، فلنعرض أقوالهم في الأذان والإقامة في الجمع المتفق عليه، ثم نعرج إلى الجمع المختلف فيه:
من ذلك: الجمع بين الظهر والعصر يوم عرفة.
هذا جمع متفق عليه بين أهل العلم، على خلاف بينهم، هل الجمع في ذلك اليوم من أحكام المناسك، أو من رخص السفر؟
وليس هذا موضع بحثها، والذي يعنينا في هذه المسألة تحرير الخلاف في صفة الأذان والإقامة في عرفة وقد اختلفوا فيها على أقوال:
فقيل: يجمع بأذان واحد وإقامتين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية.
[ ٢ / ٥٢ ]
وسبب الجمع عند الحنفية أن ذلك من أحكام النسك.
وسبب الجمع عند الجمهور أن ذلك من رخص السفر (^١).
وقيل: يؤذن ويقيم لكل صلاة، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، ورواية عند الحنابلة (^٢).
وقيل: يقيم لكل صلاة بلا أذان، اختاره بعض المالكية، وهو رواية عند الحنابلة (^٣).
وقيل: يقيم إقامة واحدة للصلاتين بلا أذان، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).
* دليل من قال: يجمع بأذان واحد وإقامتين:
الدليل الأول:
(ح-٢٠١) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ، وفيه:
ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا (^٥).
الدليل الثاني:
الأذان إنما هو للوقت، والجمع في هذه الصورة جعل وقت الصلاتين وقتًا
_________________
(١) المبسوط (٤/ ١٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٤٠٤)، بدائع الصنائع (٢/ ١٥٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٤٩)، تبيين الحقائق (٢/ ٢٣)، النوادر والزيادات (١/ ٤٨٩)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٩)، البيان للعمراني (٢/ ٦١)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٨)، الإنصاف (٤/ ٢٨).
(٢) المدونة (١/ ٦١) و(٢/ ٤١٢)، بداية المجتهد (٢/ ١١٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٧١) و(٣/ ٢٥٦)، النوادر والزيادات (١/ ٤٨٩)، التاج والإكليل (١/ ٤٥١)، الإنصاف (١/ ٤٢٢)، المستوعب (٢/ ٥٢).
(٣) في مذهب المالكية ثلاثة أقوال: المشهور يؤذن لكل منهما. وقيل: لا يؤذن لهما. وقيل: يؤذن للأولى. قال المازري: واتفق عندنا أنه يقام لكل صلاة. انظر التوضيح (١/ ٢٧٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، الذخيرة (٣/ ٢٥٦)، جامع الأمهات (ص: ٨٦)، الإنصاف (١/ ٤٢٢).
(٤) الإنصاف (١/ ٤٢٢).
(٥) صحيح مسلم (١٢١٨).
[ ٢ / ٥٣ ]
واحدًا، فكان يكفيه أذان واحد للصلاتين، والإقامة إنما هي للصلاة، فكانت تتكرر بتكرارها.
* دليل من قال: يؤذن ويقيم لكل صلاة:
الدليل الأول:
القياس على الجمع في مزدلفة.
(ث-٤٦) فقد روى البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:
خرجنا مع عبد الله ﵁، إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعَشَاءُ بينهما (^١).
ولم ينفرد أبو إسحاق، فقد تابعه إبراهيم النخعي.
فرواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:
حججت مع عبد الله، فلما أتى جمعًا أَذَّن، وأقام، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن، وأقام، فصلى العشاء ركعتين (^٢).
(ث-٤٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن عمر صنع مثل صنيع ابن مسعود (^٣).
[صحيح].
* ويجاب:
بأن هذا موقوف على صحابي، والموقوف لا يعارض به المرفوع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعله يحمل على من لم يجمع الصلاة إلى أختها، فربما كان الجمع في مزدلفة في حق من وصل إليها في وقت العشاء، أما إذا وصل في وقت المغرب فإنه يصلي المغرب، ثم ينتظر إلى حين دخول وقت العشاء ثم يؤذن للعشاء، ويصليها في وقتها بأذان وإقامة، والذي يدل على ذلك أن ابن مسعود قد
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٨٣).
(٢) المصنف (١٥١٩٩).
(٣) المصنف (١٥٢٠٠).
[ ٢ / ٥٤ ]
فصل بين الصلاتين بالعشاء، والسنة في الصلاتين المجموعتين ألا يفصل بينهما بفاصل، وإذا لم يكن جمع فقد خرج النص عن الاستدلال به في هذه المسألة.
الدليل الثاني:
إذا جمعت الصلاتان في وقت واحد فإن الوقت يصير وقتًا لهما، فلم تكن إحداهما أولى بالأذان من الأخرى.
* ويجاب على هذا:
بأن هذا نظر في مقابل النص، فلا يعتبر.
* دليل من قال: يقيم لكل صلاة بلا أذان:
القياس على جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة.
(ح-٢٠٢) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (^١).
(ح-٢٠٣) وروى البخاري من طريق كريب،
عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ -من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ، فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما (^٢).
* ويجاب بجوابين:
الجواب الأول:
لا يصار إلى القياس مع وجود نص، وهذه قاعدة متفق عليها، وقد ورد في صفة الأذان والإقامة في الجمع بعرفة نص في صحيح مسلم.
الجواب الثاني:
أن حديث ابن عمر ﵁ لم يتعرض لنفي الأذان، وإنما سكت عن
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٧٣)، ورواه مسلم بنحوه (١٢٨٨).
(٢) صحيح البخاري (١٦٧٢)، وصحيح مسلم (١٢٨٠).
[ ٢ / ٥٥ ]
ذكره، والسكوت لا يعني النفي.
(ح-٢٠٤) وقد روى مسلم من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ، وفيه: «أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا» (^١).
وهذا موافق لفعله بعرفة، كما أنه يتفق مع بقية النصوص في صفة الأذان والإقامة للصلوات المجموعة في غير المناسك.
* دليل من قال: يقيم إقامة واحدة للصلاتين بلا أذان:
قياس جمع عرفة على جمع مزدلفة،
(ح-٢٠٥) فقد روى مسلم من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (^٢).
ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، قال:
قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعًا، فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ -في هذا المكان (^٣).
* ويجاب من وجوه:
الوجه الأول:
أن ابن عمر قد اختلف النقل عنه في هذه المسألة، فجاء عنه ثلاث روايات.
إحداها: هذه الرواية أنه جمع بينهما بإقامة واحدة، وهذه الرواية شاذة معارضة لما في الصحيحين من طريق سالم، عن ابن عمر، وسأذكر نصها إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) صحيح مسلم (١٤٧ - ١٢١٨).
(٢) صحيح مسلم (٢٩٠ - ١٢٨٨).
(٣) صحيح مسلم (٢٩١ - ١٢٨٨).
[ ٢ / ٥٦ ]
الرواية الثانية: أنه جمع بينهما بإقامتين:
(ح-٢٠٦) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (^١).
وهذه هي الرواية المحفوظة عن ابن عمر في الجمع في مزدلفة، ولم يخرج البخاري غيرها من حديث ابن عمر، وهي موافقة لحديث أسامة بن زيد في الصحيحين، وكونه لم يذكر الأذان، فإن السكوت عنه لا ينفيه، فقد حُفِظ ذكر الأذان في حديث جابر ﵁.
الرواية الثالثة: أنه جمع بينهما، بلا أذان، ولا إقامة.
(ث-٤٨) روى ذلك ابن حزم من طريق البغوي، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس بن عبيد، عن طلق بن جبير،
أن ابن عمر جمع بين المغرب بجمع، قال: الصلاة للمغرب، ولم يؤذن ولم يُقِم، ثم قال أيضًا: للعشاء، ولم يؤذن ولم يقم (^٢).
[ورجاله ثقات، إلا طلق بن جبير فإنه صدوق، وهو موقوف على ابن عمر].
(ث-٤٩) وفي أخبار مكة للأزرقي، قال: قال ابن جريج: أخبرني عامر بن مصعب، عن سعيد بن جبير، قال:
دفعت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب من عرفة حتى إذا وَازَنَّا بالشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب، دخله ابن عمر، فتنفض فيه، ثم توضأ، وركب، فانطلقنا حتى جاء جمعًا، فأقام هو بنفسه الصلاة ليس فيها أذان، ولا إقامة بالأولى، فصلى المغرب، فلما سلم التفت إلينا، فقال: الصلاة، ولم يؤذن بالأولى، ولم يقم لها (^٣).
قال ابن القيم بعد أن ذكر هذه الروايات: «والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر، وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين:
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٧٣)، ورواه مسلم بنحوه (١٢٨٨).
(٢) حجة الوداع لابن حزم (٢٨٤).
(٣) أخبار مكة للأزرقي (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).
[ ٢ / ٥٧ ]
أحدهما: أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما تقدم، فروي عن ابن عمر من فعله: الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا إلى النبي ﷺ -الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا الجمع بينهما بأذان واحد، وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعًا الجمع بينهما دون ذكر أذان، ولا إقامة، وهذه الروايات صحيحة عنه، فيسقط الأخذ بها؛ لاختلافها واضطرابها
الوجه الثاني: أنه قد صح من حديث جابر في جمعه ﷺ -بعرفة أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يَأْتِ في حديث ثابت قط خلافه، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، فلو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة» (^١).
وقال ابن حزم: «وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر فإنه قد روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه أيضًا مسندًا إلى النبي ﷺ -الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه أيضًا مسندًا إلى النبي ﷺ -الجمع بينهما بأذان واحد، وإقامة واحدة لهما معًا» (^٢).
* الراجح:
أن الجمع في عرفة بأذان واحد وإقامتين، كما حفظه لنا جابر بن عبد الله ﵁ في نقله لنا صفة حج النبي ﷺ.
_________________
(١) تهذيب السنن (١/ ٤٠١).
(٢) حجة الوداع لابن حزم (ص: ٢٩١).
[ ٢ / ٥٨ ]