المدخل إلى المسألة:
• وقت الأذان الأول يقع في السحر، وهو تقريب لا تحديد، ولهذا جاء في الحديث: لا يمنعكم أذان بلال من سحوركم، والسنة تأخير السحور.
• السنة تدل على تقارب الأذانين جدًّا حتى خشي الرسول ﷺ أن يشتبه على الناس الأذان الأول بأذان طلوع الفجر، فيمتنعون عن إكمال سحورهم.
• الأذان الأول للتأهب لصلاة الصبح فينبغي أن يكون قريبًا منها بقدر ما تمس الحاجة إليه من اغتسال، وقضاء حاجة، ووضوء، ولبس ثوب، وإيقاظ ولد، ونحو ذلك، حتى بالغ الراوي، فقال: ولم يكن بينهما إلا أن يَرْقَى هذا وينزل هذا، مبالغة منه بتقليل الفاصل، لا ظاهر اللفظ.
[م-٣٦] اختلف الفقهاء في وقت الأذان الأول على أقوال:
فقيل: يستحب أن يكون في السدس الأخير من الليل، ويحرم تقديمه على السدس، وهو قول ابن وهب وسحنون، وهو المشهور من مذهب المالكية (^١).
_________________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥١)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٥٥)، منح الجليل (١/ ٢٠٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٠)، المنتقى للباجي (١/ ١٣٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٢)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٤). وقدر بعض المالكية السدس بساعتين قبل الفجر، قال الدسوقي في حاشيته (١/ ١٩٥): وهو مبني على أن الليل اثنتا عشرة ساعة دائمًا. اه يقصد بذلك أنه قد يزيد وينقص بحسب طول الليل وقصره من الصيف والشتاء. وقال سند: ولا يعاد الأذان عند طلوع الفجر، والراجح إعادته، واختلف القائلون بالإعادة، فقيل: ندبًا، والأول سنة. وقيل: العكس، وقيل: كل منهما سنة.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقيل: يستحب أن يكون آخر الليل في السحر، وهو تقريب لا تحديد، وهو قول في مذهب المالكية، واختاره إمام الحرمين، وصححه القاضي حسين، وبه قال البغوي، والمتولي من الشافعية، ورجحه ابن قدامة. قال النووي: وهذا ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم (^١).
ويتفق هذا القول مع قول المالكية السابق أن الأذان آخر الليل، إلا أن المالكية حدُّوا آخر الليل بالسدس، وهذا القول جعله في السحر تقريبًا لا تحديدًا.
قال في المعجم الوسيط: السحر: هو آخر الليل قبيل الفجر.
وفي قول للشافعية قدروا السحر لسُبُع بقي من الليل، وفي الصيف لنصف سُبُع بقي من الليل. حكي عن الخراسانيين. قال النووي: ورجحه الرافعي على خلاف عادته في التحقيق (^٢).
وقيل: يؤذن لها إذا خرج وقت العشاء، سواء أقلنا: إنه إلى منتصف الليل، أم
_________________
(١) جاء في الذخيرة للقرافي (٢/ ٧٠): «قال صاحب الطراز الأحسن أن يكون آخر الليل غير محدود، وإليه أشار مالك في الموطأ محتجًّا بقوله ﵇: (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال). والسحور آخر الليل وقال ابن وهب: سدس الليل الأخير ..». وقال إمام الحرمين في نهاية المطلب (٢/ ٢٤): «وعندي أن هذا ليس تحديدًا، وإنما هو تقريب، والمعتبر فيه على التقريب أن وقت هذه الصلاة يوافي الناس وهم في غفلة، وللشرع اعتناء بالحث على أول الوقت، فلو صادف التأذين أول الوقت، فإلى أن ينتبه النائم، وينهض، ويلبس، ويستنجي، ويتوضأ، يفوته أول الوقت، فقدم التأذين بقدر ما إذا فرض التهيؤ أمكن مصادفة أول الصبح، وهو يقرب من السبع ونصف السبع، ولا شك أن ذلك ليس بحد على هذا الوجه الذي نفرع عليه، وإنما يشترط هذا القائل التقريب. ولا نعتدُّ بالأذان إذا فرض بعد مفرط عن الصبح؛ لأنه دعاء إلى صلاة الصبح، فينبغي أن يكون قريبًا منها». وانظر: المجموع (٣/ ٨٨)، البيان للعمراني (٢/ ٦٢).
(٢) نهاية المطلب (٢/ ٢٣)، المجموع (٣/ ٨٨)، طرح التثريب (٢/ ٢٠٨). وهذه المسألة مما اختلف فيها النووي مع الرافعي، وإذا اختلفا كان المقدم في المذهب قول النووي، فالرافعي ذكر أن أصح الأوجه في جواز تقديم أذان الصبح على وقتها: أنه يقدم الشتاء لسُبُعٍ بقي من الليل، وفي الصيف لنصف سُبُعٍ، وهذا الضبط تقريب، لا تحديد. انظر فتح العزيز (١/ ٣٧٥)، وضعفه النووي، وقال: إنه اعتمد حديثًا باطلًا محرفًا. انظر روضة الطالبين (١/ ٢٠٧، ٢٠٨).
[ ١ / ٣٤١ ]
قلنا: إلى ثلث الليل. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وابن حبيب من المالكية، وصححه النووي، وقال عنه بأنه أصح الأوجه عندهم، وهو مذهب الحنابلة. وسواء أقلنا: إن ذلك وقتها الاختياري، أم قلنا: لها وقت واحد (^١).
وقيل: يؤذن إذا صليت العشاء، ولو أول الوقت، حكاه المازري عن الوقار من المالكية (^٢).
وقيل: يؤذن لها قبل طلوع الفجر بمقدار ما يتم المؤذن أذانه، وينزل من المنار، أو من العلو، ويصعد مؤذن آخر، ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في الأذان، وهو اختيار ابن حزم (^٣).
• دليل من قال: يؤذن في نصف الليل.
(ح-١٢٩) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. ورواه مسلم (^٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (بليل)، من قوله: (إن بلالًا ينادي بليل) وهي نكرة، فتستغرق الليل كله، وإنما خرج من الليل نصفه الأول؛ لأنه مختص بوقت صلاة العشاء، وبقي من الليل
_________________
(١) النوادر والزيادات (١/ ١٦٠)، الذخيرة (٢/ ٧٠)، البيان للعمراني (٢/ ٦٢)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٦)، منهاج الطالبين (ص: ٢٣)، أسنى المطالب (١/ ١٣٣)، تحفة المحتاج (١/ ٤٧٦)، حاشية الجمل (١/ ٣٠٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٦)، نهاية المطلب (٢/ ٢٣)، الإنصاف (١/ ٤٢٠). قال النووي في المجموع (٣/ ٨٨): «اختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فيه من الليل على خمسة أوجه، أصحها، وقول أكثر أصحابنا، وبه قطع معظم العراقيين يدخل وقت أذانها من نصف الليل». وقال ابن رجب في شرح البخاري (٥/ ٣٤٠): «وأما أصحابنا فقالوا: يؤذن بعد نصف الليل، ولم يذكروا ذلك عن أحمد».
(٢) شرح التلقين (١/ ٤٤٢)، الذخيرة (٢/ ٧٠)، التاج والإكليل (٢/ ٧٩)،.
(٣) المحلى، مسألة (٣١٤).
(٤) صحيح البخاري (٦٢٢)، ومسلم (١٠٩٢).
[ ١ / ٣٤٢ ]
نصفه الثاني، فكان كله وقتًا للأذان الأول، كما أن كله وقت للأكل والشرب.
• ونوقش هذا:
بأن العلة في الأذان قبل الوقت كما جاء في الحديث: (ليرجع قائمكم، ولينتبه نائمكم) فإذا أذن في نصف الليل فات المقصود منه.
• دليل من قال: يؤذن في آخر الليل:
الدليل الأول:
(ح-١٣٠) استدل هذا القول بما رواه البخاري من طريق أبي عثمان،
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمنعَنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذِّن أو قال ينادي ليرجع قائمكم، وينبه نائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا - وجمع يحيى كفيه - حتى يقول هكذا، ومد يحيى أصبعيه السبابتين (^١).
فإن هذا يعني فائدتين:
الفائدة الأولى: أن الأذان يقع في وقت السحر، والسحر آخر الليل.
الفائدة الثانية: أن ما بين الأذانين بمقدار ما يأكل المتسحر سحوره، ويتم أكله وشربه.
(ح-١٣١) وقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة،
عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ، وذلك في السحر: يا أنس، إني أريد الصيام، فأطعِمْني شيئًا. قال: فجئته بتمر وإناء فيه ماء بعد ما أذن بلال، فقال: يا أنس، انظر إنسانًا يأكل معي. قال: فدعوت زيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله، إني شربت شربة سويق وأنا أريد الصيام، قال رسول الله ﷺ: وأنا أريد الصيام، فتسحر معه، وصلى ركعتين، ثم خرج فأقيمت الصلاة (^٢).
[صحيح إن كان معمر حفظه عن قتادة، فإن معمرًا سَيِّئُ الحفظ في قتادة، وقد رواه أصحاب قتادة في الصحيحين ولم يذكروا أذان بلال قبل السحور، فهي زيادة شاذة] (^٣).
_________________
(١) البخاري (٧٢٤٧)، ومسلم (١٠٩٣).
(٢) المسند (٣/ ١٩٧).
(٣) رواية معمر عن قتادة فيها ضعف. قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٢١): «معمر سيئ الحفظ لحديث قتادة، والأعمش». =
[ ١ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قال معمر: جلست إلى قتادة، وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد. وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث. اه وقتادة بصري. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة في التاريخ الكبير له، السفر الثالث (١/ ٣٢٥) «: سمعت يحيى بن معين يقول: «إذا حدثك معمر عن العراقيين فخَفْه إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة، وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا». اه ولم يخرج البخاري في صحيحه شيئًا مسندًا من رواية معمر، عن قتادة، وأخرج له حديثًا واحدًا تعليقًا (٥٩١٠): قال البخاري: وقال هشام: عن معمر، عن قتادة، عن أنس، كان النبي ﷺ شثن القدمين والكفين. وأخرج مسلم حديثًا واحدًا في الشواهد (سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر). وقد اختلف على قتادة في ذكر أذان بلال خلال السحور. فرواه معمر، عن قتادة، عن أنس، فجعله من مسند أنس، وزاد ذكر أذان بلال قبل السحور. رواه عبد الرزاق (٧٦٠٥)، عن معمر، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد كما في إسناد الباب، وأبو يعلى في مسنده (٣٠٣٠)، والنسائي في المجتبى (٢١٦٧). وخالفه أصحاب قتادة: فرواه البخاري (١١٣٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة. ورواه أبو يعلى في مسنده (٢٩٤٣) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن قتادة به، بنحوه، دون زيادة أذان بلال قبل السحور، وجعلاه من مسند أنس ﵁. ورواه البخاري (٥٧٥) ومسلم (١٠٩٧) من طريق همام، ورواه الإمام البخاري (١٩٢١) ومسلم (١٠٩٧) أيضًا من طريق هشام، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. ورواه مسلم (١٠٩٧) من طريق عمر بن عامر. ورواه أبو عوانة في مستخرجه (٢٧٦٣)، والطحاوي (١/ ١٧٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ١١٦) ح: ٤٧٩٣ من طريق منصور بن زاذان. أربعتهم عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، فجعلوه من مسند زيد بن ثابت، ولم يذكروا ما ذكره معمر من أذان بلال قبل السحور. فهذا هو المحفوظ من رواية قتادة، وأنه لا ذكر لأذان بلال فيها، وكونهم جعلوه من مسند زيد بن ثابت ﵁، فهذا لا يؤثر، لأن أنسًا كان شاهدًا للقصة في كل الطرق، فكان=
[ ١ / ٣٤٤ ]
فهنا تسحر النبي ﷺ بعد أذان بلال، مما يدل على أن ما بين الأذانين يسمح بأكلة السحور.
• دليل من قدر الفاصل بين الأذانين بأن ينزل هذا ويرقى هذا.
الدليل الأول:
(ح-١٣٢) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله ﷺ: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا (^١).
[انفرد عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بذكر زيادة: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا)] (^٢).
_________________
(١) = مرة يسندها عن زيد بن ثابت، ومرة يرويها بنفسه، وغايته أن تكون رواية أنس من مراسيل الصحابة، وكلهم ثقات، المهم أن موضع الشاهد في الحديث بذكر أذان بلال قبل السحور قد تفرد بها معمر، عن أصحاب قتادة، فتكون روايته شاذة، أو منكرة باعتبار أن روايته عن قتادة ضعيفة، ويغني عنه حديث ابن مسعود في البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣) من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو قال: ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم. وحديث سمرة بن جندب في مسلم (١٠٩٤) بنحو حديث ابن مسعود.
(٢) صحيح مسلم (١٠٩٢).
(٣) انفرد عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بذكر زيادة: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا …)، وقد رواه سبعة عن عبيد الله ولم يذكروا هذا الزيادة، كما روى الحديث، سالم، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، ولم يذكروا هذه الزيادة، وإليك بيان مروياتهم. الطريق الأول: نافع عن ابن عمر: رواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، واختلف على عبيد الله: فرواه أبو أسامة، كما في صحيح البخاري (٦٢٣)، ويحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٢/ ٥٧)، ومسند البزار (٥٥٩١)، وصحيح ابن خزيمة (١٩٣١)، ومستخرج أبي عوانة (٢٧٦٦). وعبدة بن سليمان، كما في سنن الدارمي (١١٩١)، والمستخرج على صحيح مسلم =
[ ١ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لأبي نعيم (٢٤٥٦)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٨٢). ومحمد بن بشر، كما في المنتقى لابن الجارود (١٦٣)، ومستخرج أبي عوانة (٢٧٦٤)، والمستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم (٢٤٥٦). وحماد بن مسعدة كما في صحيح ابن خزيمة (٤٢٤)، وحفص بن غياث كما في المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم (٢٤٥٥). وروح بن القاسم، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٣٣٧٩)، والأوسط له (٧٠٠)، ومعجم ابن المقرئ (٣٣٤)، ورجاله ثقات. كلهم (أبو أسامة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، وحماد ابن مسعدة وحفص بن غياث، وروح بن القاسم) سبعتهم رووه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، من دون زيادة (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا). وخالفهم عبد الله بن نمير، كما في صحيح مسلم (١٠٩٤) وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٤٢٨)، والمبارك بن مجاهد البلخي، -ضعيف-، في فوائد تمام (٦٢١)، فروياه عن عبيد الله بن عمر به، بذكر هذه الزيادة. وإسناد تمام فمع ضعف المبارك بن مجاهد، ففي إسناده أيضًا جعفر بن محمد البلخي، ذكره الخطيب البغدادي، في تاريخ بغداد، ولم يوثقه أحد، فهو مجهول، لهذا لا تعرف هذه الزيادة من ثقة إلا من عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع. ولا شك أن من خالفه أرجح منه مع أنهم أكثر عددًا، فمنهم من هو مقدم عليه في الحفظ والإتقان، كيحيى بن سعيد القطان، وعبدة بن سليمان، وقد تجنب البخاري تخريج هذه الزيادة من حديث ابن عمر. وقد رواه غير نافع، ولم يختلف عليهم في عدم ذكرها، كما في الطرق التالية. الطريق الثاني: سالم عن ابن عمر، وليس فيه (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا). رواه ابن شهاب، عن سالم، ومن طريق ابن شهاب الزهري رواه جماعة، منهم: الأول: مالك، كما في البخاري (٦١٧)، وصحيح ابن حبان (٣٤٦٩)، سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٨٠، ٤٢٦). الثاني: عبد العزيز بن أبي سلمة، كما في صحيح البخاري (٢٦٥٦)، ومسند أبي داود الطيالسي (١٨١٩)، ومسند أحمد (٢/ ١٢٣). الثالث: الليث، كما في صحيح مسلم (١٠٩٣)، ومسند عبد بن حميد كما في المنتخب (٧٣٤)، وسنن الترمذي (٢٠٣)، وسنن النسائي (٦٣٨)، ومستخرج أبي عوانة (٢٧٦٨)، وصحيح ابن حبان (٣٤٧٠)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٨٠). =
[ ١ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الرابع: يونس، كما في صحيح مسلم (١٠٩٤٩)، ومستخرج أبي عوانة (٢٧٦٨)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٨٠). الخامس: ابن عيينة، كما في مسند أحمد (٢/ ٩)، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند أبي يعلى (٥٤٩٢)، ومسند الحميدي (٦٢٣)، وسنن الدارمي (١١٩٠)، ومسند البزار (٦٠٠٠)، وصحيح ابن خزيمة (٤٠١)، ومستخرج أبي عوانة (٢٧٦٩). السادس: شعيب بن أبي حمزة، كما في مسند الشاميين للطبراني (٣١٤١). السابع: ابن جريج، كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٨٦). كل هؤلاء: (مالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والليث ويونس، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة وابن جريج)، رووه عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. وخالفهم معمر، كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٨٤) فرواه عن الزهري، عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل .. فخالفهم في إسناده، وهي رواية شاذة، وليس فيه ذكر الزيادة. وتابعه محمد بن إسحاق، عن الزهري فيما ذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٥٧). الطريق الثالث: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رواه دون قوله: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا). رواه عن عبد الله بن دينار جماعة منهم: الأول: مالك، أخرجه البخاري (٦٢٠)، ومسند أحمد (٢/ ٦٤)، والنسائي (٦٣٧)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٣٧)، وسنن البيهقي (١/ ٣٨٠). الثاني: عبد العزيز بن مسلم، رواه البخاري (٧٢٤٨)، وأحمد (٢/ ١٠٧). الثالث: سفيان الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (٧٦١٤)، مسند أحمد (٢/ ٦٢)، الرابع: إسماعيل بن جعفر، كما في صحيح ابن حبان (٣٤٧١). الخامس: الأوزاعي، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣٨)، كلهم رووه عن عبيد الله بن دينار، عن ابن عمر .. السادس: شعبة، رواه عن عبد الله بن دينار، واختلف على شعبة فيه: فرواه أحمد (٢/ ٧٩) عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار به، بلفظ: إن بلالًا ينادي بليل دون شك. وكذا رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨) من طريق وهب بن جرير، عن شعبة به. ورواه أحمد (٢/ ٧٣) عن عفان، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨) من طريق روح بن عبادة، كلاهما (عفان وروح) =
[ ١ / ٣٤٧ ]
وأخشى أن يكون التبس على ابن نمير رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، برواية عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة.
فقد جاء الحديث من مسند عائشة، وفيه لفظ: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)، إلا أن هذا القول كان موقوفًا على ابن القاسم، وهو لم يدرك الواقعة، وسوف نتكلم على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها إن شاء الله تعالى في الدليل التالي.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٣) ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، والقاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: إن بلالًا كان يؤذن بليل، فقال رسول الله ﷺ: كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قال القاسم: ولم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا (^١).
وقد اعتمد أصحاب هذا القول في أن هذه الزيادة من قول عائشة على أمرين:
أحدهما: أن البخاري جمع حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، بحديث عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، فأراد أن يبين أن هذه الزيادة جاءت من طريق القاسم، عن عائشة.
قال العراقي: «والظاهر أن قول البخاري قال القاسم أي في روايته عن عائشة،
_________________
(١) = عن شعبة به، بلفظ: إن بلالًا ينادي بليل أو ابن مكتوم ينادي بليل .. والأول هو المحفوظ، والظاهر أن الشك من شعبة لهذا الحديث فحيث رواه ساقه بالشك، فقد سبق تخريج رواية شعبة لحديث عائشة، وكان شعبة يشك في الأول منهما أيضًا عند تخريج أثر عائشة، (ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر). وسوف يأتينا إن شاء الله تخريج رواية شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة، وكان شعبة يشك في الأول منهما، وعلى كل حال فإن شعبة لم يختلف عليه في عدم ذكر هذه الزيادة، أعني قوله: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا). الطريق الرابع: زيد بن أسلم، عن ابن عمر. رواه أحمد (٢/ ١٢٣) من طريق عبد الرحمن يعني ابن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم به. وعبد الرحمن صدوق يخطئ.
(٢) صحيح البخاري (١٩١٨).
[ ١ / ٣٤٨ ]
وذلك لأنه روى الحديث المذكور من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ومن طريق القاسم بن محمد عن عائشة، ثم بين أن هذه الزيادة في رواية القاسم: أي عن عائشة، وليست في حديث ابن عمر؛ لأنه لو أطلق ذكرها لتوهم أنها في الإسنادين معًا، ولم يرد بذلك أن القاسم قالها من عند نفسه، بدليل رواية أحمد التي ذكرتها والله أعلم» (^١).
الثاني: أن يحيى بن سعيد القطان، وحفص بن غياث، روياه عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، وفيه التصريح بأنه من قول عائشة.
قال الحافظ في الفتح: «لا يقال: إنه مرسل؛ لأن القاسم تابعي فلم يدرك القصة المذكورة؛ لأنه ثبت عند النسائي من رواية حفص بن غياث، وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم عن عائشة، فذكر الحديث، قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويصعد هذا، وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري: قال القاسم: أي في روايته عن عائشة» (^٢).
• ويجاب عن هذا بما يلي:
الجواب الأول: بأن التمييز بين قول عائشة، وابن عمر لا يحتاج إلى إعادة الإسناد، فلو قال البخاري: قالت عائشة: ولم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا لم يلتبس الأمر، ولم يتوهم أنها وردت من قول ابن عمر، فلا توجد أي نكتة في تكرار الإسناد، إلا أنه أراد أن يفصل قول القاسم عن قول عائشة ﵂.
الثاني: أن من روي عنه قال: قالت عائشة مثل يحيى بن سعيد القطان، وحفص ابن غياث قد اختلف عليهم، فروي عنهما قال: قال القاسم.
الثالث: أن هذا لم يكن من صنيع البخاري وحده حتى يمكن أن يقبل ما ذكره الحافظ، فقد رواه جماعة عن عبيد الله فاصلين قول القاسم عن قول عائشة، مع أن بعضهم لم يقرن الحديثين (^٣).
_________________
(١) طرح التثريب (٢/ ٢٠٩).
(٢) فتح الباري (٢/ ١٠٥).
(٣) فقد رواه جماعة عن عبيد الله فاصلين قول القاسم عن قول عائشة، منهم: الأول: الفضل بن موسى، كما في مسند إسحاق بن راهويه. =
[ ١ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثاني: عبدة بن سليمان، كما في مسند إسحاق بن راهويه (٩٣٤)، وسنن الدارمي (١١٩١)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٢٤٥٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٨٢). الثالث: حماد بن مسعدة، كما في صحيح ابن خزيمة (٤٢٤)، وهو في صحيح مسلم إلا أنه لم يذكر لفظه (١٠٩٤). الرابع: محمد بن بشر، كما في المنتقى لابن الجارود (١٦٣)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٢٤٥٥). الخامس: الفضيل بن عياض، كما في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٢٤٥٦). السادس: جعفر الفريابي، كما في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٢٤٥٦)، كل هؤلاء الستة، رووه عن عبيد الله بن عمر، وفصلوا قول القاسم، عن قول عائشة. وهناك من رواه على الوجهين: تارة يقول: قال القاسم، وتارة يقول قالت عائشة: مثل يحيى ابن سعيد القطان، وحفص بن غياث، وإذا كان هناك ترجيح فلا شك أن الرواية التي توافق بقية الروايات أولى من الرواية التي انفردا فيها، ولو أنهما لم يُخْتَلَفْ عليهما لقيل ربما، أما وقد اختلف عليهما، فترجيح ما وافق الجماعة أولى من إثبات الخلاف، والله أعلم. فرواه أحمد (٦/ ٤٤) عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، وفيه: قالت: ولا أعلمه إلا كان قدر ما ينزل هذا … ورواه أحمد (٦/ ٥٤) بالإسناد نفسه، وفي آخره: قال: ولا أعلمه إلا كان قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا. فعلى هذا الإمام أحمد رواه عن يحيى، مرة من قول عائشة، ومرة من قول القاسم. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨) وأحكام القرآن (١/ ٤٥٥)، من طريق مسدد، عن يحيى به، والقول فيه بلفظ: قالت. ورواه بُندار كما في صحيح ابن خزيمة (١٩٣٢). وزهير بن حرب كما في مستخرج أبي عوانة (٢٧٦٦) وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٨) كلاهما (بندار وزهير) روياه عن يحيى بن سعيد القطان وفيه: قال عبيد الله: ولا أعلمه إلا قال: لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا. وهذا صريح بأنه من قول عبيد الله بن عمر. فصار الاختلاف على يحيى: اثنان منهم رووه عنه من قول القاسم، لا يُخْتَلَفُ عليهما، بندار، وزهير. ومسدد رواه عن يحيى من قول عائشة، لا يختلف عليه. وأحمد رواه عن يحيى، مرة من قول القاسم، ومرة من قول عائشة، فهذا الاختلاف على يحيى لا يمكن الاعتراض به على رواية الجماعة ممن لم يختلف عليهم بأن اللفظ من قول القاسم. =
[ ١ / ٣٥٠ ]
الدليل الثالث:
(ح-١٣٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، قال:
حدثتني عمتي أنيسة، قالت: كان بلال وابن أم مكتوم يؤذنان للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فكنا نحبس ابن أم مكتوم عن الأذان، فنقول: كما أنت حتى نتسحر، كما أنت حتى نتسحر، ولم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا (^١).
[رواه منصور عن خبيب، وجوده، وليس فيه (ولم يكن بينهما إلا أن يصعد هذا وينزل هذا)، ورواه شعبة عن خبيب، واختلف عليه في ذكرها، كما اختلف عليه في ذكر من كان يؤذن أولًا] (^٢).
_________________
(١) = وإذا وقفنا على الاختلاف على يحيى بن سعيد القطان، فيبقى الاختلاف على حفص بن غياث. فقد رواه ابن خزيمة (١٩٣٢) عن يعقوب بن إبراهيم، وفيه: قال القاسم: ورواه النسائي في المجتبى (٦٣٩)، وفي الكبرى (١٦١٥) عن يعقوب بن إبراهيم به، بلفظ: قالت عائشة. فعلى هذا روي عن يعقوب باللفظين. ورواه أبو نعيم في المستخرج (٢٤٥٦) من طريق سعيد بن سليمان. وأبو بكر في الغيلانيات (٥٢٢) من طريق أحمد بن إبراهيم، كلاهما عن حفص بن غياث، عن عبيد الله به، وفيه: قال القاسم. لهذا أجدني أميل إلى أن المحفوظ في هذا اللفظ أنه من قول القاسم، ولم يدرك القصة، ولا يمكن تقويته بقول عبيد الله بن عمر بن حفص؛ لأنه شاذ، تفرد به عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، والشاذ ليس محلًّا للتقوية؛ لأنه وهم، والله أعلم.
(٢) مسند أبي داودد الطيالسي (١٦٦١).
(٣) الحديث رجاله ثقات، وقد رواه عن خبيب ثقتان منصور بن زاذان، وشعبة، والأول لم يذكر فيه زيادة شعبة (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا). وأما شعبة فوقع فيه اختلاف عليه في أمرين: الأمر الأول: الاختلاف عليه في ذكر من كان يؤذن أولًا، فروي عنه الجزم بأن أذان بلال هو الأول، وروي عنه عكسه، والأكثر على الشك، إن بلالًا أو ابن أم مكتوم يؤذن بليل … وقد خرجت هذه الطرق وبيان الراجح منها حسب الوسع في طريق سابق، ولم يكن شعبة يشك=
[ ١ / ٣٥١ ]
• ويجاب:
بأن الصعود إن ثبت فهو من أجل مراقبة الفجر، ولم يكن ليصعد فيؤذن مباشرة، والقوم لم يكن لديهم ساعات حتى إذا صعد كان الفجر قد طلع.
وجواب آخر:
أن شعبة إذا روى الحديث شك في من كان يؤذِّنُ أولًا، سواء أرواه عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر، أم رواه عن خبيب، عن أنيسة.
واختلف عليه أيضًا في ذكر الصعود والنزول، ولم يختلف على منصور، لهذا كانت روايته أرجح من رواية شعبة.
وفي الحديث إشكال آخر، هو أن الإمساك عن الطعام لم يعلق على الأذان، بل علق الأذان والإمساك على طلوع الفجر، فإذا طلع وجب الإمساك، أذن المؤذن أو لم يؤذن، قال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
_________________
(١) = في هذا الحديث فقط، بل شك حتى في روايته لهذا الحديث من مسند ابن عمر، كما سبق. انظر: تخريج ح: (١٣٢). الأمر الثاني: الاختلاف على شعبة في ذكر لفظ: (الصعود والنزول). فرواه أبو الوليد الطيالسي، كما في سنن البيهقي (١/ ٣٨٢) عن شعبة، موافقة لرواية منصور ابن زاذان. ليس فيها ذكر الصعود والنزول. ورواه أبو عمر الحوضي، واختلف عليه فيه: فرواه علي بن عبد العزيز كما في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩١) ح ٤٨٠، عن أبي عمر الحوضي، عن شعبة به. بذكر الصعود والنزول. وخالفه محمد بن أيوب، فرواه عن أبي عمر الحوضي، كما في السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٨٢). ولم يذكر الصعود والنزول. ورواه محمد بن جعفر، والنضر بن شميل، ويزيد بن زريع، وأبو داود الطيالسي، وعفان، وسليمان بن حرب، كلهم رووه عن شعبة بذكر الصعود والنزول. ورواه روح بن عبادة، عن شعبة به، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣٨) وفيه: فكان إذا نزل هذا وأراد أن يصعد هذا. وهذه ليس فيها ولم يكن بينهما إلا أن يصعد هذا وينزل هذا. فرواية منصور هي الأرجح عندي؛ لأنه لم يختلف عليه فيها، انظر تخريج الحديث، والوقوف على عزو الروايات فيما سبق تخريجه، والحمد لله.
[ ١ / ٣٥٢ ]
مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال الباجي: «ولا خلاف أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع الفجر» (^١).
وعلى كل حال فإن كان محفوظًا عن الصحابة قولهم: (وما كان بينهم إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا)، فالمراد منه ليس على ظاهره؛ لأن الأذان الأول قد نص على أن الحكمة منه ليرجع القائم، ولينتبه النائم، ويكمل من يريد الصيام سحوره قبل طلوع الفجر، ولم يكن عند الصحابة ساعة حتى إذا بقي من الليل مقدار ما يؤذن المؤذن وينزل، ويصعد الآخر يكون الفجر قد طلع، بل لو كلف أحد في ذلك الوقت أن يتحرى هذا الوقت لكان ذلك شاقًّا عليهم، فإن هذا ليس بالأمر السهل، والله أعلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه إذا كان التفاوت بينهما هو مجرد النزول والصعود ذهبت الحكمة من الأذان الأول، والله أعلم.
_________________
(١) المنتقى (١/ ١٤١).
[ ١ / ٣٥٣ ]