المدخل إلى المسألة:
• أمرنا الشارع بالإقامة، والأمر مطلق، وما كان مطلقًا فهو على إطلاقه لا يقيد إلا بدليل.
• استحباب مكان معين للعبادة يحتاج إلى توقيف، والأصل عدم الاستحباب.
• جاءت النصوص الصحيحة بأن بلالًا، وابن أم مكتوم كان كل منهما يصعد للأذان، ولم يرد مثل ذلك في الإقامة، والأصل عدم الصعود للإقامة.
• الإقامة إعلام بالدخول في الصلاة، فإذا أقام بأي موضع فقد حصل الامتثال.
• إسماع الإقامة لمن هم خارج المسجد مقصود شرعًا، ورتب الشارع على سماعها أحكامًا، من المشي للصلاة، وتقديم الأكل على الإجابة، ونحو ذلك.
[م-٦٧] اختلف الفقهاء في استحباب الإقامة في موضع الأذان على قولين:
فقيل: يستحب أن يكون الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، صوبه في الإنصاف (^١).
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/ ٩٢)، فتح القدير (١/ ٢٤٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٤٦)، البحر الرائق (١/ ٢٧٥). وقد صرح المالكية بأنه يؤذن راكبًا، ولا يقيم إلا نازلًا، وهو يتضمن أن يكون موضع الإقامة غير موضع الأذان، انظر: الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٧٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٥)، البيان والتحصيل (١/ ١٧٥)، الخرشي (١/ ٢٣٦)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، المجموع (٣/ ١٢٧)، البيان للعمراني (٢/ ٨٥)، فتح العزيز (٣/ ٢٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٤)، أسنى المطالب (١/ ١٣٠)، مغني المحتاج (١/ ١٣٨). وقال في الإنصاف (١/ ٤١٨): «قوله: (ويقيم في موضع أذانه، إلا أن يشق عليه)، وهو المذهب. وعليه الأصحاب. وهو من المفردات. وقال في النصيحة: السنة أن يؤذن بالمنارة، ويقيم أسفل. قلت: وهو الصواب. وعليه العمل في جميع الأمصار والأعصار».
[ ١ / ٥١٣ ]
قال ابن نجيم: «السنة أن يكون الأذان في المنارة والإقامة في المسجد» (^١).
وسَهَّل المالكية الإقامة في صحن المسجد إن كان يريد أن يسمع من حول المسجد، وإلا فهو خطأ.
وجاء في الذخيرة: «إذا كان المستحب إيصالها -يعني الإقامة- بالصلاة، فهل يبعد المؤذن عن الإمام، مثل الجامع الواسع يخرج إلى بابه، أو يصعد على سطحه فيقيم؟ قال ابن القاسم: يفعل إن كان يسمع من حوله، وإلا فهو خطأ» (^٢).
وقيل: يستحب أن يقيم في موضع أذانه، إلا أن يشق عليهم؛ لكونه قد أذن في مكان بعيد، فيقيم في المسجد. وهذا من مفردات مذهب الحنابلة (^٣).
• دليل من قال: يتحول في الإقامة عن موضع الأذان:
الدليل الأول:
(ح-١٧٨) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة، طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان، ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر وذكر الإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[حديث حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق، وثبت سماع محمد بن عبد الله بن
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٢٧٥).
(٢) الخرشي (١/ ٢٣٦).
(٣) الكافي (١/ ١٠٥)، المغني (١/ ٢٤٩)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، الإنصاف (١/ ٤١٨)، الإقناع (١/ ٧٨).
[ ١ / ٥١٤ ]
زيد من أبيه] (^١).
وجه الاستدلال:
قال الخطابي: «قوله (ثم استأخر غير بعيد) يدل على أن المستحب أن تكون الإقامة في غير موقف الأذان» (^٢).
وقد يقال: إنه فعل ذلك إشارةً لوجود فاصل بين الأذان والإقامة.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن الجريري،
عن عبد الله بن شقيق قال: من السنة الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عبد الله، يفعله (^٣).
[إسناده صحيح، وعبد الله يحتمل أنه ابن عمر، وهو مكثر عنه، ويحتمل أنه ابن عباس، ولا يراد به ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود وفاته مبكرة] (^٤).
وجه الاستدلال:
قول التابعي: (من السنة كذا) مختلف فيه، أهو موقوف متصل أم هو مرفوع مرسل، والأرجح أن له حكم الوقف؛ لأنه يحتمل أنه قصد به سنة البلد، إلا أن قوله: وكان عبد الله يفعله موقوف صريح و.
• ويناقش:
إذا كان الصحابة يقيمون في المسجد، فهل كان فعلهم له في هذا المكان على وجه التعبد، بحيث تكون مخالفته مخالفة للمشروع، أو يكون فعلهم له اتفاقًا،
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر ح (٢٧).
(٢) معالم السنن (١/ ١٥٣).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٣١).
(٤) إسناده صحيح، وقد روى الشيخان عن الجريري من رواية عبد الأعلى عنه، فهو ممن سمع منه قبل تغيره، والله أعلم، وروي مرفوعًا أخرجه البيهقي (١/ ٦٢٥) من طريق خالد بن عمرو، أخبرنا سفيان الثوري، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي برزة الأسلمي، به. وهذا موضوع، في إسناده خالد بن عمرو: كذبه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه موضوعة.
[ ١ / ٥١٥ ]
وليس تحريًا للمكان، باعتبار أن كل فعل لابد له من ظرف؟ هذا يحتمل، وإن كان الأصل عدم المشروعية حتى ينقلنا عن ذلك دليل صريح، والله أعلم.
الدليل الثالث:
من النظر فإن الإقامة إذا كانت في موضع الأذان لم تتصل الإقامة بالصلاة، ووجد فاصل بينهما، وقد قال المالكية: «والسنة اتصال الإقامة بالصلاة» (^١).
• ويناقش:
بأن اتصال الإقامة بالصلاة ممكن، حتى ولو أقام في المنارة وذلك بأن يدخل الإمام بالصلاة من حين الفراغ من الإقامة، ولا ينتظر إلى حين نزول المؤذن ودخوله في الصلاة مع المصلين، ومراعاة مصلحة الصلاة وجموع المصلين أولى من مراعاة مصلحة المؤذن.
• دليل من قال: يقيم في موضع أذانه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،
عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (^٢).
[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (^٣).
_________________
(١) الخرشي (١/ ٢٣٦).
(٢) المسند (٦/ ١٢).
(٣) حاول ابن التركماني أن يقول: إذا قال أبو عثمان: قال بلال، فهو محمول على الاتصال، فهو بمنزلة قوله: عن بلال، قال في الجوهر النقي (٢/ ٢٣): «أبو عثمان أسلم على عهد النبي ﷺ، وسمع جمعًا كثيرًا من أصحابه ﵇، كعمر بن الخطاب وغيره، فإذا روى عن بلال بلفظ (عن) أو (قال) فهو محمول على الاتصال على ما هو المشهور عندهم». ويجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: جاء في فتح الباري لابن رجب (٧/ ٩٢) «قيل: إن أبا عثمان لم يسمع من بلال بالكلية؛ لأنه قدم المدينة في خلافة عمر، وقد كان بلال انتقل إلى الشام قبل ذلك». الجواب الثاني: أن الأئمة قد حكموا عليه بالإرسال كالدارقطني، وأبي حاتم كما في العلل لابنه =
[ ١ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (١/ ١١٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، وغيرهم. جاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ١١٦): سألت أبي عن حديث رواه محمد بن أبي بكر المقدمي، عن عباد بن عباد المهلبي، والصباح بن سهل، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن بلال، أنه سأل النبي ﷺ، قال: (لا تسبقني بآمين) قال أبي: هذا خطأ، رواه الثقات عن عاصم، عن أبي عثمان، أن بلالًا قال للنبي ﷺ … مرسل». وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٦٣): «رجاله ثقات، لكن قيل: إن أبا عثمان لم يلق بلالًا، وقد روي عنه بلفظ: أن بلالا قال، وهو ظاهر الإرسال، ورجحه الدارقطني وغيره على الموصول». ولا أرى معارضة كلام الأئمة بالاحتمال الذي ساقه ابن التركماني عفا الله عني وعنه. الجواب الثالث: أن الطبراني قد أخرجه في المعجم الكبير (١/ ٣٦٦) ح ١١٢٤، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، أن بلالًا قال للنبي ﷺ: لا تسبقني بآمين. وهذه صريحة بالإرسال. والحديث مداره على عاصم الأحول، عن أبي عثمان، واختلف في إسناده على عاصم على خمسة وجوه، منها: الوجه الأول: عن أبي عثمان، عن بلال. رواه سفيان الثوري، واختلف عليه فيه: فأخرجه أبو داود (٩٣٧) من طريق وكيع. وابن خزيمة في صحيحه (٥٧٣) والخطيب البغدادي في تاريخه (٣/ ٨٥) حدثنا محمد بن حسان الأزرق حدثنا ابن مهدي. والشاشي في مسنده (٩٧٦)، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مطر، أخبرنا علي بن قادم، ثلاثتهم (وكيع، وابن مهدي، وعلي بن قادم) عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال. وشيخ الشاشي مجهول لم أقف على أحد وثقه، وعلي بن قادم ضعيف. ولم ينفرد الثوري فقد أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٢٤٣) من طريق القاسم بن معن. والبزار في مسنده (١٣٧٥) من طريق المغيرة بن مسلم. والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢) من طريق عباد بن عباد، ثلاثتهم (القاسم بن معن، والمغيرة بن مسلم وعباد بن عباد) رووه عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن بلال. إلا أنك ترى أن هذه الطرق عند الطبراني والبزار، وهي مجمع الغرائب والمناكير. وخالف هؤلاء عبد الرزاق كما في المصنف (٢٦٣٦)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٥) فرواه عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: قال بلال. وكذا رواه شعبة، وحفص، ومحمد بن فضيل، وعبد الواحد، كلهم رووه عن عاصم، بمثل رواية عبد الرزاق عن الثوري، وهذه الروايات في كتب السنة المشهورة، وسيأتي تخريجها في الوجه الثاني. =
[ ١ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد رواه عبد الرزاق عند الطبراني (١١٢٤) عن الثوري به، أن بلالًا. وهذا اختلاف آخر على عبد الرزاق، إلا أنه انفرد به الطبراني، وهو كما قلت لك، مع مخالفته ما في مصنف عبد الرزاق، وسيأتي ذكره في الوجه الثالث. وقد استغرب ابن خزيمة في صحيحه (٥٧٣) رواية محمد بن حسان الأزرق حتى قال: حدثنا بخبر غريب غريب، إن كان حفظ اتصال الإسناد … ثم قال: هكذا أملى علينا محمد بن حسان هذا الحديث من أصله … الثوري، عن عاصم فقال: عن بلال، والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد عن أبي عثمان: أن بلالًا قال للنبي ﷺ. وقد رجح البيهقي رواية عبد الرزاق، فقال بعد أن ذكر رواية عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: قال بلال، قال البيهقي: «ورواه وكيع، عن سفيان، فقال: عن بلال، أنه قال: يا رسول الله، ورواية عبد الرزاق أصح، كذلك رواه عبد الواحد بن زياد، عن عاصم، ورواه شعبة بن الحجاج، عن عاصم». الوجه الثاني: عن أبي عثمان، قال: قال بلال. أخرجه عبد الرزاق (٢٦٣٦) ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٥) عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: قال بلال. ورواه ابن أبي شيبة حدثنا حفص. ورواه أحمد عن محمد بن فضيل، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٦). ورواه أحمد حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣) من طريق عبد الواحد كلهم (الثوري من رواية عبد الرزاق، وحفص ومحمد بن فضيل، وشعبة وعبد الواحد) رووه عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: قال بلال … وذكر الحديث. وهذا ظاهره الإرسال. الوجه الثالث: عن أبي عثمان، أن بلالًا. وهذا الوجه يشبه الوجه الثاني في الحكم. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١٢٤) حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، أن بلالًا. وهذا الطريق عن عبد الرزاق مما تفرد به الطبراني، وهو مخالف لما في المصنف، وقد نبه الحافظ ابن رجب عما انفرد به الطبراني، فقال في شرح علل الترمذي (٢/ ٦٢٤): «نجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث لا يُعْنَى بالأصول الصحاح، كالكتب الستة ونحوها، ويُعْنَى بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير». اه. وفيه طريق آخر رواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١٢٩) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة=
[ ١ / ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (١/ ٢٤٥) حدثني أبو منصور سليمان بن محمد بن الفضل، حدثنا ابن أبي عمر (هو العدني) حدثنا ابن عيينة، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، أن بلالًا قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين. ورجاله ثقات إلا شيخ أبي بكر سليمان بن محمد بن الفضل البجلي فإنه ضعيف. ورواه وكيع، واختلف عليه: فرواه ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٥) من طريق موسى بن معاوية، عن وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان أن بلالًا. وخالفه الإمام إسحاق بن راهويه كما في سنن أبي داود (٩٣٧) فرواه عن وكيع به، فقال: عن بلال، فجعله من مسند بلال. الوجه الرابع: عن أبي عثمان عن سلمان، أن بلالًا قال للنبي ﷺ: لا تسبقني بآمين. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢٥٣) ح: ٦١٣٦، حدثنا محمد بن العباس الأخرم، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا سعد بن عمرو الأشعثي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، أن بلالًا قال للنبي ﷺ: لا تسبقني بآمين. وإسناد رجاله كلهم ثقات، ومحمد بن العباس الأخرم، وإن كان قد اختلط، إلا أنه قطع الحديث بعد اختلاطه. ولا شك أن ذكر الحديث من مسند سلمان خطأ تفرد به إما الأشعثي أو من كان دونه، وقد خولف: فقد رواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١٢٩) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢٤٥) من طريق ابن أبي عمر العدني، عن ابن عيينة، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، أن بلالًا قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين، وسندها ضعيف كما ذكرنا، وليس فيها ذكر لسلمان. وقد ضعف البيهقي الحديث من مسند سلمان، قال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢): «وروي بإسناد ضعيف، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: قال بلال. وليس بشيء». والحديث من رواية ابن عيينة لم يَأْتِ إلا من هذين الطريقين، على اختلافهما، فأين أصحاب ابن عيينة لو كان هذا من حديثه؟ الوجه الخامس: عن أبي عثمان، عن بلال، أن رسول الله ﷺ قال لبلال: لا تسبقني بآمين، فانقلب متنه، وصار القائل هو الرسول ﷺ، وكأن بلالًا كان يتقدم على النبي ﷺ بالتأمين، فنهاه. رواه الحاكم في المستدرك، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٥٦) قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا الحسن بن مكرم، ثنا روح بن عباده، حدثنا شعبة. قال: وأخبرني عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن عاصم بن سليمان، قال: وفي حديث روح، قال: كتب إلي عاصم بن=
[ ١ / ٥١٩ ]
الدليل الثاني:
(ح-١٨١) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فَصَلُّوا، وما فاتكم فَأَتِمُّوا (^١).
(ث-٣٩) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر سمع الإقامة، وهو في البقيع، فأسرع المشي إلى المسجد (^٢).
وجه الاستدلال من الحديث والأثر:
_________________
(١) = ليمان، أن أبا عثمان النهدي حدثه عن بلال، أن رسول الله ﷺ قال: لا تسبقني بآمين. والإسناد الأول إلى شعبة رجاله ثقات، إلا أحمد بن سليمان الفقيه فإنه حسن الحديث. والإسناد الثاني ضعيف جدًّا، فإن عبد الرحمن بن الحسن متهم بالكذب، والله أعلم، وعلى كل حال، فإن إسناده لا شك أنه منقلب على راويه، مخالف لكل من رواه عن عاصم، عن أبي عثمان النهدي، والله أعلم. الخلاصة: الحديث بلفظ: (عن أبي عثمان أن بلالًا …) لم يأت إلا من طريق الطبراني من رواية الدبري، عن عبد الرزاق، وهو خلاف ما رواه عبد الرزاق في المصنف. وبما رواه أبو بكر الشافعي بإسناد ضعيف، فلا أستطيع أن أعتبر هذا اللفظ هو المحفوظ من رواية أبي عثمان النهدي، ولا أرى أن هذا اللفظ يُعَلُّ به غيره. كما أن ذكر الحديث من مسند سلمان شاذ جدًّا. ويبقى الترجيح بين الطريقين: عن بلال، أو قال: قال بلال. فالأول أكثر المتابعات وردت له عند الطبراني والبزار، وهي مجمع الغرائب والمنكرات بخلاف الثاني فإنه في دواوين أهل السنة، فالراجح عندي في إسناده (قال: قال بلال)، وهو ظاهر الإرسال، وعلى التنزل أن يكون المحفوظ هو قولهم: (عن بلال)، فإن العلة عدم سماع أبي عثمان النهدي من بلال، حيث قدم على المدينة في زمن عمر، وكان بلال قد غادر إلى الشام، ولم أقف على طريق واحد يصرح فيه بالسماع، والله أعلم.
(٢) صحيح البخاري (٦٣٦)، وهو في مسلم بنحوه (٦٠٢).
(٣) موطأ مالك (١/ ٧٢)، وعن مالك رواه عبد الرزاق في المصنف (٣٤١١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧٣٩٥).
[ ١ / ٥٢٠ ]
لو كانت الإقامة في المسجد لما سمعها ابن عمر من البقيع، ولم يكن سماعها عارضًا؛ لأن الشارع رتب على سماع الإقامة حكمًا شرعيًّا، وهو السعي إلى الصلاة، فكان مقصودًا شرعيًّا أن يسمعها الناس من خارج المسجد، فكانت كالأذان.
• يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الإمام أحمد، وهو المتفرد بهذا القول من جهة الفقه قد صرح بأنه ليس عنده دليل في المسألة إلا ما روي من قوله: لا تسبقني بآمين.
جاء في المغني: «ويستحب أن يقيم في موضع أذانه. قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال: لا تسبقني بآمين» (^١).
الوجه الثاني:
أن مسجد رسول الله ﷺ كان مكشوفًا إلا من سعف النخيل، ومكانه في ذلك الوقت كان محدودًا، والدور كانت ملاصقة له على صغرها، والناس ليسوا بالكثير حتى كانت قراءة الإمام تسمع من البيوت كما سيأتي في الدليل التالي، وكان الرجل لو صاح في طرف المدينة لبلغ صوته الطرف الآخر، لهذا كانت الإقامة تسمع من داخل المسجد، وليس هذا دليلًا على أن سماع الإقامة من مكان الأذان، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٢) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (^٢).
وجه الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، والجواب عنه
كالجواب عن الدليل السابق.
_________________
(١) المغني (١/ ٣٠٢).
(٢) البخاري (٦٧٣)، وهو في مسلم بنحوه (٥٥٩).
[ ١ / ٥٢١ ]
• الراجح:
أرى أن القولين لا يركنان إلى سنة حاسمة، فحديث (استأخر عني غير بعيد) ليس صريحًا بأن موضع الإقامة غير موضع الأذان، وعلى صحة الحديث قد يشير إلى وجود فاصل بين الإقامة والأذان.
ويبقى النظر في التعليل، فالجمهور أقوى من حيث التعليل؛ حيث إن مصلحة الإقامة في المسجد تحقق اتصال الإقامة بالصلاة، خاصة أن الإقامة هي من أجل إعلان إقامة الصلاة، فإذا أقام في موضع أذانه أدى ذلك إما إلى تأخر الدخول في الصلاة من أجل انتظار لحاق المؤذن، وهذا مخالف للمقصود من الإقامة، أو الدخول بالصلاة دون انتظار المؤذن، وهذا يؤدي إلى حرمانه من جزء من الصلاة، وأما دليل الحنابلة من حديث لا تسبقني بآمين فهو حديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج، ومع وجود مكبرات الصوت اليوم يستطيع الإنسان أن يأخذ بقول الحنابلة، ولا يخالف قول الجمهور، ذلك أنه يقيم بالمسجد، ومكبرات الصوت تقوم بإبلاغ صوته، فصدق عليه أنه أقام في موضع أذانه، والله أعلم.
[ ١ / ٥٢٢ ]