[م-٨٠] اختلف الفقهاء في تقديم من بنى المسجد على غيره في الأذان:
القول الأول:
أن الباني أحق بالإمامة والأذان، وولده من بعده، وعشيرته أولى بذلك من غيرهم، وبه قال الحنفية، وطائفة من الشافعية (^١).
جاء في خزانة المفتين: «وولاية الأذان والإقامة لمن بنى المسجد وإن كان فاسقًا، والقوم كارهون له» (^٢).
قال الروياني من الشافعية: إن من بنى المسجد فهو أحق بأذانه وإمامته، كما أن من أعتق عبدًا فله ولاؤه (^٣).
وهذا التشبيه لا يصح؛ لأن ثبوت الولاء على العبد المُعْتَق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته، والحجر عليه، والانتفاع بماله، وإنما يستفيد به رجوع ماله إليه بعد موته؛ لأنه لا بد من انتقال المال عنه حينئذٍ، فالمعتق أحق به من غيره من المسلمين؛ لاختصاصه بإنعامه عليه.
وأما المسجد، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم، واعتكافهم، وعباداتهم، والباني له كبقية المسلمين في ذلك من غير زيادة.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (١/ ٢٦٨)، الهداية شرح البداية (٣/ ٢٠)، فتح القدير (٦/ ٢٣٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٠٠).
(٢) خوانة المفتين (ص: ٣٤٧).
(٣) نقلًا من فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٨٥)، وانظر: المبدع (٢/ ٧١).
[ ٢ / ٣٠ ]
القول الثاني:
لا يعد اختيار من بنى المسجد، نص عليه أحمد، معللًا بأن المسجد لله، ليس للذي بناه، وهو المشهور عن الشافعية بأن باني المسجد ليس أحق بإمامته وأذانه من غيره (^١).
وجاء في الدر المختار في كتاب الوقف: «الباني للقوم أولى من القوم بنصب الإمام والمؤذن في المختار إلا إذا عين القوم أصلح ممن عينه الباني، قال ابن عابدين: لأن منفعة ذلك ترجع إليهم» (^٢).
القول الثالث:
إن شرط باني المسجد عند وقفه له، قبل مصيره مسجدًا بالفعل، أنه وولده أحق بإمامته وأذانه صح شرطه، واتبع، وان كان غيرهم أقرأ منهم وأندى صوتًا، نص على ذلك: عبيد الله بن الحسن العنبري.
وهو قياس قول أحمد في العمل بشرط الواقف (^٣).
وكأنه استحق هذا بالشرط، فهو لم تطب نفسه بالوقف إلا بهذا الشرط، وشرط الواقف كنص الشارع.
وقد ناقشت الموقف من شرط الواقف في عقد الوقف من كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، فانظره هناك.
_________________
(١) مسائل حرب الكرماني، ت: السريع (ص: ٢٥٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص: ٩٩)، المبدع (٢/ ٧١).
(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (٤/ ٤٣٠).
(٣) انظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٨٥).
[ ٢ / ٣١ ]