[م-٧٢] هناك صفات تنازع الفقهاء فيها، هل هي من صفات الكمال في المؤذن، أو هي من الشروط؟ كما في اشتراط العلم بالوقت، وتكلمت على ذلك في باب الشروط، ومنها العدالة، فبعضهم يعتبرها من الشروط، وبعضهم يعتبرها من صفات الكمال، والاستحباب، وقد بحثت كلام الفقهاء في حكم عدالة المؤذن في باب الشروط، فلا حاجة إلى إعادة البحث هنا، وقد رجحت أن العدالة ليست بشرط في صحة الأذان على الصحيح، والذي اقتضى إعادة هذه المسألة في باب الصفات المستحبة التنبيه على مذهب الحنابلة في هذه المسألة، فالحنابلة نَصُّوا على أن الأمانة مستحبة، وفسروا الأمانة بالعدالة، وإذا كان الأمين هو العدل: فإن العدالة عند الحنابلة شرط في المشهور من المذهب، فما توجيه مثل هذه النصوص المتعارضة عند الحنابلة.
قال في الإقناع: «ويسن كون المؤذن صَيِّتًا أمينًا …» (^١).
ثم قال بعد ذلك: «وتشترط ذكوريته … وعدالته» (^٢).
وفي دليل الطالب: وشرط كونه -أي المؤذن- مسلمًا … عدلًا ولو ظاهرًا وسن كونه صيتًا أمينًا …» (^٣).
فجعل العدالة شرطًا، وجعل الأمانة من المسنونات، وكان يمكن أن تحمل الأمانة على غير العدالة دفعًا للتعارض، ولكن الحنابلة فسروا قوله: أمينًا: أي عدلًا (^٤).
_________________
(١) الإقناع (١/ ٧٦).
(٢) الإقناع (١/ ٧٧).
(٣) دليل الطالب (ص: ٢٦).
(٤) انظر كشاف القناع (١/ ٢٣٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٣)، الروض المربع (ص: ٦٤).
[ ١ / ٥٤٠ ]
فبعضهم اعتبر استحباب أن يكون أمينًا قولًا مرجوحًا، ومن ذلك شيخنا أبو عبد الله محمد بن عثيمين يرحمه الله، قال في الشرح الممتع: «قوله: (أمينًا)، الظاهر من المذهب: أن كونه أمينًا سنة، والصحيح أنه واجب».
والصحيح أن المذهب يرى أن العدالة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو شرط فيقصدون بالعدالة المستحبة العدالةَ الباطنةَ، ويقصدون بالعدالة التي هي شرط العدالةَ الظاهرة (^١).
قال ابن قدامة: «ولا خلاف في الاعتداد بأذان من هو مستور الحال» (^٢).
وقد يقال: بأن هناك فرقًا بين العدالة والأمانة، فإن العدل إذا جُرِحَ في شيء كان جرحًا في كل شيء، بخلاف الأمانة فقد يكون أمينًا في شيء، وإن كان غير مؤتمن في غيره، فيستحب أن يكون أمينًا بما يتعلق بالأذان، وإن لم يكن أمينًا في غيره، فإذا اطَّلع بلا قصدٍ على شيء من عوراتِ الناسِ ستر ذلك، وكان أمينًا عليها. والله أعلم.
_________________
(١) انظر حاشية ابن قاسم على الروض المربع (١/ ٤٣٥).
(٢) المغني (١/ ٣٠٠).
[ ١ / ٥٤١ ]