الفرع الأول
في استحباب القيام في الأذان
المدخل إلى المسألة:
• ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في الاستحباب إلا أنه عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف.
• القيام في الأذان أهو مطلوب لذاته، أم لكونه أبلغ في الإعلام من القاعد، فلو أذن على مرتفع، أو بمكبر الصوت لم يطلب؟ الثاني أقوى.
• لا يكره الأذان من القاعد؛ حيث لم يحفظ نهي من الشارع عنه، ولأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.
• القيام منه ما هو فرض بالاتفاق كالقيام في الصلاة المكتوبة، ومنه ما هو مختلف في وجوبه، والصحيح عدم الوجوب كالقيام في خطبة الجمعة، والأذان، وترك الركوب في الطواف، ومنه ما هو سنة كالقيام في النافلة، ومنه ما هو مكروه كالأكل والشرب قائمًا بلا حاجة، ومنه ما هو محرم كالقيام على أهل التجبر إكبارًا وتعظيمًا، ومنه ما هو مباح كالبول قائمًا إذا أمن التلوث والناظر إليه، وهذا القسم هو الأصل.
• الأذان نوع من ذكر الله وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
[م-٤٧] اختلف الفقهاء في حكم القيام للأذان:
[ ١ / ٤٠٠ ]
فقيل: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).
وقيل: شرط، فلا يصح الأذان من القاعد.
وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن حامد، وابن تيمية، وقال به مالك لمن يؤذن لغيره، ورجحه القاضي عياض (^٢).
وقال أبو ثور: يؤذن جالسًا من غير علة (^٣).
وقيل: لا يصح أذان المضطجع، حكاه القاضي حسين وجهًا عند الشافعية (^٤).
• وقد استدل من استحب القيام للأذان بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٤٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة … فذكر نومهم عن صلاة الصبح في حديث طويل، وفيه: قال ﷺ: يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة … (^٥).
الدليل الثاني:
(ح-١٤٩) ما رواه البخاري، ومسلم، من طريق ابن جريج، عن نافع،
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، تبيين الحقائق (١/ ٩٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، المبسوط (١/ ١٣٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١١٢)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩)، الخرشي (١/ ٢٣٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٩٦)، منح الجليل (١/ ٢٠١)، فتح العزيز (٣/ ١٧٣)، المجموع (٣/ ١١٤)، روضة الطالبين (١/ ١٩٩)، الإنصاف (١/ ٤١٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٣).
(٢) جاء في المجموع (٣/ ١١٤): «ذكر جماعات من الخراسانيين في اشتراط القيام واستقبال القبلة في حال القدرة وجهين». وانظر مطالب أولي النهى (٢/ ٣٩ - ٤٠)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٧٣)، وانظر: المدونة (١/ ٥٩)، وإكمال المعلم (٢/ ٢٣٩)، الاختيارات الفقهية (ص: ٣٦)، الإنصاف (١/ ٤١٥)، تصحيح الفروع (١/ ٣١٦).
(٣) الإجماع (ص: ٣٨).
(٤) فتح العزيز (٣/ ١٧٣)، المجموع (٣/ ١١٤)، روضة الطالبين (١/ ١٩٩).
(٥) البخاري (٥٩٥).
[ ١ / ٤٠١ ]
أن ابن عمر، كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس يُنَادَى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قم فَنَادِ بالصلاة (^١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
قوله: (قم فناد بالصلاة): قال ابن المنذر وابن خزيمة والقاضي عياض: فيه حجة لشرع الأذان قائمًا (^٢).
• وأجيب:
قال النووي: «المراد قم، فاذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة؛ ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان … ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم» (^٣).
ولو قال النبي ﷺ: يا بلال نَادِ قائمًا لكان نصًّا في موضع النزاع، وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد: (يا عبد الله قم، فألقه على بلال، فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتًا منك)، هل يقال: إن التلقين كان مشروعًا فيه القيام؟ فالباب واحد، ومن فرق فقد تكلف، ومثله لو قلت لولدك: قم ذاكر دروسك، هل يتصور أنك تأمره بالمذاكرة قائمًا؟
الدليل الثالث:
(ح-١٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلًا قام، وعليه بردان أخضران على جذمة حائط، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة،
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٠٤)، مسلم (٣٧٧).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٨٧)، فتح الباري (٢/ ٨١).
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٧٧).
[ ١ / ٤٠٢ ]
فسمع ذلك بلال، فقام، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة (^١).
• وأجيب:
بأن وكيعًا قد انفرد فيه في مسألتين:
إحداهما: تفرده عن الأعمش بوصله، وأصحاب الأعمش رووه عنه مرسلًا، وهو المحفوظ، كما أن شعبة وسفيان روياه عن عمرو بن مرة مرسلًا، وكذا رواه الثوري عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وليس فيه ما ذكره وكيع.
الثانية: تفرد وكيع بأن عبد الله بن زيد قد رأى الملك قام، فأذن، والرواية الموصولة من مسند عبد الله بن زيد أنه رأى الملك، ومعه ناقوس، فطلب أن يشتريه منه للأذان، فقال الملك: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك، تقول … فألقى عليه الأذان تلقينًا، والقصة لا تحتمل التعدد (^٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٥١) ما رواه أحمد عن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن محيريز أخبره - وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حتى جهزه إلى الشام قال: فقلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك،
فأخبرني أن أبا محذورة، قال له: نعم خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه، ونستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟
_________________
(١) المصنف (٢١٣١).
(٢) سبق تخريج رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى مرتين، مرة عند تخريج حديث عبد الله بن زيد، حيث ذكر ضمن الشواهد في الباب الأول، ومرة عند الكلام على استقبال القبلة حال الأذان في المسألة السابقة، فانظره إن شئت أيها المبارك.
[ ١ / ٤٠٣ ]
فأشار القوم كلهم إليَّ، وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت، ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى إليَّ رسول الله ﷺ التأذين هو نفسه، فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر … الحديث.
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ: (قم فأذن بالصلاة)، وهذا يدل على مشروعية القيام في الصلاة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن قوله (قم فأذن بالصلاة) قد انفرد به عبد العزيز بن عبد الملك عن ابن محيريز، وخالفه من هو أقوى منه، فرواه مكحول، عن ابن محيريز، كما في مسلم، وليس فيه هذا اللفظ، كما رواه عبد الملك بن أبي محذورة عن ابن محيريز، ولم يذكرها (^١).
الوجه الثاني:
أن هذا الأذان لم يكن للإعلام بالصلاة، وإنما كان للتجريب والتأهيل، فلا يؤخذ منه أحكام الأذان.
الدليل الخامس:
ما رواه البيهقي من طريق عمير بن عمران العلاف، قال: حدثنا الحارث بن عِنَبة، عن عبد الجبار بن وائل.
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم.
قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل (^٢).
_________________
(١) الحديث رواه مكحول كما في صحيح مسلم (٣٧٩)، وعبد الملك بن أبي محذورة كما في سنن أبي داود (٥٠٥)، كلاهما عن ابن محيريز، به، وليس فيه قوله: (قم فأذن بالصلاة) فأخشى أن تكون هذه اللفظة من الحديث ليست محفوظة، انظر تخريج طريق عبد العزيز بن عبد الملك، وطريق عبد الملك بن أبي محذورة في الباب الثاني من أبواب الأذان، عند الكلام على صفة التكبير في الأذان، ح (٣٠، ٣١)، فأغنى تخريجه هناك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
(٢) سنن البيهقي (١/ ٣٩٧)، وسبق تخريجه، انظر: (ح: ١٤١).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الدليل السادس:
قال ابن المنذر في الإجماع: «وأجمعوا على أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائمًا، وانفرد أبو ثور فقال: يؤذن جالسًا من غير علة» (^١).
وقال في الأوسط: «لم يختلف أهل العلم في أن من السنة أن يؤذن، وهو قائم إلا من علة» (^٢).
الدليل السابع:
أن الأذان قائمًا هو عمل الناس، والعادة محكمة، قال ابن حزم: «تخيرنا أن يؤذن، ويقيم على طهارة قائمًا إلى القبلة؛ لأنه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا» (^٣).
الدليل الثامن:
الأذان خطاب موجه لجماعة المسلمين، فيحتاج المؤذن إلى النداء قائمًا لأنه أبلغ في الإعلام، ولهذا كان الرسول ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا.
• دليل من قال: يشترط القيام للأذان:
الدليل الأول:
قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (^٤).
• ويجاب عنه:
لو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولَمَا أجزأ عندهم.
الدليل الثاني:
قال الرافعي: «شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه» (^٥).
قال إمام الحرمين «وهذا ما بنى عليه الشافعي في إيجاب القيام في الخطبتين،
_________________
(١) الإجماع (ص: ٣٨).
(٢) الأوسط (٣/ ٤٦).
(٣) المحلى، مسألة (٣٢٥).
(٤) العناية (١/ ٢٥٢).
(٥) فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ١٧٣).
[ ١ / ٤٠٥ ]
والقعود بينهما في يوم الجمعة» (^١).
• ويناقش:
بأن الاحتجاج بالفعل، والاستمرار عليه، لا يدل على وجوبه، فضلًا عن اشتراطه؛ لأن الشرطية قدر زائد على الوجوب، لا يثبت إلا مع نفي الأذان بانتفاء القيام، كما جاء في الحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
ولذلك لم ير الحنابلة أن القيام في الخطبتين واجب، قال ابن قدامة: «فإن أذن قاعدًا لغير عذر فقد كرهه أهل العلم ويصح؛ فإنه ليس بآكد من الخطبة، وتصح من القاعد» (^٢).
• دليل من قال: لا يصح أذان المضطجع:
لا أعلم لهم دليلًا، إلا أن يقال: إن أذان القاعد مكروه عند الجمهور، والمضطجع أشد من القاعد، وكونه أشد لا يعني إلا التحريم، والتحريم ينافي الصحة. وهذا الاستدلال فيه تكلف، وهو مبني على التسليم بكراهة الأذان قاعدًا، ولا دليل على الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل من الشارع، وسوف أبحثها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
• الراجح:
الذي يظهر لي أنه ليس في الباب سنة يمكن الاعتماد عليها في استحباب القيام حال الأذان، ولو كان الاستحباب محفوظًا لجاءت به أدلة صحيحة صريحة، وما نقله ابن المنذر من إجماع على أنه من السنة في نفسي منه شيء، ولو ثبت لقضي الأمر، وكون الأئمة الأربعة على استحباب القيام، وفعل المؤذنين قديمًا وحديثًا يجعل أذان القائم عندي أولى من القاعد، ولا تثبت السنة به وحده إلا بدليل من الشارع، ومن استحب القيام لكونه أبلغ في الإعلام فهذا يمكن أن يقال قبل
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ٤٠).
(٢) المغني (١/ ٣٠٧).
[ ١ / ٤٠٦ ]
استحداث المكبرات، أما مع ظهورها فلا فرق في هذا بين أذان القائم والقاعد، ومن ترك القيام صح أذانه بلا كراهة على الصحيح؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.
ولذلك اعتمد ابن حزم على أن القيام في الأذان مباح لعدم النهي عنه، وفضل القيام لعمل الناس، ولو كان عنده سنة في ذلك لم يعتبره مباحًا، والله أعلم.
قال ابن حزم: «ويجزئ الأذان والإقامة قاعدًا وراكبًا، وعلى غير طهارة وجنبًا، وإلى غير القبلة، وأفضل ذلك أن لا يؤذن إلا قائمًا إلى القبلة على طهارة وهو قول داود وغيرهم في كل ذلك، وإنما قلنا ذلك: لأنه لم يَأْتِ عن شيء من هذا نهيٌ من عند الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فصح أن ما لم يُفَصَّلْ لنا تحريمه فهو مباح، وإنما تخيرنا أن يؤذن ويقيم على طهارة قائمًا إلى القبلة؛ لأنه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا» (^١)، والله أعلم.
فجمع ابن حزم بين الحكم بالإباحة، وبين تفضيل القيام.
_________________
(١) المحلى، مسألة (٣٢٥).
[ ١ / ٤٠٧ ]
الفرع الثاني في أذان القاعد وإقامته
المدخل إلى المسألة:
• ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في الاستحباب إلا أنه عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف.
• القيام في الأذان أهو مطلوب لذاته، أم لكون القائم أبلغ في الإعلام من القاعد، فلو أذن على مرتفع، أو بمكبر للصوت لم يُطْلَب؟ الظاهر الثاني.
• لا يكره الأذان من القاعد؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، ولم يحفظ في الباب نهي من الشارع.
[م-٤٨] إذا أذن المؤذن قاعدًا، فإما أن يكون ذلك لعلة، أو يكون بلا عذر.
فإن كان معذورًا لم يكره أذانه عند الجمهور (^١).
وقال مالك: لا يؤذن للجماعة، ولو كان معذورًا، إلا أن يؤذن لنفسه (^٢).
قلت: ومثله لو كان يؤذن لمثله.
• حجة الجمهور:
(ث-٢٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا وكيع، عن علي بن المبارك الهنائي، عن الحسن العبدي، قال:
رأيت أبا زيد صاحب رسول الله ﷺ وكانت رجله أصيبت في سبيل الله يؤذن، وهو قاعد (^٣).
[أرجو أن يكون حسنًا] (^٤).
_________________
(١) الإنصاف (١/ ٤١٤).
(٢) المدونة (١/ ٥٩)، وانظر إكمال المعلم بشرح فوائد مسلم للقاضي عياض (٢/ ٢٣٩).
(٣) المصنف (٢٢١٧).
(٤) رواه وكيع عن علي بن المبارك كما في مصنف ابن أبي شيبة. =
[ ١ / ٤٠٨ ]
• وحجة مالك على أنه لا يؤذن قاعدًا للجماعة:
ما جاء في المدونة: «قال ابن القاسم: وقال مالك: لم يبلغني أن أحدًا أذن قاعدًا، وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: إلا من عذر يؤذن لنفسه إذا كان مريضًا» (^١).
فكأن مداومة القيام من المؤذنين تجعل ذلك بمنزلة الشرط، فإذا عجز عنه سقطت أهليته، وانتقل الأذان إلى غيره إلا أن يؤذن لنفسه. وهذا الحكم قريب من أصول الشافعية حيث جعلوا القيام في خطبة الجمعة شرطًا في صحتها، لكون النبي ﷺ لم يخطب إلا قائمًا، فمداومة الفعل جعلت ذلك شرطًا.
[م-٤٩] هذا الخلاف في المؤذن يؤذن، ويقيم قاعدًا لعذر، فإن أذن، وأقام قاعدًا من غير عذر، فاختلف العلماء في حكمه:
فقيل: إن أذن لنفسه لم يكره، وإن أذن لغيره كره، وهو مذهب الحنفية (^٢).
وقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (^٣).
وقيل: لا يكره، اختاره أبو الفرج من المالكية، وأبو ثور من الشافعية، وهو
_________________
(١) = وتابع وكيعًا أبو عامر العقدي فرواه عن علي بن المبارك به، كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٢٢). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٧٧) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن محمد (هو العبدي) به بنحوه. وهذه متابعة علي بن المبارك. فعلى هذا يكون الحسن بن محمد العبدي قد روى عنه اثنان، فارتفعت جهالة عينه، وهو من التابعين، والكذب فيهم ليس فاشيًا كغيرهم، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٢٤). وهو يروي حدثًا وقف عليه بنفسه، وليس لفظًا يعتمد على الحفظ والضبط مما قد يدخله الوهم، فيكون صالحًا للاحتجاج، والله أعلم.
(٢) المدونة (١/ ٥٩)، وانظر إكمال المعلم بشرح فوائد مسلم للقاضي عياض (٢/ ٢٣٩).
(٣) الأصل (١/ ١٣١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، تبيين الحقائق (١/ ٩٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، المبسوط (١/ ١٣٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١١٢). قال ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص: ١٤١): يكره الأذان قاعدًا إلا لنفسه. اه
(٤) فتح العزيز (٣/ ١٧٣)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩)، لخرشي (١/ ٢٣٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٩٦)، منح الجليل (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٤٠٩ ]
راوية عن أحمد، واختيار ابن حزم (^١).
وقيل: يباح الأذان والإقامة للمسافر ماشيًا وراكبًا، وهو رواية عن أحمد (^٢).
وقيل: يحرم، وهو قول في مذهب المالكية، ورجحه القاضي عياض (^٣).
ولم يتعرض القاضي عياض للصحة، وحمله ابن ناجي على التحريم دون الصحة (^٤).
وقيل: إن أذن قاعدًا يعيد، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (^٥)، ورواية عن أحمد، اختارها ابن حامد من الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (^٦).
فيتلخص القول بالمسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول بالكراهة، وهي إما مطلقًا، كقول الجمهور، أو في حال أذن لغيره كمذهب الحنفية، أو في الحضر خاصة، وهو رواية عن أحمد.
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٤١)، المنتقى للباجي (١/ ١٣٩)، التوضيح (١/ ٢٩٤)، إكمال المعلم (٢/ ٢٣٩)، المحلى، مسألة (٣٢٥).
(٢) الإنصاف (١/ ٤١٤، ٤١٥).
(٣) قال البراذعي كما في تهذيب المدونة (١/ ٢٨٨): «ولا يؤذن قاعدًا إلا من عذر، فيؤذن لنفسه إن كان مريضًا». قال ابن ناجي: «يريد على سبيل التحريم». انظر: مواهب الجليل (١/ ٤٤١). وقال القاضي عياض كما في إكمال المعلم (٢/ ٢٣٩): «لا يجوز أذان القاعد عند العلماء إلا أبا ثور فأجازه، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا». قال النووي في شرح مسلم (٤/ ٧٧) متعقبًا كلام القاضي عياض: «وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القيام واجب فليس كما قال، بل مذهبنا: المشهور أنه سنة، فلو أذن قاعدًا بغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذن مضطجعًا مع قدرته على القيام صح أذانه على الأصح؛ لأن المراد الإعلام، وقد حصل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم».
(٤) مواهب الجليل (١/ ٤٤١).
(٥) جاء في المجموع (٣/ ١١٤): «ذكر جماعات من الخراسانيين في اشتراط القيام واستقبال القبلة في حال القدرة وجهين». وانظر البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٧٣)، مطالب أولي النهى (٢/ ٣٩ - ٤٠).
(٦) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٠٠)، الإنصاف (١/ ٤١٥)، الفروع (١/ ٣١٥)، تصحيح الفروع (١/ ٣١٦)، المبدع (١/ ٣١٩).
[ ١ / ٤١٠ ]
والقول بعدم الكراهة مطلقًا.
والقول بالتحريم على خلاف: هل يعتد بأذانه، أو لا؟
• دليل من قال: يكره مطلقًا:
أن الأذان قاعدًا مخالف للسنة، وقد ذكرنا أدلتهم في مشروعية الأذان قائمًا في مسألة سابقة، ومخالف لعمل المؤذنين سلفًا وخلفًا من وقت رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ومخالفة مثل ذلك أقل أحواله أن تكون مكروهة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأحاديث الواردة في استحباب القيام للأذان، إما صحيحة ليست صريحة، وإما صريحة ليست صحيحة، وعمل المؤذنين غايته أن يدل على أن مثل ذلك صفة كمال، ولا يضاف ذلك إلى سنة المصطفى ﷺ.
الوجه الثاني:
على التسليم بأن القيام في الأذان مستحب، لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
• دليل من قال: يحرم الأذان قاعدًا.
الدليل الأول:
(ح-١٥٢) ما رواه البخاري، ومسلم، من طريق ابن جريج، عن نافع،
أن ابن عمر، كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قُمْ فناد بالصلاة (^١).
وجه الاستدلال:
قوله: (قم فناد بالصلاة) حيث أمر بالقيام في الأذان، والأصل في الأمر
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٠٤)، مسلم (٣٧٧).
[ ١ / ٤١١ ]
الوجوب، وإذا كان القيام واجبًا كان تركه بلا عذر محرمًا.
• وأجيب:
قال النووي: «المراد (قم) فاذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان … ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم» (^١).
الدليل الثاني:
القياس على خطبة الجمعة،
(ث-٣٠) فقد روى مسلم من طريق أبي عبيدة،
عن كعب بن عجرة، قال: دخل المسجد، وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
وإذا كانت الخطبة لا تجوز من القاعد، فالأذان مثلها أو أولى؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف أنه أَذَّنَ قاعدًا من غير عذر، بخلاف الجمعة، فقد جاء عن بعضهم الخطبة جالسًا، والله أعلم.
• ونوقش:
بأن الفقهاء قد اختلفوا في حكم الوقوف في خطبة الجمعة، والراجح استحبابه، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وبعض المالكية، خلافًا للشافعية وبعض المالكية الذين يرون أن القيام شرط، وليس معهم إلا مجرد استمرار العمل على الخطبة قائمًا. وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه لم يكن الحكم في الفرع حجة على المخالف، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (^٢).
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٧٧).
(٢) العناية (١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٤١٢ ]
• ويناقش:
بأن قياس الشبه من أضعف أنواع القياس، ولو صح فإن الأذان يفارق الصلاة في أحكام كثيرة، منها صحة الأذان من المحدث، وصحته إلى غير القبلة، وجواز الالتفات فيه إلى غير ذلك من الأحكام التي تفارق الصلاة، فلم يصح القياس.
• دليل من قال: لا يصح الأذان من القاعد:
استدلوا بأدلة القائلين بالتحريم، فإذا كان القعود محرمًا فإن النهي عن الشيء يقتضي فساده.
(ح-١٥٣) وعمدته ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (^١).
ورواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم به بلفظ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^٢).
• دليل من قال: لا يكره الأذان من القاعد:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل من الكتاب والسنة ينهى المؤذن عن الأذان قاعدًا.
الدليل الثاني:
الأذان نوع من ذكر الله وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^٣). رواه مسلم.
الدليل الثالث:
لم يحفظ في السنة نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا، وما ورد يدل على
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٢) صحيح مسلم (١٧١٨).
(٣) صحيح مسلم (٣٧٣).
[ ١ / ٤١٣ ]
أفضيلة القائم على القاعد، وترك مثل ذلك لا يلزم منه الوقوع في المكروه، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فصح أن ما لم يفصل لنا تحريمه فهو مباح.
الدليل الرابع:
قيام المؤذنين في الأذان ليس مطلوبًا لذاته، وإنما لكونه أبلغ في الإعلام، فهو وسيلة لإبلاغ الصوت، فلو أذن على مرتفع أو عن طريق مكبر الصوت لم يكن هناك حاجة للقيام.
• دليل من قال: لا يكره الأذان قاعدًا في السفر.
الدليل الأول:
الأصل عدم الكراهة.
الدليل الثاني:
إذا أبيح التنفل على الراحلة في السفر، فالأذان من باب أولى.
الدليل الثالث:
أن السفر مظنة التخفيف، فالصلاة تقصر فيه، وتترك من أجله بعض السنن الرواتب، والله أعلم.
• الراجح:
أرى أن المطلوب من الأذان هو إعلام الناس، ودعوتهم للصلاة، فإن كان الأذان قائمًا أبلغ في الإعلام استحب القيام لا لذاته، ولكن من أجل أنه أسمع من أذان القاعد.
فإن أذن قاعدًا لم يكره؛ لعدم الدليل على الكراهة.
وإن استويا من حيث الإعلام، كما لو أذن على مرتفع، أو أذن بمكبر الصوت فهما سواء في الإباحة، خاصة أنه لم يأت أمر من الشارع بالأذان قائمًا حتى يقال: يفعل مطلقًا من أجل المحافظة على السنة، ولم يحفظ نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا حتى يقال: الابتعاد عن النواهي مرغوب مطلقًا، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٤ ]
الفرع الثالث في أذان الراكب وإقامته
المسألة الأولى أذان الراكب في السفر
المدخل إلى المسألة:
• الراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد لعلوه بالركوب.
• السفر مظنة التخفيف، فقد خفف عن المسافر شطر الصلاة الرباعية، وأكثر السنن الرواتب، فتأثيره في إسقاط القيام في الأذان أولى.
• إن كان القعود في الأذان مكروهًا، فلا كراهة مع الحاجة، والمسافر مظنة الحاجة.
• إذا صح التنفل راكبًا صح الأذان؛ لأن الوسيلة أقل درجة من الغاية (^١).
[م-٥٠] ذهب عامة الفقهاء وهو المشهور من مذهب الحنابلة إلى أن الأذان راكبًا في السفر لا يكره (^٢).
وقيل: يكره الأذان راكبًا إلا من علة، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ورواية في
_________________
(١) وقد يقال: لا يصح هذا الضابط إلا على القول بأن الأذان سنة، وأما على القول بأن الأذان فرض كفاية، فيكون أعلى من النافلة، والله أعلم.
(٢) فتح القدير (١/ ٢٤٨)، غمز عيون البصائر (٤/ ٨٥)، الأصل للشيباني (١/ ١٣١)، المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١١٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، البحر الرائق (١/ ٢٨٠)، المنتقى (١/ ١٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٤١)، مغني المحتاج (١/ ١٣٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٦)، المجموع (٣/ ١١٧)، الإنصاف (١/ ٤١٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٣)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ٤١٥ ]
مذهب الحنابلة (^١).
• واستدل الجمهور على عدم الكراهية بأدلة منها:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافًا للمسافر (^٢).
• ويناقش:
بأن الخلاف محفوظ، وهو رواية عند الحنابلة، وبه قال عطاء.
الدليل الثاني:
(ح-١٥٤) ما رواه أحمد من طريق عمرو بن ميمون بن الرماح، عن كثير بن زياد البصري، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه،
عن جده،: أن رسول الله ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه (^٣).
وفي رواية للترمذي من طريق شبابة بن سوار، قال: حدثنا عمرو بن الرماح به … وفيه: فأذن رسول الله ﷺ، وهو على راحلته … الحديث.
[ضعيف] (^٤).
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٨٧)، الفروع (١/ ٣١٥)، الإنصاف (١/ ٤١٥).
(٢) الاستذكار (١/ ٤٠٣).
(٣) المسند (٤/ ١٧٣).
(٤) في إسناده عمرو بن عثمان، وأبوه عثمان بن يعلى لا يعرفان. والحديث أخرجه أحمد كما في إسناد الباب (٤/ ١٧٣) وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٥٩) عن سريج بن النعمان. والترمذي (٤١١) من طريق شبابة بن سَوَّار. والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥٦) ح ٦٦٣ وابن شاهين في الأفراد (٥) من طريق داود بن عمرو الضبي. =
[ ١ / ٤١٦ ]
• ونوقش هذا:
بأن الحديث على ضعفه نص في المعذور، فصلاة الفريضة على الدابة لا تجوز بالإجماع إلا من عذر، فليس في أذانهم على تلك الحال حجة على جوازه من الراكب إذا لم يكن عذر.
الدليل الثالث:
(ح-١٥٥) ما رواه البيهقي من طريق إسماعيل،
عن الحسن، أن رسول الله ﷺ: أمر بلالًا في سفر، فأذن على راحلته، ثم نزلوا، فصلوا ركعتين، ثم أمره فأقام، فصلى بهم الصبح (^١).
[ضعيف] (^٢).
الدليل الرابع:
(ث-٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
_________________
(١) = وابن أبي حاتم في التفسير (٥٩٠٢) من طريق زيد بن الحباب. والدولابي في الأسماء والكنى (٤٥٤) من طريق الهيثم بن جميل. والدارقطني (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. والبيهقي (٢/ ٧) من طريق يحيى بن يحيى، كلهم عن عمرو بن ميمون بن الرماح، عن أبي سهل: كثير بن زياد البصري به. وفي جميع الروايات: (فأمر المؤذن فأذن) إلا رواية الترمذي، ففيها: (فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام). قال الحافظ في الفتح (٢/ ٢١٩): «في رواية الترمذي اختصار، وأنَّ معنى قوله (أَذَّنَ) أمر بلالًا به». قال الترمذي: حديث غريب، وقال البيهقي: في إسناده ضعف، ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره. وقال الحافظ في الإصابة (١/ ٣٨٩): إسناده لا بأس به. اه وقال النووي في الخلاصة (١/ ٢٨٩): رواه الترمذي بإسناد جيد. اه
(٢) سنن البيهقي (١/ ٣٩٢).
(٣) فيه أكثر من علة، فهو مرسل، والمرسل ضعيف، وكونه من مراسيل الحسن وهي شبه الريح، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي منكر الحديث.
[ ١ / ٤١٧ ]
عن ابن عمر أنه كان يؤذن على البعير، وينزل فيقيم (^١).
[صحيح موقوف، وهو أصح شيء في الباب] (^٢).
الدليل الخامس:
أن المسافر له أن يترك الأذان في السفر، فلا بأس أن يؤذن راكبًا.
• ونوقش:
لا نسلم القول بجواز ترك الأذان في السفر، فالأذان في السفر له حكم الأذان في الحضر إلا بدليل يدل على التفريق، ولا دليل.
الدليل السادس:
أن المسافر له أن يصلي النافلة في السفر راكبًا، فالأذان من باب أولى.
والسفر مظنة التخفيف، حيث وضع عن المسافر شطر الصلاة في الرباعية، وأكثر السنن الرواتب.
قال ابن قدامة: «فإن أذن قاعدًا، أو راكبًا في السفر جاز؛ لأن الصلاة آكد منه، وهي تجوز كذلك» (^٣).
الدليل السابع:
لو كان الأذان راكبًا مكروهًا لارتفعت الكراهة مع الحاجة، لأنه كما قال الفقهاء: لا محرم مع الضرورة، ولا مكروه مع الحاجة، والمسافر في حاجة إلى الأذان راكبًا.
الدليل الثامن:
أن المقصود الإعلام والركوب حال لا تمنع من الإعلام، بل إن الراكب أقرب إلى القيام منه إلى القعود، حيث يرتفع بما يركب، والقيام ليس مطلوبًا لذاته، وإنما لكونه أسمع للناس من القاعد.
_________________
(١) المصنف (٢٢١٥).
(٢) ورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٤٩).
(٣) الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٤١٨ ]
الدليل التاسع:
قدمت عند بحث مشروعية القيام في الأذان أنه لم يثبت فيه شيء، ومخالفة عمل الناس لا تكفي للجزم بالكراهة، فإن الكراهة من أحكام الشرع، لا تثبت إلا بدليل، والله أعلم.
• حجة من قال: يكره الأذان من الراكب في السفر:
أن السنة في الأذان أن يؤذن قائمًا حضرًا كان أو سفرًا، لا قاعدًا، ولا راكبًا، فإن خالف السنة كره له ذلك.
• الراجح:
القول بجواز الأذان راكبًا في السفر هو الأرجح، ولا دليل على كراهته من الراكب، ولأن الراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد من جهة الارتفاع والإعلام بالأذان، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٩ ]
المسألة الثانية إقامة الراكب في السفر
المدخل إلى المسألة:
• الإقامة أحد الأذانين فإذا أبيح الأذان راكبًا أبيحت الإقامة.
• القيام للأذان أحوج من القيام للإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ فيه، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قَرُبَ، فلا تحتاج إلى القيام.
• لا دليل على وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، فقد أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فما زال يناجيه حتى نام القوم ثم صلى، وما أعيدت الإقامة.
• الفاصل اليسير بين الإقامة والصلاة لا يؤثر في الموالاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
• اغتسل النبي ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة، والحديث في الصحيح، وما أعيدت الإقامة، فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة.
[م-٥١] اختلف العلماء في الإقامة من الراكب في السفر إذا لم يكن معذورًا:
فقيل: تكره الإقامة من الراكب في السفر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).
وقيل: لا تكره الإقامة من الراكب في السفر، وهو رواية في مذهب المالكية،
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، غمز عيون البصائر (٤/ ٨٥)، الأصل (١/ ١٣٢)، المبسوط (١/ ١٣٢)، البحر الرائق (١/ ٢٨٠)، المدونة (١/ ٦٠)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٠)، التوضيح شرح مختصر خليل (١/ ٢٩٤)، الاستذكار (١/ ٤٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٦)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، الفروع (١/ ٣١٥)، الإنصاف (١/ ٤١٤ - ٤١٥).
[ ١ / ٤٢٠ ]
وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^١).
• دليل من قال بالكراهة:
الدليل الأول:
(ث-٣٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يؤذن على البعير، وينزل فيقيم (^٢).
[صحيح].
• ويناقش:
الاحتجاج بفعل الصحابي غايته أن يدل على الاستحباب إذا قصد إلى التعبد بهذا الفعل، مع أنه ربما اختار الأنسب له؛ لأنه سوف ينزل، ويصلي الفريضة على الأرض، وأما الاحتجاج بالكراهة فتحتاج إلى دليل خاص يدل على كراهة الشارع لهذا الفعل، ولا دليل.
الدليل الثاني:
أن السنة أن تكون الصلاة متصلة بالإقامة، لا عمل بينهما، فإذا أقام وهو راكب لم تكن الإقامة متصلة بالصلاة، ويضطر إلى القيام بأعمال بين الإقامة والصلاة من النزول عن الدابة، وعقلها والمشي إلى مكان صلاته.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن هذه الأعمال ليست أجنبية فهي لمصلحة الصلاة، فالنزول عن الدابة، وعقلها هو من أجل الصلاة، والمؤثر أن يقوم بأعمال خارجة عن مصلحة الصلاة،
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٦٠)، المجموع (٣/ ١١٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٠)، تصحيح الفروع (١/ ٣١٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٥)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩). وذهب بعض الشافعية مع نفيه لعدم الكراهة إلى أن الأولى ألا يقيم إلا بعد نزوله. انظر: شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٨٧).
(٢) المصنف (٢٢١٥).
[ ١ / ٤٢١ ]
كالبيع والشراء، ونحو ذلك.
الوجه الثاني:
على التسليم بأن السنة أن تكون الإقامة متصلة بالصلاة، فإن هذا المقدار من الفاصل يسير، والقاعدة: أن اليسير لا يؤثر في الموالاة.
الوجه الثالث:
أن عقل الدابة وما ذكر معه قد يكون ذلك في الزمن الماضي، وأما الآن فإن الراكب يكون على السيارة، وهو لا يحتاج أكثر من أن ينزل منها.
الوجه الرابع:
أن النبي ﷺ قد اغتسل من الجنابة بعد ما أقيمت الصلاة، وما أعيدت الإقامة، وهو فاصل أطول مما اعترض به.
(ح-١٥٦) فقد روى الإمام البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (^١).
فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة.
• دليل من قال: لا تكره الإقامة من الراكب.
الدليل الأول:
لا دليل على الكراهة، والكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي.
الدليل الثاني:
أن المقصود من الإقامة الإعلام بإقامة الصلاة، والركوب حال لا تمنع منه.
الدليل الثالث:
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٧٥)، وصحيح مسلم (٦٠٥).
[ ١ / ٤٢٢ ]
الدليل الثالث:
دلت السنة على عدم وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، وإذا لم تجب لم تكره الإقامة من الراكب.
(ح-١٥٧) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (^١).
الدليل الرابع:
القيام في الأذان أحوج من القيام في الإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ فيه، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قرب، فلا تحتاج إلى القيام.
• الراجح:
أن الإقامة لا تكره من الراكب، والله أعلم.
_________________
(١) البخاري (٦٢٩٢)، ورواه مسلم (٣٧٦).
[ ١ / ٤٢٣ ]
المسألة الثالثة أذان الراكب في الحضر
المدخل إلى المسألة:
• ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في الاستحباب إلا أنه عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف.
• هل القيام في الأذان مطلوب لذاته، أو لكونه أبلغ في الإعلام من القاعد، فلو أذن على مرتفع، أو بمكبر للصوت لم يُطْلَب؟ الثاني هو الأقوى.
• الراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد لعلوه بالركوب.
• الأذان نوع من ذكر الله وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
[م-٥٢] اختلف العلماء في الأذان من الراكب في الحضر:
فقيل: يكره الأذان، وهو مذهب الحنفية كما في ظاهر الرواية، وقول لبعض المالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (^١).
وقيل: لا يكره، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية (^٢).
• وجه القول بالكراهة:
أن الأذان راكبًا مخالف لسنة القيام حال الأذان، والمسافر عذر في سقوط الكراهة باعتبار أن الحاجة ترفع الكراهة، ولا حاجة في الحضر.
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، فتح القدير (١/ ٢٤٨)، المبسوط (١/ ١٣٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١١٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٤١)، المجموع (٣/ ١١٧)، الإنصاف (١/ ٣٨٦).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٩)، الخرشي (١/ ٢٣٦)، مواهب الجليل (١/ ٤٤١).
[ ١ / ٤٢٤ ]
• وجه القول بعدم الكراهة.
أن القيام ليس مطلوبًا لذاته، وإنما المطلوب ارتفاع محل الأذان من أجل حصول الإعلام، لهذا كان الراكب في معنى القائم، وليس في معنى القاعد لارتفاع مكان أذانه عن القاعد، والله أعلم.
• الراجح:
صحة الأذان من الراكب؛ لأنه ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في استحباب القيام، ولأن المطلوب في الأذان هو الإعلام، والراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد في الإبلاغ، وإذا كان الأذان بواسطة مكبر الصوت لم يكن هناك حاجة للقيام في أذان أو إقامة، والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٥ ]
المسألة الرابعة إقامة الراكب في الحضر
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال، والإقامة مثله؛ لأنها أحد الأذانين.
• الإقامة من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• القيام في الأذان أحوج من القيام في الإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ في الإعلام، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قرب، فلا تحتاج إلى القيام.
• لا دليل على وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، فقد أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فما زال يناجيه حتى نام القوم ثم صلى، وما أعيدت الإقامة.
• الفاصل اليسير بين الإقامة والصلاة لا يؤثر في الموالاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
• اغتسل النبي ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة، والحديث في الصحيح، وما أعيدت الإقامة، فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
[م-٥٣] اختلف العلماء في كراهة الإقامة راكبًا في الحضر:
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٨)، غمز عيون البصائر (٤/ ٨٥)، الأصل (١/ ١٣٢)، المبسوط (١/ ١٣٢)، البحر الرائق (١/ ٢٨٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٩)، المدونة (١/ ٦٠)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٠)، التوضيح (١/ ٢٩٤)، الاستذكار (١/ ٤٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٦)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، المجموع (٣/ ١٠٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٠)، جامع الأمهات (١/ ٨٧)، الفروع (١/ ٣١٥)، الإنصاف (١/ ٤١٤ - ٤١٥)، الإقناع (١/ ٧٨).
[ ١ / ٤٢٦ ]
فإن طال الفصل بين الإقامة والصلاة فهل يعيد الإقامة؟
الخلاف في الإعادة مبني على الخلاف في اشتراط الموالاة بين الإقامة والصلاة، وسبق بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة ولله الحمد (^١).
وقيل: لا يعتد بإقامة الراكب مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (^٢).
وقيل: يجوز الإقامة من الراكب، وهو رواية ابن وهب من المالكية، ورواية عن أحمد (^٣).
• وجه القول بالكراهة:
علل الحنفية والمالكية الكراهة لعدم اتصال الإقامة بالصلاة (^٤).
قال في بدائع الصنائع: «لأنه لو لم ينزل لوقع الفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة بالنزول» (^٥).
_________________
(١) قال النووي في المجموع (٣/ ٨٩): «وإن أقام في الوقت، وأخر الدخول في الصلاة بطلت إقامته إن طال الفصل؛ لأنها تراد للدخول في الصلاة، فلا يجوز الفصل». وانظر أسنى المطالب (١/ ١٣٠). وجاء في مواهب الجليل (١/ ٤٦٥): «قال اللخمي من شرط الإقامة أن تعقبها الصلاة، فإن تراخى ما بينهما أعاد الإقامة». وقال صاحب الطراز بعد أن ذكر الخلاف في إقامة الراكب عند المالكية، وصوب مذهب المدونة، وأنه لا يقيم إلا راكبًا، قال كما في مواهب الجليل (١/ ٤٦٥): «فإن أقام راكبًا ثم نزل، وأحرم من غير كبير شغل أجزأه ذلك».
(٢) روضة الطالبين (١/ ١٩٩)، فتح العزيز (٣/ ١٧٣).
(٣) التوضيح شرح مختصر خليل (١/ ٢٩٤)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ٩١)، الذخيرة (٢/ ٧٤)، المعونة (١/ ٢١٠)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٠)، المبدع شرح المقنع (١/ ٢٨٢)، الإنصاف (١/ ٤١٥).
(٤) التاج والإكليل (٢/ ١٢٣).
(٥) بدائع الصنائع (١/ ١٥١).
[ ١ / ٤٢٧ ]
وعلل الحنابلة الكراهة لمخالفة السنة، وهو معنى قول بعض الشافعية بأنه يكره لما فيه من ترك القيام المأمور به (^١).
• ونوقش هذا:
أما الكراهة لقيام فاصل بين الإقامة والصلاة، فيقال: إن الأدلة من السنة قد دلت على أن الفاصل لا حرج منه، طويلًا كان أو قصيرًا، فضلًا أن يكون شرطًا في صحة الإقامة.
(ح-١٥٨) فقد روى الإمام البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (^٢).
(ح-١٥٩) وروى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (^٣).
ولم تذكر الأحاديث أن الإقامة أعيدت، والأصل عدم الإعادة.
وأما الكراهة بدعوى أنه مخالف لسنة القيام الواردة في الأذان فيقال: لم يثبت دليل صريح على استحباب صفة القيام في الأذان حتى يجزم بالمخالفة، وقد بحثت فيما سبق هذه المسألة وقدمت أن الأدلة في الباب ليست صريحة، ومجرد العمل لا يكفي لإضافة ذلك إلى سنة الرسول ﷺ، ولو سلم بأن ذلك سنة أيكون ذلك مطلوبًا لذاته، أم لكونه أبلغ في الإعلام، فينتفي مع مكبرات الصوت؟ كما أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه حتى يحفظ نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا، أو راكبًا، ولم يحفظ في ذلك شيء، والله أعلم.
_________________
(١) مغني المحتاج (١/ ٣٢٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٥)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩).
(٢) صحيح البخاري (٢٧٥)، وصحيح مسلم (٦٠٥).
(٣) البخاري (٦٢٩٢)، ورواه مسلم (٣٧٦).
[ ١ / ٤٢٨ ]
• وجه من قال: لا يعتد بإقامة الراكب مطلقًا:
أن القيام شرط، قال الرافعي: لأن شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق، واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه.
وهذا ما مشى عليه الشافعية من اعتبار الاستمرار على صفة معينة في العبادة يجعلها شرطًا، ولو لم يحفظ أمر من الشارع بها، ولذلك قالوا: إن القيام في خطبة الجمعة شرط للعلة نفسها.
وينازعون في الوجوب فضلًا عن الشرطية، فإن الفعل المجرد في أمور العبادات لا يدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل، فيأخذ حكم ذلك المجمل من وجوب وندب، وهو ما لم يتوفر في مسألتنا هذه، والله أعلم.
• وجه من قال: بجواز إقامة الراكب:
علل بعض المالكية القول بالجواز باعتبار أن النزول عمل يسير، وهذا معنى قول بعضهم: إن نزل، فأقام وأحرم من غير كبير شغل أجزأه ذلك (^١).
جاء في مواهب الجليل: روى ابن وهب الجواز قائلًا؛ لأن النزول عمل يسير، فلم يكن فاصلًا كأخذ الثوب وبسط الحصير (^٢).
وأما تعليل رواية الجواز عند الحنابلة فهو باعتبار الإباحة الأصلية، حيث لم يَأْتِ نهي من الشارع عن الإقامة راكبًا، والله أعلم.
والراجح: القول بالجواز مطلقًا بلا كراهة، والله أعلم.
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٦٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٦).
(٢) انظر مواهب الجليل (١/ ٤٦٠).
[ ١ / ٤٢٩ ]
الفرع الرابع في أذان الماشي وإقامته
المسألة الأولى في أذان الماشي
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال.
• الأذان من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• المطلوب من الأذان هو الإعلام، فإذا حصل على أي حال فقد حصل المقصود.
[م-٥٤] اختلف الفقهاء في حكم الأذان من الماشي:
فقيل: يكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، بل إن الحنفية توسعوا حتى قالوا: الأولى لمن يسمع الأذان أن يقف، ويجيب (^١).
وقيل: لا يكره أذان الماشي مطلقًا، لا في حضر، ولا سفر، وهذا قول في
_________________
(١) جاء في البحر الرائق (١/ ٢٧١) نقلًا من روضة الناطفي: «أكره للمؤذن أن يمشي في إقامته». وفي الفتاوى الهندية (١/ ٥٥): «ولا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في الأذان، أو في الإقامة أو يمشي». وجاء في مراقي الفلاح (ص: ٨٠): «وإذا سمعه وهو يمشي فالأولى أن يقف، ويجيب». وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٣)، منحة الخالق على البحر الرائق (١/ ٢٧٨)، الإنصاف (١/ ٤١٤)، المبدع (١/ ٣١٩، ٣٢٠).
[ ١ / ٤٣٠ ]
مذهب الحنابلة (^١).
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: يكره إلا من مسافر أو معذور، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).
وقيل: يجوز بشرط أن يَسْمَعَ آخرَ الآذانِ مَنْ سمع أوَّلَه، فإن أَبْعَد حتى لا يسمع آخرَه مَنْ سمع أوله لم يُعْتَدَّ به لمن في محل ابتدائه، اختاره بعض الشافعية (^٣).
حكاه الماوردي في الحاوي، وانتقده النووي في المجموع (^٤).
وقيل: لا يصح من الماشي، وهو رأي لبعض الحنفية، واختاره ابن حامد من الحنابلة، وقيده بالكثير عرفًا (^٥).
ولم أقف على قول المالكية في المسألة، إلا أن يُخرَّج على صحة الأذان راكبًا عندهم، فإن الراكب في حكم الماشي، والله أعلم.
_________________
(١) الإنصاف (١/ ٤١٤ - ٤١٥)، المبدع (١/ ٣١٩ - ٣٢٠).
(٢) جاء في غاية المنتهى (١/ ١٢٩): «فيكرهان قاعدًا، أو ماشيًا لغير مسافر، ومعذور». وقال في الإقناع (١/ ٧٨): «ويكرهان من قاعدٍ، وراكبٍ، وماشٍ بغير عذر، لا لمسافر راكبًا وماشيًا». وقال المرداوي في تصحيح الفروع ط الشيخ التركي (٢/ ١٢): «الصواب عدم الكراهة في الأذان للمسافر راكبًا وماشيًا، والكراهة في غير ذلك».
(٣) شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٩٠)، تحفة المحتاج (١/ ٤٦٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٠)، حاشية الجمل (١/ ٣٠٥)، حاشية الشربيني (١/ ٢٧٢)، حاشية الرملي على أسنى المطالب (١/ ١٣٠)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٢)، المجموع (٣/ ١١٧)، أسنى المطالب (١/ ١٣٠).
(٤) قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٤٢): «إن أذن ماشيًا، فإن كان قد انتهى في مشيه إلى حيث لا يسمع من كان في الموضع الذي ابتدأ في الأذان فيه بقية أذانه لم يجزه وإن انتهى إلى حيث يسمعونه أجزأه». ونقله النووي في المجموع (٣/ ١١٧)، وتعقبه قائلًا: «وفيه نظر، ويحتمل أن يجزئه في الحالين».
(٥) جاء في منحة الخالق نقلًا من القهستاني (١/ ٢٧٨): «اعلم أن إعادة أذان الجنب والمرأة والمجنون … والقاعد والماشي … واجبة؛ لأنه غير مُعْتَدِّ به وقيل مستحبة؛ فإنه معتد به إلا أنه ناقص، وهو الأصح كما في التمرتاشي». وانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٣)، الإنصاف (١/ ٤١٤).
[ ١ / ٤٣١ ]
قال ابن مفلح في المبدع: «والماشي كالراكب، وظاهره الكراهة» (^١).
• وجه قول من قال بالكراهة:
أن الأذان عبادة، والأذان ماشيًا منافٍ لآداب العبادة.
ولأن المشي صفة في العبادة لم ترد، فأقل أحواله أن يكون مكروهًا.
• ويناقش:
أما كونه منافيًا لآداب العبادة، فغير مُسَلَّم، ذلك أن الأذان من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا.
قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
وأما القول بأن المشي صفة في العبادة لم ترد، فنحن لا نستحب الأذان ماشيًا حتى يقال: ما الدليل على ذلك، فالشارع أمرنا بالأذان، والأمر مطلق، فعلى أي حال أذن المؤذن وكان يُسْمِعُ بأذانه فقد حصل الإعلام والامتثال، فمن منع فعليه الدليل، ونفي صفة المشي عن العبادة غير مسلم، فالمشي في العبادة منه ما هو صفة فيها، كالطواف والسعي، ومنه ما هو وسيلة إليها كالمشي إلى المسجد، ومنه ما هو مباح كالأذان ماشيًا.
• وجه القول بعدم الاعتداد به:
لعلهم يرون أن الأذان فيه شبه بالصلاة من استقبال القبلة، ومشروعية الطهارة فيه، والمشي ينافي الصلاة، فكذلك الأذان.
ولا وجه للقول بذلك؛ فإن الفروق بين الأذان والصلاة كثيرة، منها صحة الأذان من المحدث بخلاف الصلاة.
• وجه جوازه للمسافر والمعذور وكراهته لغيرهما:
أن السفر مظنة التخفيف، ولأن النافلة في السفر تصح من الماشي، والصلاة غاية مقصودة، فيصح الأذان من المسافر، وهو من توابع الصلاة.
_________________
(١) المبدع (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٤٣٢ ]
ولقيام حاجة المسافر إلى المشي، والقاعدة: أنه لا كراهة مع الحاجة.
قال ابن حجر الهيتمي: «ولا يكره له المشي لاحتياجه إليه» (^١)
• وجه اشتراط ألا يمنع المشي من سماع الجماعة آخر الأذان:
أن الإعلام لا يحصل بسماع بعض الأذان، فاشترط لصحة أذان الماشي ألا يمنع المشي من سماع آخر الأذان لمن سمع أوله.
ولهذا صح الأذان ماشيًا لجماعة تمشي معه، أو لنفسه.
• وجه القول بالجواز بلا كراهة:
لم يثبت في الكراهة دليل يمكن الاعتماد عليه.
ولأن الأذان ورد الأمر به مطلقًا، فإذا أذن راكبًا، أو ماشيًا، أو قاعدًا فقد امتثل الأمر.
ولأن المطلوب من الأذان هو الإعلام، والمشي لا يمنع من ذلك.
وهذا القول هو الصحيح.
_________________
(١) المنهاج القويم بشرح مسائل التعليم (ص: ١٦٣).
[ ١ / ٤٣٣ ]
المسألة الثانية
في إقامة الماشي
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال، والإقامة أحد الأذانين.
• الإقامة من سائر الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وقائمًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• إذا لم تكره قراءة القرآن من الماشي، ولم يكن هذا منافيًا للآداب لم يكره المشي حال الأذان والإقامة.
• المطلوب من الإقامة هو الإعلام بإقامة الصلاة، فإذا حصل على أي حال فقد حصل المقصود.
• المشي في العبادة منه ما هو مبطل للعبادة، كالمشي في صلاة الفرض من غير خوف ولا مصلحة؛ لأنه منافٍ للصلاة، ومنه ما هو مُخْتَلَف في إبطاله كالمشي في النافلة، ومنه ما هو مختلف في وجوبه كالمشي في الطواف من القادر عليه، ومنه ما هو أفضل من الركوب كالمشي في اتباع الجنازة، ومنه ما هو مكروه كالمشي في نعل واحدة، ومنه ما هو مباح، وهو الأصل، ويدخل فيه الأذان والإقامة من الماشي حيث لم يَأْتِ نهي من الشارع.
[م-٥٥] اختلف العلماء في الرجل يقيم، وهو يمشي:
فقيل: يكره، وهو قول أبي يوسف، وهو الأصح في مذهب الحنفية، وظاهر مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).
_________________
(١) جاء في البحر الرائق (١/ ٢٧١) نقلًا من روضة الناطفي: «أكره للمؤذن أن يمشي في إقامته». وفي الفتاوى الهندية (١/ ٥٥): «ولا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في الأذان أو في الإقامة أو يمشي». وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٣، ٣٩٦)، منحة الخالق على البحر الرائق (١/ ٢٧٨).
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال الشافعية في أمهات كتبهم: لا يقيم، وهو يمشي (^١)، وظاهره المنع، لكن جاء في أسنى المطالب: «ولا يقيم، وهو يمشي؛ لأنه خلاف الأدب» (^٢).
ومقتضى التعليل أنه ليس على وجه التحريم، وهو تعليل عليل، فالقرآن أعلى الذكر، وأشرفه على الإطلاق ولا تكره قراءته من الماشي، ولو كانت خلاف الأدب لم تُفْعَل.
وقيل: لا يكره، وهو قول في مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (^٣).
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: يكره إلا من مسافر أو معذور، وهو المشهور من الحنابلة (^٤).
وقال بعض الحنفية: يكره المشي قبل الانتهاء من قوله: (قد قامت الصلاة) فإذا انتهى منها فإن شاء مشى، وإن شاء أتمها في مكانه. وحمل بعضهم هذا التفصيل على المقيم إذا كان إمامًا،، وأما غيره فعلى الكراهة مطلقًا (^٥).
وهل يصح أن يخرج قول بعدم صحة الإقامة من الماشي قياسًا على قول بعض الحنفية في الأذان من الماشي، وبه قال ابن حامد من الحنابلة وقيده بالكثير
_________________
(١) قال النووي في المجموع: «وإذا شرع في الإقامة في موضع تممها فيه، ولا يمشي في أثنائها». وقال مثله في روضة الطالبين، ونسبه لأصحابهم. وانظر: العباب المحيط (١/ ٣٠٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٦)، حاشية الجمل (١/ ٣٠٥).
(٢) أسنى المطالب (١/ ١٣٠).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، المبدع (١/ ٢٨٢)، الإنصاف (١/ ٤١٥). جاء في الفروع تحقيق فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٢/ ١٢): «وإن أذن، أو أقام راكبًا أو ماشيًا فعنه لا يكره ».
(٤) جاء في غاية المنتهى (١/ ١٢٩): «فيكرهان قاعدًا أو ماشيًا لغير مسافر ومعذور». وقال في الإقناع (١/ ٧٨): «ويكرهان من قاعدٍ وراكبٍ وماشٍ بغير عذر، لا لمسافر راكبًا وماشيًا». وانظر: الإنصاف (١/ ٤١٤)، المبدع (١/ ٣١٩، ٣٢٠). وانظر: الفروع تحقيق فضيلة الشيخ التركي (٢/ ١٢)، المبدع - ط دار الكتب العلمية (١/ ٢٨٢).
(٥) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٦).
[ ١ / ٤٣٥ ]
عرفًا (^١)؟ فيه تأمل.
هذه مجمل الأقوال في المسألة، والله أعلم. وقد ذكرنا أدلة القوم ومناقشتها في الأذان ماشيًا في المسألة السابقة، وهي نفس أدلتهم في الإقامة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
• الراجح:
والصحيح جواز الإقامة من الماشي، وليس في الأدلة ما يقتضي الكراهة فضلًا عن المنع.
جاء في مسائل أحمد رواية أبي الفضل: «قلت فالرجل يمشي في الإقامة، قال: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال أنه قال للنبي ﷺ لا تسبقني بآمين» (^٢).
فقوله: ولم يبلغني فيه شيء دليل على أنه لا سنة في المسألة، وحديث لا تسبقني بآمين حديث ضعيف، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى (^٣)، والله أعلم.
_________________
(١) جاء في منحة الخالق نقلًا من القهستاني (١/ ٢٧٨): «اعلم أن إعادة أذان الجنب، والمرأة، والمجنون … والقاعد، والماشي … واجبة؛ لأنه غير مُعْتَدٍّ به. وقيل مستحبة؛ فإنه معتد به، إلا أنه ناقص، وهو الأصح كما في التمرتاشي». وانظر: الإنصاف (١/ ٤١٤).
(٢) مسائل أحمد رواية أبي الفضل (١٠٣).
(٣) انظر ح (١٨٠).
[ ١ / ٤٣٦ ]