مدخل إلى المسألة
• كل ذكر مقيد لا يشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ: قل: وبنبيك الذي أرسلت.
• كل عبادة قيدت بوقت أو في محل مخصوص فإنها لا تشرع في غير ما قيدت به.
• الأذان من الأذكار المقيدة بوقت وعبادة خاصة، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه إلا بدليل.
• لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الصبح خاصة.
ويمكن أن يقال:
• التثويب ليس من الأذان؛ لأنه لم ينزل به الملك في رؤيا عبد الله بن زيد، ولم يثبت في حديث أبي محذورة، فكان بمنزلة الكلام في الأذان، وهو مباح عند قيام الحاجة، قياسًا على زيادة قوله: (صلوا في رحالكم) عند الحاجة إلى ذلك.
[م-١٣] اختلف الفقهاء في التثويب بين الأذان والإقامة، كأن يقول بعد الأذان إذا أبطأ الناس: (حي على الصلاة، حي الفلاح مرتين) أو يقول الصلاة الصلاة يرحمكم الله، أو يتنحنح، وهذا التثويب ليس له صيغة معينة، فقد يحدث كل بلد أنواعًا من التثويب على ما يتعارف عليه أهلها. وقد اختلف العلماء فيه.
فقيل: يستحب التثويب بين الأذان والإقامة، وهو قول الحنفية، إلا أن
[ ١ / ١٩١ ]
المتقدمين كرهوا التثويب في غير صلاة الفجر، واستحسنه المتأخرون في جميع الصلوات (^١).
وقيل: يكره التثويب بين الأذان والإقامة مطلقًا، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية والحنابلة، وبه قال إسحاق، وقال عنه مالك: إنه ضلال (^٢).
وقال الترمذي: «قال إسحاق، في التثويب غير هذا، قال: هو شيء أحدثه الناس بعد النبي ﷺ إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا الذي قال إسحاق: هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي ﷺ …» (^٣).
_________________
(١) المبسوط (١/ ١٣٠)، الأصل محمد بن الحسن (١/ ١٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٣)، تبيين الحقائق (١/ ٩٢). جاء في العناية شرح الهداية (١/ ٢٤٥): «والتثويب في الفجر: حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين، بين الأذان والإقامة حسن؛ لأنه وقت نوم وغفلة، وكره في سائر الصلوات … وهذا التثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة ﵃؛ لتغير أحوال الناس، وخصوا الفجر به لما ذكرنا، والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها؛ لظهور التواني في الأمور الدينية». وجاء في بدائع الصنائع (١/ ١٤٨): «وأما التثويب المحدث فمحله صلاة الفجر … غير أن مشايخنا قالوا: لا بأس بالتثويب المحدث في سائر الصلوات؛ لفرط غلبة الغفلة على الناس في زماننا، وشدة ركونهم إلى الدنيا، وتهاونهم بأمور الدين، فصار سائر الصلوات في زماننا مثل الفجر في زمانهم».
(٢) الموافقات (٥/ ١٥٨)، فتاوى الشاطبي (ص: ٢١٧)، الاعتصام (٢/ ٥٣٥)، البدع لابن وضاح (٢/ ٨٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٣٨)، البيان والتحصيل (١/ ٤٣٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٣١)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٤)، حلية العلماء للقفال (٢/ ٣٦)، البيان للعمراني (٢/ ٦٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٨)، أسنى المطالب (١/ ١٢٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤٠٩)، شرح السنة للبغوي (٢/ ٢٦٥)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٤٩٧)، الإنصاف (١/ ٤١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٤)، كشاف القناع (١/ ٢٣٨).
(٣) سنن الترمذي (١/ ٣٨٠).
[ ١ / ١٩٢ ]
وقيل: يختص التثويب بمن يشتغل بمصالح العامة، كالقاضي، والمفتي، والمدرس، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره قاضي خان (^١).
• حجة الجمهور على كراهة التثويب في غير الفجر:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
فما مات رسول الله ﷺ إلا وقد أكمل الله لنا الدين، ورضيه لنا فلا يحتاج الشرع إلى أن يستدرك أحد، فيحدث فيه ما ليس منه.
جاء في الاعتصام: «قال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكًا يقول: التثويب ضلال، قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذٍ دينًا، لا يكون اليوم دينًا» (^٢).
(ح-٧٨) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (^٣).
الدليل الثاني:
(ث-١٧) من الآثار، ما رواه أبو داود حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، حدثنا أبو يحيى القتات، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، قال: اخرج بنا فإن هذه بدعة (^٤).
وفي إسناده أبو يحيى القتات فيه لين، إلا أن الإمام أحمد، قال: رواية سفيان
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٠).
(٢) الاعتصام (٢/ ٥٣٥).
(٣) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٤) سنن أبي داود (٥٣٨).
[ ١ / ١٩٣ ]
عنه مقاربة، وقد تابعه ليث، فصار الأثر حسنًا إن شاء الله تعالى والله أعلم (^١).
الدليل الثالث:
(ح-٧٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن بن الربيع، وأبو أحمد، قالا: حدثنا أبو إسرائيل، قال: أبو أحمد في حديثه: حدثنا الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن بلال، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر، وقال أبو أحمد في حديثه: قال لي رسول الله ﷺ: إذا أذنت فلا تثوب … (^٢).
[ضعيف، وابن أبي ليلى لم يَلْقَ بلالًا، والمعروف فيه عن ابن أبي ليلى مرسلًا] (^٣).
الدليل الرابع:
(ث-١٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن عبد العزيز ابن رفيع،
_________________
(١) رواه أبو داود (٥٣٨)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٦٢٤). وتابع أبا داود يوسف القاضي، فرواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٠٣) ح ١٣٤٨٦، عنه، عن محمد بن كثير به. وفي إسناد أبو يحيى القتات، وفيه ضعف، قال الأثرم، عن أحمد: روى إسرائيل عن أبي يحيى القتات أحاديث مناكير جدًّا كثيرة، وأما حديث سفيان عنه فمقارب. اه وهذا من حديث سفيان عنه. وقد توبع أبو يحيى القتات، تابعه ليث بن أبي سليم، فرواه عبد الرزاق في المصنف (١٨٣٢)، عن ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر فسمع رجلًا يثوِّب في المسجد، فقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع. والقتات وليث كل منهما ضعيف، وكل منهما مكثر عن مجاهد، فالأثر حسن بمجموع الطريقين. وقال النووي في المجموع (٣/ ٩٨): «رواه أبو داود، وليس إسناده بقوي». وقال ابن رجب في شرح البخاري (٥/ ٤٢٦): وأبو يحيى هذا، مختلف فيه، وقد استدل طائفة من أصحابنا بهذا الحديث، وأخذوا به، وأما الخروج بعد الأذان لغير عذر، فمنهي عنه عند أكثر العلماء».
(٢) المسند (٦/ ١٤).
(٣) سبق تخريجه، انظر ح (٦٧).
[ ١ / ١٩٤ ]
عن مجاهد، قال: لما قدم عمر مكة، أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح، قال: ويحك أمجنون أنت؟ أما كان في دعائك اللذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتينا.
[رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (^١).
الدليل الخامس: من النظر:
أن صلاة الفجر تأتي على الناس وهم في حال نوم وغفلة، فخصت التثويب، وهذا المعنى غير موجود في غيرها.
• حجة من قال: التثويب بين الأذان والإقامة جائز في كل الصلوات:
التثويب بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة رضوان الله عليهم لشدة الحاجة إليه في وقت صلاة الفجر؛ لغلبة الغفلة والنوم على الناس، ولم يكن هناك حاجة في ذلك الوقت لتعميمه على سائر الصلوات، لعدم الحاجة إليه، وقاس المتأخرون من الحنفية سائر الصلوات على صلاة الفجر؛ لفرط غلبة الغفلة على الناس، وشدة ركونهم إلى الدنيا، وتهاونهم بأمور الدين، فأصبحت سائر الصلوات في زمانهم كالفجر في زمان التابعين، فما ساغ إحداثه بين الأذان والإقامة لصلاة الفجر فإنه يجوز إحداثه لبقية الصلوات إذا وجدت العلة نفسها.
• ويناقش:
بأن ما أحدثه المتقدمون من الحنفية لم يكن مشروعًا حتى يمكن القياس عليه، فلا هدي في العبادات إلا باتباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام فعلًا لما فعلوه، وتركًا لما تركوه.
• دليل متقدمي الحنفية بالتثويب بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر:
(ح-٨٠) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وذكر
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥١٤)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٥٧). وتابع عبد السلام بن عاصم ابن أبي شيبة كما في أخبار مكة للفاكهي (١٣٢٧)، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد به. ومجاهد لم يدرك عمر ﵁.
[ ١ / ١٩٥ ]
محمد ابن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، في قصة الرؤيا التي شرع بسببها الأذان، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (^١).
[ضعيف، وقد رواه أصحاب الزهري عن سعيد مرسلًا] (^٢).
• الراجح:
أن التثويب عبادة، والعبادة سبيلها التوقيف، فلا يشرع التثويب إلا في الأذان، وفي أذان صلاة الفجر خاصة.
_________________
(١) المسند (٤/ ٤٢).
(٢) انظر تخريجه (٢٧).
[ ١ / ١٩٦ ]