المدخل إلى المسألة:
• كان تشريع الأذان متأخرًا عن تشريع الصلاة.
• الصلاة في العهد المكي لم يكن لها أذان، فالأذان تشريع مدني.
• كل الروايات التي تقول: إن الأذان شرع في ليلة الإسراء، أو في مكة، فهي روايات باطلة.
• إشراك عامة المسلمين في الشأن العام حيث كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في كيفية الإعلام للصلاة.
• أراد الله قدرًا أن يكون تشريع الأذان عن طريق رؤيا يراها بعض الصحابة ممن لم يعرف بكثرة الرواية، ولا الفقه، ويقره الوحي ويرتضيه النبي ﷺ، ويأمر به.
[م-١] الكلام في تاريخ مشروعية الأذان يدخل في تاريخ تشريع الأحكام، وقد تكلم الفقهاء عن تاريخ تشريع بعض الأحكام، كقولهم في الصلاة: متى شرعت؟ وقولهم في باب الزكاة: متى شرعت الزكاة؟ والكلام نفسه يقال في باب الصيام والحج، والجهاد، وهو كلام مفرق على أبواب الفقه، ولا أعلم كتابًا خَاصًّا يجمع تاريخ تشريع الأحكام من بداية نزول الوحي إلى حين اكتمال التشريع، إلا ما أُلِّفَ في أسباب النزول، وبيان المكي والمدني من السور، وكذا ما أُلِّفَ في الناسخ والمنسوخ من الأحكام، وكان البحث في تاريخها مدفوعًا بالعلم بالمتأخر والمتقدم منها، ليكون المتأخر ناسخًا للمتقدم.
ولا نزاع بين العلماء أن الصلاة شرعت في مكة قبل الهجرة، وارتبط تشريعها مع واقعة الإسراء والمعراج.
[ ١ / ٢٥ ]
وكان تشريع الأذان متأخرًا عن تشريع الصلاة.
وقد تعرض الصحيحان لقصة تشريع الأذان من حديث أنس، وابن عمر ﵃، وهما أصح ما في الباب، وهما صريحان بأن تشريع الأذان كان في المدينة.
فالصلاة في العهد المكي لم يكن لها أذان، بل لم يكن للصلاة أماكن معلومة يدعى الناس إلى الاجتماع فيها لفعل الصلاة، بل إن الأذان تأخر عن أول قدوم النبي ﷺ المدينة.
(ح-٢) فقد روى البخاري من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحَذَّاء، عن أَبِي قِلَابَةَ،
عن أنس بن مالك، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يُعْلِموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يُورُوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يُوتِر الإقامة. ورواه مسلم بنحوه (^١).
وقوله: (لما كثر الناس) دليل على أن الأذان تأخر عن أوَّل قدوم النبي ﷺ المدينة حتى كثر الناس، وانتشروا في المدينة وما حولها، واشتد عليهم حينئذٍ إعلامهم بالصلاة، فاحتاجوا إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفة تامة (^٢).
فهذه إحدى روايتي الصحيح في تاريخ مشروعية الأذان، وهي تذكر أن الأذان كان عن مشاورة، وأنهم ذكروا النار والناقوس، وكل هذا واضح أنها كانت آراء طرحت في مجلس التشاور، ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى خلاصة ما اتفقوا عليه بقوله: (فأُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة)، فلم يتعرض الحديث كيف اهتدوا إلى الأذان، ولا كيف اتفقوا عليه حتى أُمِرَ بلالٌ أن يجعله شفعًا وأن يوتر الإقامة.
كما أن الحديث صريح بأن الأذان شرع في المدينة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٠٦)، وصحيح مسلم (٣ - ٣٧٨). قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٨١): ولا يعرف ذكر النار إلا في هذه الرواية، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر الناقوس والبوق. اه
(٢) انظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٨١).
[ ١ / ٢٦ ]
وكل الروايات التي تقول: إن الأذان شرع في ليلة الإسراء، أو في مكة فهي أحاديث باطلة، من ذلك:
(ح-٣) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق أحمد بن محمد بن ماهان، حدثني أبي، حدثنا طلحة بن زيد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، أن النبي ﷺ لما أسري به إلى السماء أوحي إليه بالأذان، فنزل به، فعلمه جبريل.
قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، ولا عن يونس إلا طلحة بن زيد، تفرد به محمد بن ماهان الواسطي (^١).
[موضوع] (^٢).
(ح-٤) ومنها ما رواه البزار من طريق زياد بن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده،
عن علي لما أراد الله ﵎ أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل صلى الله عليهما بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها فاستصعبت، فقال لها جبريل: اسكني فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد ﷺ، قال: فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن ﵎، قال: فبينما هو كذلك، إذ خرج ملك من الحجاب، فقال رسول الله ﷺ: يا جبريل! من هذا؟ فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر … فذكر الأذان فقال: ثم أخذ الملك بيد محمد- ﷺ فقدمه، فأم أهل السماء، فيهم آدم ونوح.
قال الطبراني: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد.
_________________
(١) المعجم الأوسط (٩٢٤٧).
(٢) قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (٥/ ١٧٩): «موضوع بهذا الإسناد بغير شك، وطلحة هذا كذاب مشهور». وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٧٨): «وفي إسناده طلحة بن زيد، وهو متروك». قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٢٩): «وفيه طلحة بن زيد ونسب إلى الوضع».
[ ١ / ٢٧ ]
وزياد بن المنذر فيه شيعية، وقد روى عنه مروان بن معاوية وغيره (^١).
[موضوع] (^٢).
(ح-٥) ومنها ما رواه ابن شاهين، قال: حدثنا جعفر بن نصير، قال: حدثنا علي بن أحمد السواق، قال: حدثنا محمد بن حماد بن زيد الحارثي، قال: حدثنا عائذ بن حبيب بَيَّاع الهرويُّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: لما أسري بي إلى السماء، أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت بالملائكة (^٣).
[منكر] (^٤).
قال الحافظ ابن حجر: «والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ -كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث ابن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد» (^٥).
(ح-٦) وأما ما رواه ابن سعد بسنده إلى نافع بن جبير، وعروة بن الزبير،
_________________
(١) مسند البزار (٥٠٨).
(٢) قال ابن رجب في فتح الباري (٥/ ١٧٩): «زياد بن المنذر أبو الجارود الكوفي، قال فيه الإمام أحمد: متروك. وقال ابن معين: كذاب عدو الله، لا يساوي فلسًا. وقال ابن حبان: كان رافضيًّا يضع الحديث».
(٣) ناسخ الحديث ومنسوخه (١٧٨).
(٤) انفرد به عائذ بن حبيب عن هشام بن عروة، وقد قال أبو أحمد الجرجاني: «روى عن هشام بن عروة أحاديث أنكرت عليه وسائر أحاديثه مستقيمة». وفي التقريب: صدوق رمي بالتشيع. وجعفر بن نصير فيه جهالة. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٨٣): وعزاه لابن مردويه. وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٧٨): «ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعًا … وذكر الحديث، وفيه من لا يُعْرَفُ».
(٥) فتح الباري (٢/ ٧٩).
[ ١ / ٢٨ ]
وزيد بن أسلم، وسعيد بن الْمُسَيِّبِ، قَالُوا: كان الناس في عهد النبي ﷺ قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي ﷺ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان …
فهذه المراسيل تذكر أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة، إلا أنها كلها رواها ابن سعد عن شيخه الواقدي، وهو رجل أخباري متروك، ولو صح فإن هذا يعني أن الصحابة مكثوا في المدينة ما يقرب من ستة عشر شهرًا لم يكن يؤذن فيهم للصلاة، ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ -صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا.
وسوف أذكر مرسل سعيد بن المسيب بتمامه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى عند الكلام كيف شرع الأذان.
قال ابن رجب في الفتح: «ففي هذه الرواية: أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة، وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية» (^١).
(ح-٧) وروى أحمد من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب،
عن علي، قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها وأصابنا بها وعك، وكان النبي ﷺ -يتخبر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله ﷺ إلى بدر فلما طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله، فجاء الناس من تحت الشجر، والحجف، فصلى بنا رسول الله، وحرض على القتال … الحديث (^٢).
[صحيح إن سلم من تغير أبي إسحاق] (^٣).
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٩٤).
(٢) مسند أحمد (١/ ١١٧).
(٣) تفرد به إسرائيل عن أبي إسحاق، وإسرائيل ثقة إلا أن العلماء اختلفوا في رواية إسرائيل عن جده أبي إسحاق. قال أحمد: إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين، سمع منه بآخرة. انظر الجرح والتعديل (٢١/ ٣٣١). وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: كان أبو إسحاق قد تأخر، قال: أي والله! هؤلاء الصغار زهير وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٧١٠). = = وقال العجلي: كان ثقة إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخرة، بعد ما كبر أبو إسحاق. وقال يحيى بن معين: شريك أحب إلي في أبي إسحاق. وقال أحمد نحو هذا. المرجع السابق. التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح (ص: ٤٤٥). وقال الدوري عن يحيى بن معين: زكريا وزهير وإسرائيل حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء، إنما أصحاب أبي إسحاق سفيان وشعبة. وخالف هؤلاء جماعة منهم: ابن مهدي، فقال: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري. وقال أبو حاتم الرازي: إسرائيل من أتقن أصحاب أبي إسحاق. الجرح والتعديل (٢/ ٣٣١). وقال الترمذي: إسرائيل ثبت في أبي إسحاق. قلت: إسرائيل صاحب كتاب، فما حدث من كتابه، أو لم يخالف فحديثه صحيح، وقد أخرج له البخاري في صحيحه من حديث جده أبي إسحاق، والله أعلم.
[ ١ / ٢٩ ]
وهذا يعني أن تشريع الأذان بعد غزوة بدر.
فهذه النصوص التي يمكن من خلالها أن يتلمس الباحث متى شرع الأذان، وأمَّا كيف شرع الأذان؟ فتكشف عنه الرواية الثانية في الصحيحين:
(ح-٨) فقد رواها الشيخان من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع،
أن ابن عمر، كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فَيَتَحَيَّنُونَ الصلاة ليس يُنَادَى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النصارى، وقال بعضهم: بل بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فقال عمر: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قم فَنَادِ بالصلاة (^١).
هذه رواية ابن عمر لقصة مشروعية ابتداء الأذان.
قال الشوكاني: «هذا أصح ما ورد في تعيين ابتداء وقت الأذان» (^٢).
ومنه قول عمر ﵁: (أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قُمْ فَنَادِ بالصلاة).
[م-٣] وقد اختلف العلماء بهذا النداء الذي أشار به عمر ﵁، أهو
_________________
(١) البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧).
(٢) نيل الأوطار (٢/ ٣٨).
[ ١ / ٣٠ ]
الأذان المعروف، ويكون هذا من إلهام عمر ﵁، وتكون الرؤيا جاءت توكيدًا وتأييدًا لرأي عمر ﵁، فأمر به الرسول- ﷺ أمر تشريع بعد الرؤيا؟
أم أن المراد برأي عمر هو مطلق الإعلام بالصلاة، دون التقيد بلفظ مخصوص؟
فاختار كثير من الفقهاء أن الأذان لم يكن بالكلمات المعروفة، بل أراد عمر مطلق الإعلام، منهم القاضي عياض، والنووي وغيرهما (^١).
القول الثاني: أن الذي أشار به عمر هو النداء المعروف.
واستظهره ابن رجب في شرحه للبخاري (^٢)، ومال إليه القرطبي.
جاء في الفتح لابن حجر: «قال القرطبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدقه النبي ﷺ بادر عمر، فقال: أو لا تبعثون رجلًا ينادي؟ أي يؤذن للرؤيا المذكورة، فقال النبي- ﷺ: قم يا بلال، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد فجاء إلى النبي- ﷺ، فقص عليه فصدقه، فقال عمر» (^٣).
وتعقب ذلك ابن حجر قائلًا: «سياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه: أنه لما قص رؤياه على النبي- ﷺ، فقال له: ألقها على بلال، فليؤذن بها، قال: فسمع عمر الصوت، فخرج، فأتى النبي- ﷺ، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى،
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (٢/ ٢٣٧)، فيض الباري على صحيح البخاري (٢/ ٢٠٣). جاء في شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٧٦): «قال القاضي عياض: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها، وهذا الذي قاله محتمل، أو متعين، فقد صح في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله ﷺ يخبره به، فجاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، وذكر الحديث. فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أولًا، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي ﷺ بعد ذلك والله أعلم».
(٢) انظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٨٧).
(٣) الفتح لابن حجر (٢/ ٨١).
[ ١ / ٣١ ]
فدل على أن عمر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك والله أعلم» (^١).
وإذا كان عمر مسبوقًا بالأذان المعروف، كان النداء الذي سبق إليه عمر إنما هو بالدعوة إلى الصلاة بالإعلام المطلق، وليس بالصفة المعروفة (^٢).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٨١).
(٢) روى عبد الرزاق في المصنف (١٧٧٤) عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، بذكر قصة رؤيا عبد الله بن زيد الأذان في المنام، وفيه: ورأى ابن الخطاب في منامه مثل ذلك، فلما صلى عبد الله الصبح غدا إلى النبي ﷺ ليخبره، وَغَدَا عمر، فوجد الأنصاريَّ قد سبقه، ووجد النبي- ﷺ قد أمر بلالًا بِالْأَذَانِ. وهذا المرسل رجاله ثقات، وهو من مراسيل سعيد بن المسيب، وهو من أقواها. وانظر الكلام على هذا الرواية، وتخريجها ضمن تخريج حديث عبد الله بن زيد، رقم (٢٧). وروى أحمد (٢٢١٢٤) من طريق المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ … بذكر قصة رؤيا عبد الله بن زيد الأذان، وأنه أخبر النبي- ﷺ بذلك فقال له رسول الله- ﷺ: عَلِّمْهَا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا، فَكَانَ بِلَالٌ أَوَّلَ مَنْ أَذَّنَ بِهَا. قَالَ: وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ قَدْ طَافَ بِي مِثْلُ الَّذِي أَطَافَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ سَبَقَنِي … الحديث. وانظر: تخريج هذه الرواية في أثناء تخريج حديث عبد الله بن زيد، وابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. وفي هذه الرواية أن أذان بلال كان بتعليم عبد الله بن زيد بأمر النبي- ﷺ، وأن إخبار عمر كان متأخرًا. وفي الباب عن ابن عمر، رواه ابن ماجه (٧٠٧) وفيه خالد بن عبد الله الواسطي. وحديث عبد الله بن زيد، رواه أحمد (١٦٤٧٧)، والدارمي (١٢٢٤)، وأبو داود (٤٩٩)، وابن خزيمة (٣٧١)، وابن حبان (١٦٧٩)، والدارقطني (٩٣٥)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٥٧٥) وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢) من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثني محمد بن إِبراهيم ابن الحارث التَّيْمِي، عَنْ محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن زيد … وفيه: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فَأَلْقِ عليه ما رأيت فليؤذن بِهِ، فإنه أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، وهو يقول: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مِثْلَ الَّذِي أُرِيَ، قال: فقال رسول الله ﷺ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ولم ينفرد به إبراهيم بن سعد فقد تابعه كل من: =
[ ١ / ٣٢ ]
فمن خلال رواية أنس وابن عمر نستطيع أن نُجْمِل المراحل التي مر بها الأذان:
المرحلة الأولى: ما قاله ابن عمر في الرواية السابقة، أنهم كانوا يجتمعون فيتحينون للصلاة، ليس ينادَى لها.
المرحلة الثانية: النداء بمطلق الإعلام للصلاة، وبه أشار عمر ﵁، ولا يعلم له لفظ مخصوص،
وما أشار به عمر ﵁ كان قد همَّ به الرسول ﷺ قبل عمر.
(ح-٩) فقد روى أبو داود من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة،
سمعت ابن أبي ليلى، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، قال: وحدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين - أو قال - المؤمنين، واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالًا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالًا يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة، حتى نَقَسُوا، أو كادوا أن يَنْقُسُوا، قال: فجاء رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، إني لِمَا رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلًا كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد، فأذن، ثم قعد قعدة، ثم قام، فقال مثلها، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة … الحديث (^١).
_________________
(١) = يحيى بن سعيد الأموي كما في سنن الترمذي (١٨٩)، وصحيح ابن خزيمة (٣٦٣). وسلمة بن الفضل كما في سنن الدارمي (١٢٢٤)، وصحيح ابن خزيمة (٣٧٠). ومحمد بن سلمة الحراني كما في سنن ابن ماجه (٧٠٦). انظر تخريج الحديث في أول هذه المسألة. وحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له، وذكر أن عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك وكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي- ﷺ، فقال له النبي- ﷺ: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله- ﷺ: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، قال: فأذن بلال. وانظر تخريج هذه الأحاديث في ح (٢٧). فكل هذه الأحاديث تذكر أن أذان بلال كان بتعليم عبد الله بن زيد لبلال، وليس برأي عمر ﵁.
(٢) سنن أبي داود (٥٠٦).
[ ١ / ٣٣ ]
والحديث فيه اختلاف كثير في وصله وإرساله (^١).
(ح-١٠) وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن مُحَمَّدِ بْنِ يحيى الْقُطَعِي، أخبرنَا رَوْحُ بن عطاء بن أبي ميمونة، حدثنا خالد الْحَذَّاءُ، عَنْ أبي قِلَابَةَ، عَنْ أنس ابن مالك، قال:
كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله ﷺ سعى رجل فنادى: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، فَاشْتَدَّ ذلك على الناس، فقالوا يا رسول الله لو اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا. قال: ذلك للنصارى. قالوا: فلو اتخذنا بُوقًا. قال: ذلك لليهود. قال: فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة (^٢).
وقد رواه الطبراني في الأوسط، وقال عقبه: «لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن خالد الحذاء إلا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، تفرد به محمد بن يحيى القطعي» (^٣).
_________________
(١) وسيأتي تخريجه، والكلام عليه عند تخريج حديث عبد الله بن زيد، ح (٢٧).
(٢) صحيح ابن خزيمة (٣٦٩).
(٣) المعجم الأوسط (٥٩٨٤). قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٨٢): «روح متكلم فيه». والحديث مداره على خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس. رواه روح بن عطاء بن أبي ميمونة عن خالد الحذاء، وانفرد بقوله: (إذا حضرت الصلاة سعى رجل في الطريق ينادي الصلاة الصلاة …) ولا يحتمل تفرد روح بمثل هذا، وقد ضعفه يحيى بن معين، وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين، وقال أحمد: منكر الحديث. ورواه جمع من الثقات فلم يذكروا ما ذكره روح بن عطاء، منهم على سبيل المثال: الأول: عبد الوارث، وهو في البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٣٧٨)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. الثاني: عبد الوهاب الثقفي، وهو في صحيح البخاري (٦٠٦)، وصحيح مسلم (٣٧٨)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. الثالث: ابن علية، كما في البخاري (٦٠٧)، ومسلم (٣٧٨)، وأكتفي بالصحيحين. الرابع: حماد بن زيد، كما في صحيح مسلم (٣٧٨)، ومستخرج أبي عوانة (٩٥٠). الخامس: وهيب، كما في صحيح مسلم (٣٧٨)، ومستخرج أبي عوانة (٩٥٠). السادس: يزيد بن زريع، كما في سنن الترمذي (١٩٣)، ومسند أبي يعلى (٢٧٩٣)، وصحيح ابن حبان (١٦٧٤)، ومستخرج أبي عوانة (٩٥٠). = = السابع: المعتمر بن سليمان، كما في سنن ابن ماجه (٧٢٩)، وصحيح ابن خزيمة (٣٦٧)، وصحيح ابن حبان (١٦٧٨). الثامن: عمر بن علي، كما في سنن ابن ماجه (٧٣٠). التاسع: بشر بن المفضل، كما في صحيح ابن خزيمة (٣٦٦). العاشر: شعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٢٠٩)، وسنن الدارمي (١٢٣٠)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٣٢)، ومستخرج أبي عوانة (٩٤٩). الحادي عشر: الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (١٧٩٥)، وصحيح ابن خزيمة (٣٦٦). الثاني عشر: عبد الأعلى، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢١٢٩). الثالث عشر: هشيم، كما في المنتقى لابن الجارود (١٥٩). الرابع عشر: هشام الدستوائي كما في صحيح ابن خزيمة (٣٦٦) كلهم وغيرهم ممن تركتهم اختصارًا واقتصارًا، رووه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، فلم يذكروا ما ذكره روح ابن عطاء بن أبي ميمونة. كما رواه الشيخان عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بنحو رواية خالد عن أيوب، ولم يذكر فيه ما ذكره روح، لهذا لا يشك باحث أن ما تفرد به منكر، والله أعلم.
[ ١ / ٣٤ ]
وقد روي أن النداء للصلاة قبل الأذان كان ينادى بالصلاة جامعة، ولا يصح.
(ح-١١) فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى، قال:
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، أخبرنا سليمان بن سليم القاري، عن سليمان ابن سحيم، عن نافع بن جبير.
قال: وحدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير.
قال: وحدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم.
قال: وحدثنا معمر بن راشد، عن الزهري،
عن سعيد بن المسيب، قالوا: كان الناس في عهد النبي ﷺ قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي ﷺ: الصلاة جامعة، فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أُمِر بالأذان، وكان رسول الله ﷺ قد أهمه أمر الأذان، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: البوق وقال بعضهم: الناقوس فبينا هم على ذلك إذ نام عبد الله بن زيد الخزرجي، فَأُرِي في النوم أن رجلًا مرَّ، وعليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس، قال: فقلت: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت:
[ ١ / ٣٥ ]
أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لكم من ذلك تقول: … وذكر الأذان.
[هذه المراسيل جاءت من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك] (^١).
المرحلة الثالثة: النداء بالأذان المعروف، وبه استقر تشريع الإعلام بالصلاة.
وهذه المرحلة الثالثة يكشف عنها حديث عبد الله بن زيد ﵁،
(ح-١٢) فقد روى أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فَأَلْقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[حديث حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق بإسناده، وثبت سماع محمد بن
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢٤٦)، وقد تفرد الواقدي برواية مرسل نافع بن جبير، وعروة، وزيد بن أسلم، وأما روايته عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، فهو وإن لم يتفرد بالإسناد، فقد خالف الأوثق، فقد رواه عبد الرزاق في المصنف (١٧٧٤) عن معمر به، ولم يذكر قوله: (الصلاة جامعة)، كما رواه أصحاب الزهري شعيب ويونس ولم يذكروا ما ذكره الواقدي، وقد خرجت مرسل سعيد بن المسيب ضمن شواهد حديث عبد الله بن زيد، فانظره هناك، بارك الله فيك.
[ ١ / ٣٦ ]
عبد الله بن زيد من أبيه] (^١).
وهذه الأحاديث السابقة هي التي تعرضت لكيفية تشريع الأذان فهل بين أحاديث الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد تعارض؟
وقد جمع بينها ابن العربي المالكي، فقال: «وجه الجمع بينهما أن النبيَّ ﷺ تشاور مع أصحابه كيف يتحيَّنون وقت الصلاة، فقال بعضهم: نتخذ قرنًا مثل قرن اليهود، وقال بعضهم: نتخذ ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: أوقدوا نارًا، وقال عمر، ﵁: نادوا بالصلاة كأنه يقول: الصلاة الصلاة، لا تفصيل الأذان وكيفيته. فتوقف النبيُّ ﷺ ينظر في ذلك (^٢)، فرأى عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب، ﵄، الرؤيا فيه، وسبق عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فأعلمه، وأمر رسول الله ﷺ بذلك وقال: إن هذه الرؤيا حق، وسمع عمر الأمر فأخبر برؤياه، فَحَمِدَ اللهَ رسولُ اللهِ على ما كان من الإرشاد إلى الحق، وألهم إليه من انتظام الأمر» (^٣). والله أعلم.
وجاء في رواية أن الشهادة بالرسالة في الأذان كانت من اقتراح عمر، وأقرَّ ذلك رسول الله ﷺ.
(ح-١٣) قال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا بندار، بخبر غريب غريب، أخبرنا أبو بكر -يعني الحنفي- أخبرنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر:
أن بلالًا كان يقول أول ما أذن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة. فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمَّدًا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: قل كما أمرك عمر.
وهذا حديث ضعيف جدًّا (^٤).
_________________
(١) سيأتي تخريجه، انظر: ح (٢٧).
(٢) لم يتوقف النبي ﷺ بل أخذ برأي عمر ﵁، فقال لبلال: قم فناد بالصلاة كما هي رواية الصحيحين، ولكنه النداء مبهم، والظاهر أنه ليس النداء المعروف.
(٣) القبس (١/ ١٩٤)، المسالك شرح موطأ مالك (٢/ ٣١٣).
(٤) والأثر رواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٧٣) من منكرات عبد الله بن نافع. = = وفي إسناده عبد الله بن نافع العدوي القرشي مولاهم، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. تهذيب الكمال (١٦/ ٢١٤).
[ ١ / ٣٧ ]
ثم أُضِيفَ إلى الأذان جملتان:
الأولى منهما: التثويب في صلاة الصبح، ولا يعلم تاريخ معين متى اعتمد الثويب في الأذان.
والثانية: الترجيع، وهذا أضيف إلى الأذان بعد فتح مكة، وسوف أعقد فصلين مستقلين للتثويب والترجيع في صفة الأذان إن شاء الله تعالى.
وهذا ما يتعلق بالجواب على سؤال كيف شرع الأذان.
[ ١ / ٣٨ ]