الفرع الأول معنى جزم الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• مد التكبير إن كان في أوله في لفظ الجلالة فقد انقلب استفهامًا، فيوهم الكفر، وإن كان في آخره فقد تغير المعنى؛ لأن (أكبار) جمع كبر، وهو الطبل، تعالى الله.
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على ما سمع، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
[م-٦٤] يقصد بالجزم: تسكين أواخر كلمات الأذان عند الوقف، وهو ضد الإعراب.
جاء في تهذيب اللغة: والجزم: الحرف إذا سكن آخره (^١).
وعند الحنفية الجزم يعني أمرين:
أحدهما: أي مقطوع المد، فلا تقول: آلله أكبر.
الثاني: أنه مقطوع حركة الآخر للوقف، فلا يقف بالرفع (^٢).
والمقصود في البحث هنا المعنى الثاني.
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٠/ ٣٣١).
(٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، الدر المختار (١/ ٥٥).
[ ١ / ٤٩٨ ]
جاء في المبسوط: «الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم» (^١).
وجاء في البحر الرائق: «ويسكن كلمات الأذان والإقامة لكن في الأذان ينوي الحقيقة، وفي الإقامة ينوي الوقف» (^٢). أي يسكن الإقامة وإن وصل الكلام من أجل الحدر على نية الوقف.
وقال خليل المالكي عن الأذان: «مجزوم». علق الخرشي: «أي موقوف الجمل ساكنها» (^٣).
وفي جامع الأمهات: «قال بعضهم: ولم يسمع يعني الأذان إلا موقوفًا» (^٤).
واعتبر السيوطي أن الوقف بالسكون هو الأفصح، والوقف بالحركة على جمل الأذان دون اللحن (^٥).
وفي مغني المحتاج نقلًا عن المبرد: «الأذان سمع موقوفًا» (^٦).
وفي البيان للعمراني: «والسنة: أن يقف المؤذن على أواخر الكلمات في الأذان؛ لأنه روي موقوفًا» (^٧).
وفي الإنصاف: «قوله (ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة)، وهذا بلا نزاع. لكن قال ابن بطة، وأبو حفص، وغيرهما من الأصحاب: إنه يكون في حال ترسله وحدره: لا يصل الكلام بعضه ببعض معربًا، بل جزمًا وإسكانًا. وحكاه ابن بطة عن ابن الأنباري عن أهل اللغة. قال: وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: شيئان مجزومان، كانوا لا يعربونهما: الأذان، والإقامة. قال: وقال أيضًا: (الأذان
_________________
(١) المبسوط (١/ ٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢).
(٢) البحر الرائق (١/ ٢٧١)، وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٦).
(٣) الخرشي (١/ ٢٣٠).
(٤) جامع الأمهات (ص: ٨٧)، وانظر التوضيح لخليل (١/ ٢٨٣).
(٥) الحاوي للفتاوى للسيوطي (ص: ٤١٣).
(٦) مغني المحتاج (١/ ١٣٦)، أسنى المطالب (١/ ١٢٦).
(٧) البيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني (٢/ ٦٦)، وانظر المجموع (٣/ ١٣٥)، العباب المحيط (١/ ٢٩٣).
[ ١ / ٤٩٩ ]
جزم) قال المجد في شرحه: معناه: استحباب تقطيع الكلمات بالوقف على كل جملة. فيحصل الجزم والسكون بالوقف، لا أنه مع عدم الوقف على الجملة يترك إعرابها، كما قال. انتهى» (^١).
_________________
(١) الإنصاف (١/ ٤١٤)، وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٩).
[ ١ / ٥٠٠ ]
الفرع الثاني في صفة الجزم بالأذان
المسألة الأولى القطع والوصل بالتكبير
المدخل إلى المسألة:
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على نحو ما نقل، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
[م-٦٥] بعد أن عرفنا معنى كلمة كون الأذان مجزومًا نأتي إلى صفة الجزم بالأذان.
فجمل الأذان تنقسم إلى قسمين:
الأول: جمل الأذان ما عدا التكبير، فالوقوف عليها بالتسكين على كل جملة، فلا يصل جملةً بجملةٍ أخرى، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة.
قال الحطاب في مواهب الجليل: «نقل ابن فرحون عن ابن راشد أن الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفًا» (^١).
الثاني: التكبير بالأذان، وقد اختلفوا فيه في مسألتين:
المسألة الأولى: القطع والوصل.
والمسألة الثانية: الجزم والإعراب.
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٢٧)، وانظر مراقي الفلاح (ص: ٧٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٤)، الإنصاف (١/ ٤١٤).
[ ١ / ٥٠١ ]
فأما القطع والوصل فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن صفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر، ويقف، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بصوت واحد، وبنفس واحد من غير فرق بين التكبيرات التي في أول الأذان والتي في آخره (^١).
قال النووي: «يستحب أن يجمع المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد، وأما باقي الألفاظ فيفرد كل كلمة بصوت لطول لفظها بخلاف التكبير» (^٢).
القول الثاني:
أن يقطع على كل تكبيرة، ولا يصلها بالأولى، ولا فرق بين التكبير الذي في أول الأذان، والتكبير الذي في آخره، وهذا قول لبعض الحنفية، وشيوخ صقلية من المالكية، ووجه للشافعية، ومذهب الحنابلة (^٣).
جاء في التوضيح لخليل: «أجاز بعض الأندلسيين الوصل والوقف في التكبير من بين ألفاظ الأذان …» (^٤).
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن التكبيرتين اللتين في أول الأذان الراجح فيهما الوصل، وأما باقي جمل الأذان بما في ذلك التكبير الذي في آخره فإن القطع فيهما واجب، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية.
_________________
(١) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٥)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٩٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٦)، إعانة الطالبين (١/ ٢٣٨)، العباب المحيط (٢/ ٢٩٣)، المجموع (٣/ ١٣٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٦)، أسنى المطالب (١/ ١٢٦)، المقدمة الحضرمية (ص: ٦٠)، حواشي الشرواني (١/ ٤٦٨).
(٢) روضة الطالبين (١/ ٢٠٨).
(٣) الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩)، منح الجليل (١/ ١٩٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٦)، الخرشي (١/ ٢٣٠)، ومطالب أولي النهى (١/ ٢٩٩)، الإنصاف (١/ ٤١٤)، كشاف القناع (١/ ٢٣٨)، المبدع (١/ ٣١٩).
(٤) التوضيح (١/ ٢٨٣).
[ ١ / ٥٠٢ ]
قال في مواهب الجليل: «قال ابن عرفة عن المازري: اختار شيوخ صقلية جزم الأذان، وشيوخ القرويين إعرابه، والجميع جائز انتهى ثم قال: «ونقل ابن فرحون عن ابن راشد: أن الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفًا» (^١).
وجاء في منح الجليل نقلًا عن المازري: «اختار شيوخ صقلية جزمه وشيوخ القرويين إعرابه، وكلاهما جائز. قال ابن راشد: الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظه حتى الله أكبر الأخير فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به معربًا، فجزم ما عدا التكبيرتين الأوليين من صفاته الواجبة التي تتوقف صحته عليها كما يفيده كلام أبي الحسن وعياض وابن يونس وابن راشد الفاكهاني» (^٢).
• دليل من قال: يصل التكبير في أول الأذان وآخره:
الدليل الأول:
(ح-١٧٢) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه،
عن جده عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة (^٣).
وجه الاستدلال:
حديث عمر ﵁ ذكر ما يقوله المؤذن، وما يقوله سامع الأذان،
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧).
(٢) منح الجليل (١/ ١٩٩).
(٣) مسلم (٣٨٥).
[ ١ / ٥٠٣ ]
فاختار عمر ﵁ شطرًا واحدًا من كل جملة يقولها المؤذن؛ لتدل على ما يقوله عند سماع الشطر الثاني، فذكر من جملة التكبير (الله أكبر الله أكبر) كشطر واحد من جملتي التكبير، كما اختار شطرًا واحدًا من الشهادتين، ومن الحيعلتين، فدل الحديث على أن المؤذن يجمع كل تكبيرتين بِنَفَسٍ واحدٍ.
وهذا من أقوى الأدلة وأصرحها على وصل التكبيرتين.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: «قال أصحابنا يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد، فيقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر بنفس واحد، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بنفس آخر» (^١).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (^٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٧٤) ما رواه أحمد، عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر - يعني المؤذن يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث
عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (^٣).
[رواه أبو جعفر عن أبي المثنى مرفوعًا وتابعه ابن أرطاة، وخالفه إسماعيل بن أبي خالد فرواه عن أبي المثنى عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ].
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٧٩)، ونقله الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٨٣).
(٢) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦) م (٣٧٨) ..
(٣) المسند (٢/ ٨٥)، وقول شعبة: لا أحفظ غير هذا، يعني أنه لم يسمع منه إلا هذا الحديث، هكذا عند أبي داود وغيره. وقد سبق تخريجه، انظر: ح (٣٦).
[ ١ / ٥٠٤ ]
وجه الاستدلال من الحديثين:
حديث أنس وصف الأذان بأنه شفع، وحديث ابن عمر وصف الأذان بأنه مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه باستثناء التشهد في آخره، وهذا لا يكون إلا إذا كانت التكبيرتان بنفس واحد.
• دليل من قال: يفصل بين جمل الأذان بما في ذلك التكبير:
الدليل الأول:
(ح-١٧٥) ما رواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب، قال: ثنا يونس بن محمد، ثنا عبد المنعم بن نعيم، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال لبلال: يا بلال، إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر … الحديث (^١).
والترسل: هو التمهل، وهذا دليل على أنه يفصل بين كل جملة من جمل الأذان بخلاف الإقامة.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف (^٢).
الدليل الثاني:
قال الرافعي في شرح الوجيز: روي أنه ﷺ قال: التكبير جزم، والتسليم جزم (^٣).
قال الحافظ في التلخيص: لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي (^٤).
قلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك.
(ث-٣٨) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال: … قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد (^٥).
_________________
(١) المنتخب (١٠٠٨).
(٢) سبق تخريجه، انظر: (ح: ١٧٠).
(٣) فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ٢٨٣).
(٤) تلخيص الحبير (١/ ٤٠٦).
(٥) المصنف (٢٥٥٣).
[ ١ / ٥٠٥ ]
[ضعيف جدًّا فيه يحيى بن العلاء متهم].
قال السيوطي: « قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد - هكذا وقع في الرواية مفسرًا - وهذا التفسير إما من الراوي عن النخعي، أو من يحيى، أو من عبد الرزاق، وكل منهم أولى بالرجوع إليه في تفسير الأثر، وفسره بذلك أيضًا الإمام الرافعي في الشرح، وابن الأثير في النهاية، وجماعة آخرون، وأَغْرَبَ المُحِبُّ الطبري فقال: معناه لا يمد، ولا يعرب، بل يسكن آخره (^١).
وهذا الثاني مردود بوجوه:
أحدها: مخالفته لتفسير الراوي، والرجوع إلى تفسير الراوي أولى كما تقرر في علم الأصول.
الثاني: مخالفته لما فسره به أهل الحديث والفقه.
الثالث: أن إطلاق الجزم على حذف الحركة الإعرابية لم يكن معهودًا في الصدر الأول، وإنما هو اصطلاح حادث فلا يصح الحمل عليه. وأما حديث أنه ﵇ لم ينطق بالتكبير إلا مجزومًا، فلم نقف عليه، وإن كان هو الظاهر من حاله ﷺ؛ لأن فصاحته العظيمة تقتضي ذلك، وأما هل يشترط الجزم؟ فجوابه: لا، بل لو وقف عليه بالحركة صح تكبيره، وانعقدت صلاته؛ لأن قصارى أمره أنه صرح بالحركة في حال الوقف، وهو دون اللحن، ومعلوم أنه لو لحن بأن نصب الجلالة مثلًا، لم يضره في صحة الصلاة، كما لو لحن في الفاتحة لحنًا لا يغير المعنى؛ فإنه لا تبطل صلاته، كما هو منصوص عليه …» (^٢).
_________________
(١) قلت: الموجود في النهاية خلاف ما قال السيوطي ﵀، وكلام ابن الأثير موافق لما قال المحب الطبري، قال في النهاية (ص: ١٥٢): «في حديث النخعي: التكبير جزم، والتسليم جزم، أراد أنهما لا يمدان، ولا يعرب أواخر حروفهما، ولكن يسكن، فيقال: الله أكبرْ …». وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ٢٦٣): «قال ابن الأثير في النهاية: معناه أن التكبير والسلام لا يمدان، ولا يعرب التكبير، بل يسكن آخره، وتبعه المحب الطبري، وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على أن التكبير جزم لا يمد، وعليه مشى الزركشي»، وانظر تحفة الأحوذي (٢/ ١٦٥).
(٢) الحاوي في الفتاوى (١/ ٤١٢ - ٤١٣).
[ ١ / ٥٠٦ ]
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: «وفيه نظر؛ لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية، فكيف تحمل عليه الألفاظ النبوية» (^١).
والصحيح أن الجزم في اللغة له معنيان:
أحدهما: السكون، كما قاله أكثر من واحد من علماء اللغة كابن الأثير، والأزهري في تهذيب اللغة (^٢)، ومنه سمي جزم الإعراب، وهو السكون.
قال ابن قدامة: «ذكر أبو عبد الله بن بطة أنه حال ترسله لا يصل الكلام بعضه ببعض معربًا بل جزمًا، وحكاه عن ابن الأنباري عن أهل اللغة …» (^٣).
وقول ابن حجر: كيف تحمل عليه الألفاظ النبوية، وكأن القول بأن التكبير جزم ثابت عن النبي ﷺ، فهو لم يثبت مرفوعًا كما لم يثبت عن إبراهيم النخعي.
المعنى الثاني يطلق الجزم على القطع، وعدم المد، ويسمى الحذف. فإنكار السيوطي وابن حجر أحد المعنيين لا وجه له، والله أعلم.
• دليل من قال: يوصل التكبير في أول الأذان دون آخره:
(ح-١٧٦) يمكن أن يستدل لهم بما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (^٤).
• وجه هذا القول:
أن التكبير في الإقامة وإن كانت صورته تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد، ولا يأتي هذا إلا إذا استحب للمؤذن أن يقول: كل تكبيرتين بنفس واحد، فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بنفس واحد، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بنفس آخر، وينبغي أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس حتى يكون شفعًا لأنه إذا وصل
_________________
(١) تلخيص الحبير ط قرطبة (١/ ٤٠٧).
(٢) النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٧٠)، تهذيب اللغة (١٠/ ٣٣١).
(٣) المغني (١/ ٢٤٥).
(٤) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦) م (٣٧٨) ..
[ ١ / ٥٠٧ ]
صار التكبير وترًا، بخلاف الإقامة فإنه يجمعها حتى تكون صورتها إفرادًا (^١).
• الراجح:
ينبغي أن يقال: إن الأمر كله واسع، سواء أوصل أم وقف في التكبير، أما باقي ألفاظه فهو على الوقف، والله أعلم.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ٨٣).
[ ١ / ٥٠٨ ]
المسألة الثانية
الجزم والإعراب في التكبير
المدخل إلى المسألة:
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على نحو ما نقل، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
• المقصود من الأذان هو الإعلام، فكيف أداه المؤذن جزمًا أو إعرابًا فقد حصل المقصود.
•أمرنا بالأذان أمرًا مطلقًا، والمطلق من الأوامر الشرعية يجري على إطلاقه فكيف أذن المؤذن فقد حصل المقصود.
• الأرجح في قواعد اللغة أن التسكين ملازم للوقف، والإعراب ملازم للوصل.
• جمل الأذان كلها على التسكين بلا وصل ما عدا التكبير ففيه خلاف في الراجح بين الإعراب مع الوصل أو الوقف مع الجزم، وكلاهما سائغ.
[م-٦٦] اختلف الفقهاء في حركة الراء من قولك: الله أكبر، في الجملة الأولى والجملة الثانية، هل هي بالتسكين أو بالفتح، أو بالضم؟
• الخلاف في الراء في التكبيرة الأولى،
للفقهاء فيها أربعة أقوال:
القول الأول:
أن الراء ساكنة غير معربة، كباقي جمل الأذان، اختاره جماعة من الحنفية،
[ ١ / ٥٠٩ ]
والشافعية والحنابلة (^١).
• وجه القول بالتسكين:
الوجه الأول:
(ح-١٧٧) ما يروى مرفوعًا: التكبير جزمٌ. أي ساكن.
لم يثبت مرفوعًا، وروي عن إبراهيم النخعي، ولم يثبت عنه، على خلاف في دلالته على المراد، وقد ناقشته في المسألة السابقة.
الوجه الثاني:
أن الأذان سمع فيه الوقف على كل جملة، والوقف يعني السكون، هذا ما تقتضيه اللغة، وآخر التكبير كآخر غيره، فإذا كان يتعين تسكين التاء المربوطة في جملة: حي على الصلاة، وتسكن الحاء في جملة حي على الفلاح، كذلك تسكن الراء في جملة الله أكبر، لا فرق بين الأولى والثانية.
القول الثاني:
التخيير بين السكون والفتح، اختاره بعض المالكية (^٢).
• وجه القول بذلك:
أما وجه التسكين فقد تقدم في القول الأول.
وأما وجه القول بالفتح، فنقل عن المبرد، أنه قال: إن الراء في الله أكبر ساكنة؛ لأن الأذان سمع موقوفًا فتحركت فتحة الألف من اسم الله لسكون الراء مثل ﴿الم (١) اللَّهُ. . .﴾ فحولت الفتحة إلى الراء من قوله: أكبر. قال ابن الأنباري: أما ضم الراء فإنه من فعل العَوَامِّ، وإنما يجوز الفتح أو السكون (^٣).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٦)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٤٨)، مراقي الفلاح (ص: ٧٨)، تبيين الحقائق (٢/ ٩٦)، البيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني (٢/ ٦٦)، إعانة الطالبين (١/ ٢٣٨)، المجموع (٣/ ١٣٥)، كشاف القناع (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، المبدع (١/ ٣١٩).
(٢) مواهب الجليل (١/ ٤٢٦، ٤٢٧)، التاج والإكليل (٢/ ٧٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٢٨١).
(٣) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٥)، التاج والإكليل (١/ ٤٢٦)، المجموع (٣/ ١٣٥).
[ ١ / ٥١٠ ]
وقيل: حركت بالفتح لالتقاء الساكنين، وإنما لم يكسر حفظًا لتفخيم اللام (^١).
• ونوقش هذا:
قال الحطاب: والتحريك بالفتح غير ظاهر؛ لأنه يحتاج إلى تكلف، وهو أن يقال: إنه وصل بنية الوقف (^٢).
وقال في مغني المحتاج: «وما علل به المبرد ممنوع إذ الوقف ليس على أكبر الأول، وليس هو مثل ميم ألم كما لا يخفى» (^٣).
القول الثالث:
التخيير بين الضم والفتح، ذكر ذلك بعض الحنفية (^٤).
أما الفتح فمن أجل التخلص من التقاء الساكنين، فالراء في أكبر ساكنة باعتبار الوقف، بعدها همزة وصل ساكنة، فتحرك الراء بالفتح تخلصًا من التقاء الساكنين.
وأما الضم فلأن جملة (الله أكبر) مكونة من مبتدأ وخبر فإذا وصلها لم يسكن، فتحرك بالضم حركة إعراب.
القول الرابع:
تعين الضم، قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: «والصواب أن حركة الراء ضمة إعراب، وليس لهمزة الوصل ثبوت في الدرج فتنقل حركتها» (^٥).
وفي المنهج القويم نقلًا عن الهروي: «عامة الناس -أي: العلماء- على ضمها» (^٦). هذا هو الخلاف في التكبيرة الأولى.
• وأما الخلاف في التكبيرة الثانية:
ففيها قولان: الأول: السكون لا غير، والرفع خطأ (^٧).
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧).
(٢) مواهب الجليل (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧).
(٣) مغني المحتاج (١/ ١٣٦).
(٤) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٩٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨١).
(٥) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٦).
(٦) المنهج القويم (ص: ١٦٠)، وانظر مغني المحتاج (١/ ١٣٦).
(٧) مواهب الجليل (١/ ٤٢٧).
[ ١ / ٥١١ ]
قال ابن عابدين: «والحاصل: أن التكبيرة الثانية في الأذان ساكنة الراء للوقف، ورفعها خطأ».
وقال القاضي عياض: «… يجوز في الراء من أكبر الأول السكون والتحريك بالفتح، وفي الثاني: السكون لا غير» (^١).
القول الثاني: التخيير بين السكون والتحريك بالضم (^٢).
ولا أعلم وجهًا للتحريك إلا أن يقال: يجوز الوقف على الحركة، وليس على السكون، إلا أن السكون أرجح.
الراجح في المسألتين:
إذا جمعت التكبيرتان، فإن الأولى تكون مضمومة، والثانية ساكنة، وإذا لم تجمع التكبيرتان، فإن السكون هو الأصل، ويجوز في لغة عند العرب الوقوف مع الإعراب، فصار الخلاف فيها لا يضر (^٣).
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧).
(٢) مواهب الجليل (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، التاج والإكليل (١/ ٤٢٦).
(٣) انظر اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٩٨، ١٩٦)، همع الهوامع شرح جمع الجوامع (٣/ ٤٣١).
[ ١ / ٥١٢ ]