المدخل إلى المسألة:
* متى تساوت الحقوق أو المصالح حكَّمنا القرعة عند التنازع دفعًا للضغائن والأحقاد، ورضا بما جرت به الأقدار، وقضى به الملك الجبار.
* القرعة ذكرت في كتاب الله في شرع من قبلنا، وجاءت السنة بها في شريعتنا.
* القرعة ليست قمارًا، فالقمار نقل الحق من مستحقه إلى من لا يحق له، بخلاف القرعة فهي تعيين الحق لأحد المستحِقَّيْنِ لتعذر اشتراكهما، فهي إفراز، وتمييز للحق.
* إذا أمكن اشتراك المستحقين لم يذهب إلى القرعة إلا برضاهما.
[م-٧٩] إذا تنازعوا في الأذان، وقد تساووا في الصلاح، وفي الصفات المعتبرة في الأذان، فاختلف الفقهاء على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى التحاكم للقرعة عند التساوي على اختلاف بينهم في تفصيل ذلك:
فمنهم من يقول يتحاكم إلى القرعة عند التساوي مطلقًا، وهو رواية عن أحمد.
قال أبو داود في مسائله لأحمد: رأيت رجلين، تشاحنا في الأذان عند أحمد، فقالا: نجمع أهل المسجد، فينظر من يختارون.
قال أحمد: لا، ولكن اقترعا فمن أصابته القرعة أذن، كذلك فعل سعد بن
[ ٢ / ٢٤ ]
أبي وقاص (^١).
فهذا واضح أن أحمد لا يرى أن يؤذنا واحدًا بعد آخر.
ومنهم من ذهب إلى التحاكم إلى القرعة إذا لم يمكن أن يترتبوا في الأذان واحدًا بعد آخر، إما بسبب كثرتهم فلا يستوعبهم الوقت لو ترتبوا، أو لضيق المسجد بحيث لو أذنوا جميعًا أدى ذلك إلى تشويش بعضهم على بعض، أو كان يمكنهم أن يترتبوا، ولكن تنازعوا في الأول، فهذه الحالات يصار فيها إلى القرعة.
أما إذا أمكن أن يترتبوا، ولم يتنازعوا في الأول، فلا حاجة إلى القرعة، وكذلك لو كان المسجد كبيرًا، وأذن كل واحد منهم بناحية لم يذهبوا إلى القرعة، وكذلك لو كان المسجد صغيرًا، فأذنوا جميعًا، ولم يُؤَدِّ ذلك إلى تشويش بعضهم على بعض، فلا يصار إلى القرعة، هذا ملخص مذهب الشافعية (^٢)، ومذهب المالكية قريب منه، وبه قال ابن حزم إلا أنه منع أن يؤذنوا معًا (^٣).
والقرعة عند المالكية لا تُتَصَوَّرُ إلا في موضعين:
الأول: في أذان المغرب؛ فليس له عندهم إلا مؤذن واحد؛ لأنه ليس له إلا وقت واحد، ووقت المغرب وامتداده إلى غياب الشفق موضع نزاع بين الفقهاء.
الموضع الثاني: إذا أمكن ترتيبهم، وتنازعوا في المؤذن الأول، ويسمونه (أمين الوقت) يعني الذي يعتمد عليه في دخول الوقت، والإمساك والصيام، فإذا تعين بالقرعة عند التزاحم كان أحق من غيره، بحيث يكون أول المؤذنين، ثم بعد ذلك يؤذن من يشاء بلا حَجْرٍ.
قال ابن حبيب: «رأيت في المدينة ثلاثة عشر مؤذنًا، وكذلك بمكة يؤذنون معًا في أركان المسجد، كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، فأما المسجد الكبير فيجوز أن يؤذن في كل ناحية رجل يُسْمِعُ من يليه؛ لأن كل جماعة يحتاجون للإعلام، وأما
_________________
(١) مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٣)، القواعد لابن رجب (ص: ٣٤٩).
(٢) المجموع (٣/ ٨٠)، فتح العزيز (٣/ ٢٠٠)، طرح التثريب (٢/ ٢١٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٥٨)، التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٦/ ٣٤٢)، المهذب (١/ ١٠٧)، البيان للعمراني (٢/ ٦٩)، أسنى المطالب (١/ ١٣٢).
(٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٢)، المهذب (١/ ١٠٧).
[ ٢ / ٢٥ ]
الصغير فتوالي الأذان فيه أبلغ من جمعه بحسب الوقت» (^١).
القول الثاني:
ذهب الحنفية إلى أن القرعة ليست حجة لإثبات حق بعض المؤذنين، وإبطال حق بعضهم، وإنما هي لدفع التهمة، كإقراع المسافر بين نسائه؛ لإخراج من يسافر بها منهن دفعًا لتهمة الميل عن نفسه، وإن كان له أن يسافر بمن شاء (^٢).
وقال العيني في نخب الأفكار: «القرعة إذا أريد بها تطييب القلوب، ودفع التهمة كان ذلك حسنًا، ونحن نقول به أيضًا، وإذا أريد بها وجوب حكم، أو قطع حق فلا نقول بها حينئذٍ؛ لأن هذا إنما كان، ثم نُسِخَ، فافهم» (^٣).
وقال ابن الهمام: وحديث القرعة كان في ابتداء الإسلام وقت إباحة القمار، ثم نسخ بحرمة القمار (^٤).
وإذا كان الحنفية لا يرون حجية القرعة ينظر في قولهم في مسألة التنازع في الأذان.
* ويناقش:
لا يصح دعوى نسخ القرعة بتحريم القمار، فإن هناك فرقًا بين القرعة المشروعة، والقمار المحرم.
وقد ذكر المُعَلِّمِي في التنكيل: أربع صور للقرعة
الصورة الأولى: أن يقصد بها إبطال حق صاحب الحق، وجعله لمن لا يحق له، كأن يقول الرجل لصاحبه: أَلْقِ خاتمك، وألقي خاتمي، ونقترع عليهما، فأينا خرج سهمه استحق الخاتمين، أو يقول أحدهما: أقارعك على خاتمي هذا، فإن خرج سهمك أخذته أنت، أو يتداعيا دارًا في يدهما، فيقال: أقرعوا بينهما، فإن خرج سهم المدعي أخذ الدار.
الصورة الثانية: أن يتنازعا حقًّا أن يكون لهما معًا، ولا دليل يرجح جانب
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٢/ ٥٠).
(٢) جاء في فيض القدير (٧/ ١٥): والمشهور عن أبي حنيفة إبطالها. فيض الباري شرح البخاري (٢/ ٢١٥)، النتف للفتاوى للسغدي (٢/ ٦٢٠)، المبسوط (٥/ ٢١٩)، بدائع الصنائع (٢/ ٣٣٣).
(٣) نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (١٦/ ١٩٤).
(٤) فتح القدير (٨/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٢٦ ]
أحدهما، كأن يتنازعا دارًا بيدهما معًا، ولا دليل لأحدهما، وحلف كل منهما أنها جميعها له ليس لصاحبه منها شيء.
فالصورة الأولى لا نزاع أن القرعة إذا استعملت فيها فهي قمار، وكذلك الصورة الثانية.
الصورة الثالثة: أن يختص الحق بأحدهما بعينه، ويتعذر تعيينه، كمن طلق بائنًا إحدى امرأتيه، وتعذر تعيينها، فاستعمال القرعة في مثل هذه الصورة فيها نظر، وقد قال بعض الأئمة بصحة القرعة فيها.
الصورة الرابعة: أن يكون الحق في الأصل ثابتًا لكل منهما، لكن اقتضى الدليل أن يخص به أحدهما لا بعينه.
فهذا هو مورد القرعة، والفرق بينه وبين الصور السابقة بغاية الوضوح، فإنه إذا اقتضى الدليل أن يخص به أحدهما لا بعينه، فما بقي إلا طلب طريق للتعيين، لا ميل فيه، ولا حيف، فإذا ظفرنا بطريق كذلك لم يكن فيه إبطال حق ثابت، ولا إثبات حق باطل، فما هو هذا الطريق؟ من كانت له امرأتان، واحتاج إلى السفر، واستصحاب إحداهما فقط، فقد ثبت بالدليل باعتراف أبي حنيفة أن له ذلك، وبقي التعيين، ومن مات عن ابنين، فقسم القاضي المال نصفين، فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أنه ينبغي تخصيص أحدهما بأحد النصفين، والآخر بالآخر، وبقي التعيين، فأبو حنيفة يقول: يعين الزوج والقاضي، ومخالفوه يقولون: الزوج والقاضي منهيان عن الميل وعن كل ما يظهر منه الميل، ولا ريب أن تعيينهما برأيهما ميل، أو يظهر منه الميل والأصل في ذلك التحريم، فإباحته لهما مخالف للأصول والقياس، وفتح لباب الهوى، ومنافٍ للحكمة، وإذا عين الزوج برأيه إحدى امرأتيه ظنت الأخرى أنه إنما عينها ميلًا إلى هواه، فأحزنها ذلك، وأدى ذلك إلى مفاسد، وإذا عين القاضي أحد النصفين لزيد، وكان بكر يريده ظن بكر أن القاضي إنما مال مع هواه، وساءت ظنون الناس بالقاضي، وجر ذلك إلى مفاسد، فلا مخلص إلا بالقول بالقرعة (^١).
_________________
(١) انظر تأنيب التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (٢/ ٩٤٢).
[ ٢ / ٢٧ ]
القول الثالث:
يقدم من يختاره جيران المسجد أو أكثرهم، فإن تساووا أقرع بينهم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).
* وأما الحجة في تقديم اختيار الجيران على القرعة:
فقد بنوا حكمهم هذا بالقياس على الإمامة، فإنهم لو تَشَاحُّوا في الإمامة، وتساووا في الصفات، ورضي الجيران أحدهما، قدم على الآخر، ولا يذهبان إلى القرعة؛ لأن ذلك أقرب لرضاهم، وانتظام أمرهم، فكذلك الأذان.
* وأما الحجة في تقديم أحدهما بالقرعة، ولا يشرع ترتبهما:
(ح-١٨٧) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن سُمَيِّ، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ -قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه (^٢).
فلو كان السبيل أن يؤذنوا واحدًا بعد واحد لكان ذكر الاستهام في الحديث لغوًا لا فائدة منه.
وقال ابن عبد البر: هذا موضع لا أعرف فيه سنة ثابتة، ولا قولًا صحيحًا يعني الاستهام في الأذان عند التشَاحِّ.
وأما حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). متفق عليه. فالهاء في قوله: (عليه) عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وحق الكلام أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، ولا يرد إلى غير ذلك إلا بدليل (^٣).
* ورد هذا:
لو قيل الضمير يرجع إلى أقرب مذكور لم يكن هناك أي فائدة من ذكر الأذان
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٨٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٠٨)، المغني (١/ ٣١١)، كشاف القناع (١/ ٢٣٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٧٩)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١١٤).
(٢) صحيح البخاري (٦١٥)، وصحيح مسلم (٤٣٧).
(٣) الاستذكار (١/ ٣٧٨).
[ ٢ / ٢٨ ]
في الحديث، وأصبح ذكر الأذان لغوًا لا فائدة منه، بل الضمير يعود إلى جميع ما ذكر، وهو طريقة عربية، قال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، واسم الإشارة (ذا) للمفرد، وهو عائد إلى جميع ما ذكر.
وذكر القاضي عياض في إكمال المُعْلِم في شرح مسلم أن ذكر الاستهام ليس على الحقيقة، وإنما هو على المجاز والتمثيل؛ لأنه لو كان لهما جميعًا لقال في الحديث: ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما .. (^١). وسبق الجواب عنه.
القول الرابع:
إذا استووا في الأذان وفي الصلاح قدم أعمرهم للمسجد، وأتمهم له مراعاة، وأقدمهم تأذينًا. وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).
* الراجح:
أرى أن القرعة إنما يصار إليها عند التعذر، ولا تعذر عند التساوي في الأذان، فإنه يمكنهم أن يتناوبوا على الأذان، سواء أكانت القسمة بالمواقيت، كان يؤذن بعضهم وقت الفجر، والآخر وقت الظهر، وهكذا، أم يقسم عليهم بحسب الأيام، كأن يؤذن أحدهما أسبوعًا أو شهرًا، والآخر بعده مثله، وهكذا كل منهم يأخذ نصيبًا من فضل الأذان.
قال صاحب الإنصاف نقلًا من المبهج: «وإن تشاحَّ اثنان في الأذان، أذن أحدهما بعد الآخر، ولم يزد عليه. والله أعلم» (^٣).
وتبقى القرعة فيما لو تنازعا من الأول، والله أعلم.
_________________
(١) إكمال المعلم (٢/ ٣٤٩).
(٢) الإنصاف (١/ ٤١٢)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١١٣)، شرح العمدة لابن تيمية من أول كتاب الصلاة إلى آخر آداب المشي إلى الصلاة (ص: ١٤١).
(٣) الإنصاف (١/ ٤١٢).
[ ٢ / ٢٩ ]