المدخل إلى المسألة
* الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة.
* الأذان للصلوات المجموعة، كالأذان للصلوات الفائتة.
* الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها.
[م-٨٤] لم يختلف الفقهاء في أن المشروع للحاج أن يجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة على خلاف بينهم، هل هذا الجمع من أحكام المناسك، أو من رخص السفر؟
واختلفوا في صفة الأذان والإقامة لهما على أقوال:
فقيل: يؤذن ويقيم للأولى فقط، وهو مذهب الحنيفة (^١).
وقيل: يجمع الإمام بأذانين، وإقامتين، ولغيره إقامة لكل صلاة، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٢).
وقيل: يجمع بأذان واحد وإقامتين، وهو قول زفر والطحاوي من الحنفية، وبعض المالكية، والقول القديم للشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٥٢)، المبسوط (٤/ ٦٢)، تبيين الحقائق (٢/ ٢٧)، البحر الرائق (٢/ ٣٦٦).
(٢) المدونة (١/ ٦١)، الاستذكار (٤/ ٣٣١)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٩)، الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي (٢/ ٤٤).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ١٥٢)، تبيين الحقائق (٢/ ٢٧)، شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ٢١٤)، مواهب الجليل (١/ ١٦٨ - ١٦٩)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٧)، البيان للعمراني (٢/ ٦١)، أسنى المطالب (١/ ١٢٦)، المهذب (١/ ٥٥)، المجموع (٣/ ٩٤)، كشاف القناع (١/ ٢٤٤)، الإنصاف (١/ ٤٢٢)، الإقناع (١/ ٨٠)، المستوعب (٤/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٥٩ ]
وقيل: يجمع بإقامتين دون أذان، وهو قول في مذهب المالكية، والجديد من مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^١).
وقيل: يصلي بإقامة واحدة بلا أذان، وهو قول عند الحنابلة (^٢).
وقيل: إن كان يرجو اجتماع الناس صلى بأذان وإقامتين، وإلا صلى بإقامتين بلا أذان، وهو وجه عند الشافعية (^٣).
* حجة من قال: يؤذن ويقيم للأولى فقط:
(ث-٥٠) ما رواه أبو داود من طريق أبي الأحوص، حدثنا أشعث بن سليم،
عن أبيه، قال:
أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل، حتى أتينا المزدلفة، فأذن، وأقام، أو أمر إنسانًا فأذن، وأقام، فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا، فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه.
قال: وأخبرني عِلَاجُ بن عمرو بمثل حديث أَبِي، عن ابن عمر، قال: فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: صليت مع رسول الله ﷺ -هكذا (^٤).
_________________
(١) مختصر المزني (ص: ١٢)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٧ - ٤٨)، روضة الطالبين (١/ ١٩٨)، الوسيط (٢/ ٤٧)، فتح العزيز شرح الوجيز (٣/ ١٥٦). صفة الأذان والإقامة في جمع مزدلفة كصفته في جمع التأخير، وقد قال الشيرازي في المهذب (١/ ٥٥): «وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين؛ لأن الأولى قد فات وقتها، والثانية تابعة لها». وقد بين حكم الأذان للفوائت فيما سبق، فقال الشيرازي في المهذب (١/ ٥٥): «وهل يسن للفوائت؟ فيه ثلاثة أقوال: قال في الأم: يقيم لها ولا يؤذن وقال في القديم: يؤذن ويقيم للأولى وحدها ويقيم للتي بعدها وقال في الإملاء: إن أمل اجتماع الناس أذن، وأقام، وإن لم يؤمل أقام». وانظر رواية الحنابلة في كتاب الإنصاف (١/ ٤٢٢).
(٢) الإنصاف (١/ ٤٢٢)، المغني (١/ ٢٥١)، المستوعب (٤/ ٢٣٥).
(٣) المهذب (١/ ٥٥).
(٤) سنن أبي داود (١٩٣٣).
[ ٢ / ٦٠ ]
[إسناد أشعث عن أبيه رجاله ثقات، وأما إسناده الآخر ففيه علاج بن عمرو، وفيه جهالة، وهو صالح في المتابعات].
* ويجاب:
دلت هذه الرواية من فعل ابن عمر على مشروعية الأذان للصلاة المجموعة في مزدلفة، وهو صحيح، وقد جاء ذلك مرفوعًا من حديث جابر في مسلم.
وأما الإقامة للصلاة الثانية، فالحديث لم يذكرها، فإما أن نعتبر سكوته عنها ليس نفيًا لها، وقد جاء ذكر الإقامة محفوظًا للصلاة الثانية من حديث ابن عمر نفسه مرفوعًا، ولا يظن بابن عمر ﵄ أن يخالف ما روى.
وإما أن نعتبر سكوته عنها نفيًا لها، فيكون الحجة في رواية ابن عمر المرفوعة؛ لأن الموقوف لا يعارض به المرفوع.
(ح-٢٠٧) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (^١).
فرواية الأشعث عن أبيه، أثبتت الأذان للصلاة الأولى من المجموعتين من فعل ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه.
ورواية سالم، عن أبيه مرفوعًا أثبتت الإقامة لكل صلاة، ومجموعهما يدل على أن السنة الأذان للأولى، والإقامة لكل صلاة، وهذا هو الموافق لرواية جابر ﵁ في مسلم، وكل رواية تخالف ذلك فهي إما شاذة أو منكرة.
* حجة من قال: يجمع الإمام بأذانين وإقامتين، وغيره بإقامة لكل صلاة.
قد ذكرنا أدلتهم في الجمع بعرفة، في الباب الرابع، وهم لا يفرقون بين الجمع بعرفة ومزدلفة، وبين الجمع بغيرهما؛ لأن الجمع من رخص السفر.
* حجة من قال: يجمع بأذان واحد وإقامتين:
الدليل الأول:
(ح-٢٠٨) ما رواه مسلم من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ،
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٧٣)، ورواه مسلم بنحوه (١٢٨٨).
[ ٢ / ٦١ ]
وفيه: أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا (^١).
ومعلوم أن جابرًا ﵁ من أكثر الصحابة ضبطًا لحج النبي ﷺ -حتى اشتمل حديثه على صفة حج النبي ﷺ -من حين انطلاقه من المدينة إلى حين رجوعه ﵊ إليها.
الدليل الثاني:
(ث-٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن مسعر،
عن عبد الكريم قال: صليت خلف سالم المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين، فلقيت نافعًا فقلت له: هكذا كان يصنع عبد الله؟ قال: هكذا، فلقيت عطاء فقلت: قد كنت أقول لهم: لا صلاة إلا بإقامة (^٢).
[رواه ابن أبي شيبة عن أبي نعيم بذكر الأذان، وهو مخالف لما في كتاب أبي نعيم نفسه في كتاب الصلاة، ولولا هذه المخالفة لأمكن أن يقال: إن عبد الكريم ابن أبي المخارق وإن كان ضعيفًا إلا أنه يذكر واقعة حدثت له، فلا يدخلها ما يدخل الرواية التي تعتمد على الضبط] (^٣).
* حجة من قال: يجمع بإقامتين دون أذان:
(ح-٢٠٩) روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع،
_________________
(١) صحيح مسلم (١٤٧ - ١٢١٨).
(٢) المصنف (١٤٠٥٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة عن أبي نعيم الفضل بن دكين بذكر الأذان، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن حزم في المحلى (٥/ ١٢٤). وهو مخالف لما في كتاب أبي نعيم في كتاب الصلاة (٢٧٥) حدثنا مسعر، عن عبد الكريم البصري، قال: صليت خلف سالم بجمع المغرب، والعشاء بإقامتين. حدثنا مسعر، عن عبد الكريم، قال: لقيت نافعًا فقلت له: كيف كان عبد الله يصنع؟ قال: هكذا، فإما أن يكون هذا الخطأ من عبد الكريم؛ لأنه أضعف رجل في الإسناد، أو يكون ابن أبي شيبة قد أخطأ بذكر الأذان، والأول أقرب، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٢ ]
كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (^١).
(ح-٢١٠) وروى البخاري من طريق كريب،
عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى ولم يُصَلِّ بينهما (^٢).
سبق الجواب عنه، وأن الحديث لم يَنْفِ الأذان، وإنما سكت عنه، ومن روى الأذان كجابر في صحيح مسلم مقدم على هذا؛ لأن المُثْبِت مُقَدَّمٌ على النافي فكيف بالساكت، وقد تضمن زيادة علم، فوجب المصير إليه.
* دليل من قال: يجمع في مزدلفة بإقامة واحدة بلا أذان:
الدليل الأول:
(ح-٢١١) بما رواه مسلم في صحيحه من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (^٣).
ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعًا، فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ -في هذا المكان (^٤).
وقد سبق الجواب عنه في المسألة التي قبل هذه.
الدليل الثاني:
روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: صلى رسول الله ﷺ -بالمزدلفة
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٧٣)، ورواه مسلم بنحوه (١٢٨٨).
(٢) صحيح البخاري (١٦٧٢)، وصحيح مسلم (١٢٨٠).
(٣) صحيح مسلم (٢٩٠ - ١٢٨٨).
(٤) صحيح مسلم (٢٩١ - ١٢٨٨).
[ ٢ / ٦٣ ]
المغرب والعشاء بإقامة.
[ذكر الإقامة منكر] (^١).
الدليل الثالث:
لا يشرع الأذان لهما؛ لأن الأولى منهما في غير وقتها، فأشبهت الفائتة، والثانية منها مبسوقة بصلاة فلا يشرع لها الأذان كالثانية من الفوائت، ذكره ابن قدامة (^٢).
* ويجاب:
بأن هذا نظر مخالف للنص في المسألتين:
أما المسألة الأولى: وهو الجمع في مزدلفة، فحديث جابر نَصٌّ في المسألة، وقد حفظ لنا فيها أذانًا وإقامتين.
وأما المسألة الثانية: وهي قياس الصلاة الثانية على الصلاة الفائتة ففيه مخالفة من وجهين:
الوجه الأول: أن الصلاة الثانية أداء، وليست فائتة.
الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ -قد حفظ عنه الأذان للفائتة كما مر معنا في مبحث مستقل، ولله الحمد.
* حجة من قال: يؤذن إن كان يرجو جماعة، وإلا صلى بإقامتين:
كأن هذا القول نظر إلى المقصود من الأذان وهو دعاء الناس إلى الاجتماع للصلاة، فإذا كان لا يأمل حضور أحد إليها فلا يؤذن، بخلاف الإقامة فهي إعلام
_________________
(١) رواه ابن أبي ليلى كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٤٠٥١). وهو سيئ الحفظ. وجابر الجعفي كما في مسند أحمد (٥/ ٤٢١). وقيس بن الربيع، قال أخبرنا غيلان، كما في شرح معاني الآثار (٢/ ٢١٣)، ثلاثتهم، عن عدي بن ثابت به. وابن أبي ليلى، وجابر الجعفي وقيس بن الربيع متكلم فيهم. وذكر الإقامة منكر، مخالف لرواية الصحيحين فقد رواه البخاري (١٦٧٤)، ومسلم (٢٨٥ - ١٢٨٧)، من طريق يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت به، وليس فيه ذكر الإقامة. كما أن هذا الحديث مخالف لحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ، وهي حادثة واحدة.
(٢) المغني (١/ ٣٠٥).
[ ٢ / ٦٤ ]
بالقيام إليها، وهي موجهة للحاضرين فناسب أن يقيم لكل واحدة منهما.
وهذا القول ضعيف؛ لأن المنفرد يشرع له الأذان، ولو كان لا يرجو أحدًا، وكذلك المسافر المنفرد.
* الراجح:
أرى أن الآثار عن ابن عمر مضطربة، وأن جابرًا ﵁ قد حفظ لنا صفة حج النبي ﷺ، ولم يختلف عليه في أن الرسول ﷺ -جمع بمزدلفة بأذان وإقامتين كما فعل في عرفة، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٥ ]