المدخل إلى المسألة:
* كل عبادة وجد سببها على عهد النبي، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فإن فعلها محدث.
* الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.
* لم يرد الأذان المعروف لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة إلا ما كان قبل الصبح.
[م-٩٥] أجمع العلماء على أنه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء.
قال ابن بطال: «لا خلاف بين العلماء أنه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء» (^١).
وقال ابن قدامة: «ولا يسن لها أذان، ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافًا» (^٢).
(ح-٢٤٤) وأما ما رواه الإمام أحمد، من طريق وهب بن جرير، قال حدثنا أبي، قال: سمعت النعمان، يحدث عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أنه قال: خرج نبي الله يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة الحديث (^٣).
[فنفي الأذان والإقامة في هذا الحديث منكر] (^٤).
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ١٦)، ونقله الحافظ في الفتح (٢/ ٥١٤).
(٢) المغني (٢/ ١٤٩).
(٣) المسند (٢/ ٣٢٦).
(٤) اختلف فيه على الزهري: فرواه النعمان بن راشد، وهو ضعيف كما في سنن ابن ماجه (١٢٦٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٤٠٩، ١٤٢٢)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢٥)، والبيهقي (٣/ ٣٤٧) من طريق النعمان بن راشد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. قال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: النعمان بن راشد ضعيف الحديث. قلت ليحيى: ضعيف فيما روى عن الزهري وحده؟ قال: عن الزهري، وعن غير الزهري، هو ضعيف الحديث. سؤالات ابن الجنيد (٧٤٢). وقال النسائي في السنن الكبرى (٢٨٦٩) النعمان بن راشد ضعيف، كثير الخطأ عن الزهري. اه ومع ضعفه فقد خالفه أصحاب الزهري، فرواه شعيب، كما في صحيح البخاري (١٠٢٣)، وأكتفي بالبخاري عن غيره. وابن أبي ذئب كما في صحيح البخاري (١٠٢٤)، وأكتفي به عن غيره. ويونس، كما في صحيح مسلم (٤ - ٨٩٤)، وأكتفي بالصحيح عن غيره. ومعمر، كما في مصنف عبد الرزاق (٤٨٨٩)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٤/ ٣٩)، وأبو داود (١١٦١)، والترمذي (٥٥٦)، وابن الجارود في المنتقى (٢٥٥)، والدارقطني في السنن (٢/ ٦٧). ورواه أبو داود (١١٦٣) عن محمد بن الوليد الزبيدي، كلهم رووه عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه، قال الدارقطني في العلل (٩/ ٩٤ - ٩٥): وهو الصواب. قلت: ليس في حديث عباد بن تميم نفي أو ذكر للأذان والإقامة موضع الشاهد. وقد تابع عبد الله بن أبي بكر وغيره الزهري، فرواه البخاري (١٠٠٥، ١٠٢٧)، ومسلم (٨٩٤) عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد به، وليس فيه ذكر للأذان والإقامة.
[ ٢ / ١٣٣ ]
[م-٩٦] واختلفوا هل يستحب النداء لصلاة الاستسقاء بالصلاة جامعة؟
فقيل: لا يشرع النداء بالصلاة جامعة، وهو مذهب الحنفية، ورواية في مذهب الحنابلة رجحها ابن تيمية.
وهو قول المالكية، في العيدين والظاهر أن قولهم في الاستسقاء كالقول في العيدين (^١).
_________________
(١) ذهب الحنفية إلى أنه ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحدانًا جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء. وعليه فلا ينادى لها، انظر الهداية في شرح البداية (١/ ٨٧)، تبيين الحقائق (١/ ٢٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٨٣)، المبسوط (٢/ ٧٨)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٩)، القوانين الفقهية (ص: ٦٠)، النوادر والزيادات (١/ ٥١٢)، مواهب الجليل (٢/ ١٩١)، حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير (١/ ٣٩٦)، الإنصاف (١/ ٤٢٨)، الاختيارات الفقهية (ص: ٥٩).
[ ٢ / ١٣٤ ]
وقيل: يستحب النداء للاستسقاء بالصلاة جامعة، وهذا مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).
* حجة من قال: لا يستحب:
عدم الدليل، والأصل في العبادات التوقيف، ولم يثبت أن النبي دعا لصلاة الاستسقاء بالصلاة جامعة.
(ح-٢٤٥) وقد روى البخاري ومسلم من طريق القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (^٢).
* حجة من قال بالاستحباب:
الدليل الأول:
قال الشافعي: قال الزهري: وكان رسول الله ﷺ يأمر في العيدين المؤذن فيقول: الصلاة جامعة (^٣).
[مرسل، وهو ضعيف].
وجه الاستدلال:
قياس الاستسقاء على العيدين.
الدليل الثاني:
أن صلاة الاستسقاء لا أذان لها ولا إقامة بالاتفاق، وكل صلاة تشرع لها الجماعة بلا أذان، ولا إقامة فإنه ينادى لها بالصلاة جامعة، أو الصلاة، حتى يجتمع الناس، ومنها صلاة الاستسقاء.
_________________
(١) روضة الطالبين (٢/ ٩٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٤)، نهاية المحتاج (٢/ ٤٠٨)، الحاوي الكبير (٢/ ٥١٧)، المهذب (١/ ١٢٤)، كشاف القناع (٢/ ٧٣)، المغني (٢/ ١٤٩)، الإنصاف (١/ ٤٢٨)، المبدع (٢/ ٢١٠).
(٢) صحيح البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٣) معرفة السنن والآثار (٥/ ٦٤).
[ ٢ / ١٣٥ ]
* ويناقش:
بأن صلاة الاستسقاء قد فعلت على عهد رسول الله ﷺ، ولم يُنَاد لها بالصلاة جامعة، وكل عبادة قد وجد سببها في عهد التشريع، وكان بالإمكان فعلها، ولم تفعل ففعلها بدعة، وحَدَثٌ في الدين.
الدليل الثالث:
القياس على صلاة الكسوف، فقد ثبت في صلاة الكسوف أنه نودي لها بالصلاة جامعة كما في الصحيحين، وسبق ذكر هذه المسألة.
* ويجاب عن هذا بوجهين:
الوجه الأول:
يناقش هذا الدليل بما نوقش به الدليل الثاني.
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين الكسوف والاستسقاء، بأن الكسوف يحدث على غفلة، والناس غير مجتمعين للصلاة، بخلاف الاستسقاء، فإنها معلومة، والناس يتأهبون لها؛ بعد أن يكون الإمام قد دعاهم إلى الخروج إليها، والله أعلم.
* الراجح:
أنه لا يشرع النداء لصلاة الاستسقاء بأي نوع من أنواع النداء.
[ ٢ / ١٣٦ ]