المدخل إلى المسألة:
* الرزق من بيت المال ليس معاوضة، بل هو إعانة على الطاعة.
* يجوز الرزق على الوظيفة حيث تمتنع الأجرة.
* لا يختلف العلماء في جواز أخذ الرزق على القضاء، والأذان مثله.
* إذا جاز للمؤذن أن يأخذ ما يدفع له من غير اشتراط جاز له أخذ الرزق.
* إذا جاز لعامل الزكاة أخذ المال على عمله جاز للمؤذن كذلك، ولا فرق.
[م-٧٤] نص الشافعية والحنابلة على أنه إذا وجد متطوع فلا يجوز للإمام أن يدفع له رزقًا من بيت المال؛ لأن الولي يتصرف نيابة عن عامة المسلمين، وتصرفه بالإجماع مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة في دفع مال من بيت المال مع وجود من يتطوع بالأذان (^١).
أما إذا لم يوجد متطوع، فهل يجوز أن يُدْفَع رزقٌ من بيت المال لمن يتولى الأذان؟
وللجواب نقول: أما من قال بجواز دفع الأجرة للمؤذن من بيت المال فلن يمنع من دفع الرزق من باب أولى، لأنه إذا جازت الأجرة، وهي عقد معاوضة جاز الرزق من باب أولى، وهو معروف وإحسان، وليس عقدًا.
وقد سبق لنا في المسألة السابقة أن مذهب الشافعية والمالكية على جواز دفع
_________________
(١) الحاوي الكبير (٢/ ٥٩)، حاشية الجمل (١/ ٣٠٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧)، المغني (١/ ٣٠١)، الإنصاف (١/ ٤٠٩).
[ ٢ / ٨ ]
الأجرة على الأذان، وبه يقول المتأخرون من الحنفية، وعليه الفتوى عندهم (^١).
وأجاز ابن تيمية أخذ الأجرة مع الحاجة، ومنعها مع الغنى.
وأما من قال بتحريم الأجرة على الأذان، كالمتقدمين من الحنفية، والحنابلة، فهل يختلف الحكم عندهم في أخذ المؤذن الرزق من بيت مال المسلمين؟
فقيل: يجوز الرزق مطلقًا، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).
وقال الحنفية: إن عرف القوم حاجته، فأعطوه شيئًا جاز أخذه من غير شرط (^٣).
ونسب الماوردي الشافعي إلى أبي حنيفة القول بالمنع، ولم أقف عليه في كتب الحنفية (^٤).
ولو صح ما نسب لأبي حنيفة فربما يحمل على حال الغنى، فمع الحاجة يجوز أخذ الرزق بالاتفاق.
وقد تكلم الحنفية في رزق القاضي مع الغنى، فحكوا فيه قولين في الأفضل، أصحهما القول بالأخذ، وقيل: الأفضل تركه؛ لأن الرزق مقدر بالكفاية (^٥).
والمؤذن مقيس عليه بجامع أن كلًّا منهما يقوم بمصلحة عامة للمسلمين، ولا يجوز أخذ العوض عليهما عند الحنفية.
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٤/ ٢٢٠، ٢٢١، ٤١٧)، المدونة (٣/ ٤٣٢)، الذخيرة (٢/ ٦٦)، التوضيح شرج الجامع الصحيح (١٥/ ٨٧).
(٢) البناية شرح الهداية (١٠/ ٢٧٧)، حاشية ابن عابدين (٤/ ٢٢١)، نخب الأفكار شرح معاني الآثار (١٦/ ٣٦٣)، منحة الملوك (ص: ٩٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٦)، الفروق للقرافي (٣/ ٣، ٤).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ١٥٢)، المبسوط (١/ ١٤٠).
(٤) جاء في الأحكام السلطانية (ص: ١٢٩): ويجوز أن يأخذ هذا الإمام ومؤذونه رزقًا على الإمامة والأذان من بيت المال من سهم المصالح، ومنع أبو حنيفة من ذلك». وقال في الحاوي (٢/ ٦١): «فإن لم يجد متطوعًا بالأذان فلا بأس أن يعطي عليه رزقًا، ومنع أبو حنيفة منه».
(٥) حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٨٩)، البحر الرائق (٨/ ٢٣٧)، البناية على الهداية (١٢/ ٢٧٥)، تبيين الحقائق (٦/ ٣٣)، المبسوط (١٦/ ١٠٢).
[ ٢ / ٩ ]
[م-٧٥] واختلفوا من أي سهم يُرْزَق المؤذن؟:
فقال ابن قدامة: «يرزقه الإمام من الفيء؛ لأنه المعد للمصالح، فهو كأرزاق القضاة، والغزاة» (^١).
وقال الشافعي: يرزق من خمس الخمس سهم النبي ﷺ -ولا يرزق من غيره من الفيء، ولا من الصدقات؛ لأن لكلٍّ مالكًا موصوفًا، وبه قال أصبغ من المالكية (^٢).
قال الماوردي: «رزق المؤذن، والإمام، والقاضي يكون من أموال المصالح، والمال المعد للمصالح هو خمس الخمس من الفيء، والمغانم، سهم النبي ﷺ، فإنه مُرْصَدٌ لمصالح المسلمين العامة، فأما أربعة أخماس الغنيمة، فلا يجوز أن يعطوا منها؛ لأنها مال الغانمين، وأما أربعة أخماس الفيء، فعلى قولين:
أحدهما: أنها للجيش خاصة، فلا يجوز أن تصرف في غيرهم.
والثاني: أنها لمصالح المسلمين العامة، فعلى هذا القول يجوز أن تصرف في أرزاق المؤذنين، والأئمة، والقضاة، وأما أموال الزكاة، والكفارات فذلك لمستحقيها من الفقراء، وأهل السهم المذكورين لها لا يجوز أن تصرف في غيرهم» (^٣).
إذا علم ذلك ننتقل بحول الله إلى عرض الأدلة، فإن الأقوال بلا حجة، لا نور لها.
* الأدلة على جواز دفع الرزق مطلقًا حتى مع الغنى:
الدليل الأول:
الإجماع على جواز أخذ الرزق على الأذان، قال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه» (^٤).
وقال القرافي: «الأرزاق مجمع على جوازها؛ لأنها إحسان، ومعروف، وإعانة
_________________
(١) المغني (١/ ٣٠١).
(٢) مواهب الجليل (٦/ ١٢٠)، الحاوي الكبير (٢/ ٦٠).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٦٠).
(٤) المغني (١/ ٣٠١).
[ ٢ / ١٠ ]
لا إجارة، وإنما وقع الخلاف في الإجارة؛ لأنها عقد مُكَايَسَةٍ، وَمُغَابَنَةٍ، فهي من باب المعاوضات التي لا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد، فإن المعاوضة إنما شرعت لينتفع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له، وأجر الصلاة له، فلو أخذ العوض عنها لاجتمع له العوضان، والأرزاق ليس بمعاوضة الْبَتَّة؛ لجوازه في أضيق المواضع المانعة من المعاوضة، وهو القضاء، والحكم بين الناس» (^١).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٦) ما رواه أحمد عن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله ابن محيريز أخبره - وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حتى جهزه إلى الشام، قال: فقلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك،
فأخبرني أن أبا محذورة، قال له: نعم خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله بالصلاة عند رسول الله، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه، ونستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ -الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إلي، وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت، ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى إلي رسول الله ﷺ -التأذين هو نفسه، فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر … وذكر الأذان بالترجيع، وقال: ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة … الحديث.
[انفرد عبد العزيز بن عبد الملك في ذكر صرة الفضة، وأخشى ألا يكون ذلك محفوظًا] (^٢).
_________________
(١) الفروق للقرافي (٣/ ٤).
(٢) حديث ابن محيريز رواه عنه ثلاثة: مكحول، وعبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن عبد الملك، وانفرد عبد العزيز بذكر صرة الفضة، ولم يذكرها غيره. فرواه مسلم (٧٧١) وغيره من طريق مكحول. ورواه أبو داود (٥٠٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٦٠٧٩) من طريق عبد الملك بن أبي محذورة، كلاهما عن عبد الله بن محيريز، ولم يذكرا صرة الفضة، وقد سبق تخريج الحديث في باب صفة الأذان، ح (٢٩، ٣٠، ٣١)، فارجع إليه إن شئت.
[ ٢ / ١١ ]
قال اليعمري نقلًا من نيل الأوطار: «ولا دليل فيه لوجهين:
الأول: أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم؛ لأنه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي، فحديث عثمان متأخر.
الثاني: أنها واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف؛ لحداثة عهده بالإسلام، كما أعطى حينئذٍ غيره من المؤلفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال» (^١).
* ويجاب عن هذا:
الأول: بأن ما يعطيه الإمام ليس من قبيل الأجرة، بل هو رزق، فلا حاجة للبحث عن التاريخ بينه وبين حديث عثمان بن أبي العاص، والذي أمره النبي ﷺ -بأن يتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا.
الثاني: على التسليم بأنه أجرة، فقد قال الشوكاني: أنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال: إن الأجرة إنما تحرم إذا كانت مشروطة، لا إذا أعطيها بغير مسألة (^٢).
الدليل الثالث:
القياس على أرزاق القضاة والغزاة، وهو مجمع عليها.
الدليل الرابع:
القياس على عامل الزكاة والخراج، فإنه يجوز له أخذ الرزق مع الغنى.
الدليل الخامس:
أن الحاجة داعية إليه، فإذا لم يوجد متطوع تعطلت المصلحة.
_________________
(١) نيل الأوطار (٢/ ٧٠)، وانظر تحفة الأحوذي (١/ ٥٢٧).
(٢) نيل الأوطار (٢/ ٧٠).
[ ٢ / ١٢ ]
الدليل السادس:
(ث-٤٤) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الأسلمي بن محمد، عن إسحاق بن محمد،
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: أول من رزق المؤذنين عثمان (^١).
[ضعيف جدًّا، الأسلمي متروك] (^٢).
* وجه من قال: الأفضل عدم الأخذ إلا لحاجة.
الوجه الأول:
من أجل أن يبقى مال في بيت المال للمصالح الأخرى، ولا يضيق عليهم الصرف.
الوجه الثاني:
القياس على ولي اليتيم، فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى، وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر، فالمؤذن فرع متردد بين أصلين: عامل الزكاة، وناظر اليتيم.
قال عمر بن الخطاب ﵁: «إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم، إن احتاج أكل بالمعروف، وإن استغنى ترك» (^٣).
فإذا كان هذا في الخليفة، فنائبه بمنزلته.
والراجح جواز أخذ الرزق مطلقًا، والله أعلم.
_________________
(١) المصنف (١٨٥٧).
(٢) قال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي في المعرفة، والسنن الكبرى: قد رزقهم إمام هدى عثمان ابن عفان ﵁. فالشافعي كان حسن الرأي في إبراهيم بن يحيى، وكان إذا قيل له في روايته عنه يقول: لأن يخر إبراهيم من بعد أحب إليه من أن يكذب. وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة على شدة ضعفه لم يدرك عثمان، وإنما كان والده عبد الله مولى لعثمان بن عفان، وقد أعتقه.
(٣) انظر بدائع الفوائد (٣/ ١٤٦).
[ ٢ / ١٣ ]