المدخل إلى المسألة:
• لا يجب الأذان قبل وجوب الصلاة.
• الأذان قبل الوقت في الفجر ليس حقًّا للوقت؛ لأنه لم يدخل بعد، ولا حقًّا للصلاة؛ لأنها لم تجب بعد، فلا يغني عن الأذان المشروع حقًّا للوقت والصلاة.
• الأذان تارةً يكون للتأهب لفعلها كالأذان قبل الوقت للفجر والجمعة، وتارةً يكون حقًّا للوقت كالأذان في الأمصار بقصد الإعلام بالوقت، وتارةً يكون حقًّا للصلاة كالأذان للصلاة الفائتة، وفي البوادي والأسفار، وتارةً يكون حقًّا للجماعة إذا كان هناك جماعة يرجو إجابتها، والأذان قبل الوقت لا يغني عن الباقي.
[م-٣٧] وقفنا في المبحث السابق على خلاف الفقهاء في الأذان للفجر قبل وقتها، والسؤال: هل يجب الأذان ثانية عند طلوع الفجر، أو يكتفى بهذا الأذان قبل الوقت عن الأذان إذا دخل وقت الفجر؟
وللجواب على ذلك نقول: اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال:
فقيل: يسن الأذان ثانيةً عند طلوع الفجر، ولا يجب، وهو الراجح عند المالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (^١).
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٢٩)، الخرشي (١/ ٢٣١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٤)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٢٥١)، منح الجليل (١/ ٢٠٠)، المجموع (٣/ ٩٧)، فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ٤٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٨)، أسنى المطالب (١/ ١٣٣)، الإنصاف (١/ ٤٢٠)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٠)، المغني (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ٣٥٤ ]
وقيل: يجب الأذان ثانية عند طلوع الفجر، وهو قول لبعض الشافعية، ورواية عند الحنابلة، واختاره ابن حزم وابن المنذر (^١).
وقيل: لا يسن الأذان ثانية، وهو رأي لبعض المالكية (^٢).
ولا تأتي هذه المسألة على مذهب السادة الحنفية؛ لأنهم لا يرون صحة الأذان قبل الوقت.
• حجة من قال: يسن الأذان ثانية ولا يجب:
الدليل الأول:
ثبت صحة الأذان قبل الوقت للفجر من حديث عائشة، وحديث ابن عمر، وحديث ابن مسعود، وكلها في الصحيحين.
وقد بينت فيما سبق أن هذا الأذان لا يصح أن يكون للسحور؛ لأن السحور ليس بصلاة حتى يشرع له الأذان، ولا يصح أن يكون للوتر، لأنه نافلة، ولا جماعة له، ولا يشرع الأذان للنوافل إجماعًا. وقد اشتمل على الدعوة للصلاة بقوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح وإنما ينادى بهذه الصيغة للصلوات المفروضة، فلم يبق إلا أن يكون الأذان الأول للفجر، وإذا صح أن يكون للفجر فقد حصل به الامتثال، سواء أقلنا: إن الأذان فرض كفاية، أم سنة.
الدليل الثاني:
إذا صح أن الأذان الأول دعوة لصلاة الصبح فإن الأذان الثاني سيكون من باب تكرار الأذان، وتكراره ليس بواجب.
الدليل الثالث:
إذا كنا مأمورين بالأذان للصلاة، فالامتثال للأمر يحصل بفعله مرة واحدة، ووجوب تكرار المأمور به يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر جديد من الشارع بالأذان مرة ثانية للصبح، وأما أذان ابن أم مكتوم بعد طلوع الفجر مع أذان بلال،
_________________
(١) الأوسط (٣/ ٣٠)، الكافي (١/ ١٠٠)، الإنصاف (١/ ٤٢٠).
(٢) مواهب الجليل (١/ ٤٢٨).
[ ١ / ٣٥٥ ]
فهو فعل مجرد، فيقتضي الاستحباب، ولا يبلغ الوجوب.
الدليل الرابع:
(ح-١٣٥) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد يعني الأفريقي، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي،
أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز، ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله ﷺ: إن أخا صُدَاءٍ هو أذن ومن أذن فهو يقيم، قال: فأقمت (^١).
[ضعيف] (^٢).
وجه الاستدلال:
أن الصدائي ﵁ قد أذن قبل الوقت، ولم يعد الأذان بعد الوقت، فدل على جواز الاكتفاء به.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف، وقد اختلف فيه على الأفريقي في وقت الأذان، فقد جاء في الحديث أن أذانه بعد أن أضاء الفجر، والله أعلم.
• حجة من قال: يجب الأذان ثانية للوقت:
الدليل الأول:
لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف يدل على أنه ﷺ اكتفى بالأذان الأول عن الأذان بعد دخول الوقت.
الدليل الثاني:
الأذان قبل الوقت للصبح ليس حقًّا للوقت؛ لأنه قبله، ولا حقًّا للصلاة؛ لأنه لا تستباح به الصلاة، فلا يغني هذا الأذان عن الأذان المشروع حقًّا للوقت والصلاة،
_________________
(١) سنن أبي داود (٥١٤).
(٢) سبق تخريجه، انظر ح (١١٦).
[ ١ / ٣٥٦ ]
كالأذان الأول للجمعة، فإنه يعاد بعد دخول الإمام، ولا يغني فعله عن الأذان الثاني.
الدليل الثالث:
إذا كان يعيد الأذان لو أذن قبل الوقت في غير وقت الصبح فكذلك الأذان للصبح يعاد قياسًا عليه، والفرق أن الفجر طُلِب له الأذان قبل الوقت؛ لأنه يأتي على الناس، وهم في نوم، فالاستيقاظ من النوم والاستعداد للصلاة يتطلب وقتًا؛ والناس متفاوتون منهم السريع والبطيء، وصاحب الحاجة، خاصة مع الحرص على سنة التغليس، فاستحب أن يكون هناك أذان يدعوهم للتأهب لها، وهو مستحب، ولا يغني عن الأذان المتعلق بالوقت والصلاة، والذي به تستباح الفريضة.
• حجة من قال: لا يسن الأذان ثانية:
أن الأذان الواقع قبل الفجر إن كان يحسب لصلاة الفجر فقد أذن لها، فلا حاجة لأذانٍ ثانٍ، وإن كان لا يحسب لصلاة الفجر فلا معنى له؛ لأن الأذان إنما يكون للصلاة.
• الراجح:
أن الأذان الثاني واجب، سواء أَأُذِّنَ قبل الوقت أم لا.
[ ١ / ٣٥٧ ]