المدخل إلى المسألة:
• العمى لا يزيل الأهلية.
• لا تقبل شهادة الأعمى فيما يدرك بالبصر، وتقبل فيما يدرك بغيره.
• أذان الأعمى قد يكون تحملًا وقد يكون أداء، فالأول إذا كان يدرك الوقت باجتهاده، والثاني: إذا كان تبعًا لمؤذن أو خبر ثقة.
• إدراك الوقت إن كان يعتمد على البصر كان شرطًا في المؤذن إلا أن يعتمد على مبصر، وإن كان يعتمد على الحساب والعمل بالساعة والتقويم فإنه يستوي فيه الأعمى والبصير.
[م-٧٠] كان الأذان في السابق يعتمد على مراقبة الظل في النهار، من زوال الشمس إلى أن يكون ظل كل شيء مثله، إلى اصفرار الشمس، ثم غروبها.
وفي الليل يحتاج إلى مراقبة الشفق، وطلوع الفجر الصادق، فكل علامات دخول الوقت مرتبطة بعلامات بصرية تحتاج إلى مبصر يراقب هذه العلامات ليكون أذانه عند دخول الوقت، لهذا استحب جمهور الفقهاء أن يكون المؤذن بصيرًا حتى لا يضطر إلى الاستعانة بغيره، وربما فات جزء من الوقت قبل إعلامه، وإنما لم يجعلوا ذلك شرطًا؛ لأن المؤذن قد يؤذن تبعًا لغيره، أو لخبر ثقة (^١).
وجاء في المدونة: كان مالك لا يكره أن يكون الأعمى مؤذنًا أو إمامًا (^٢).
_________________
(١) الأصل للشيباني (١/ ١٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٢٠٢)، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٠٨)، طرح التثريب (٢/ ٢١١)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢٥١)،.
(٢) المدونة (١/ ١٥٨)، وانظر المعونة (١/ ٢١٠)، مواهب الجليل (١/ ٤٥١)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٣٤)، الشامل في فقه مالك (١/ ٩١)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٥).
[ ١ / ٥٣٥ ]
وحمله بعض المالكية على الأعمى الذي يقلد ثقة من مؤذن وغيره كما سيأتي النقل عنهم.
[م-٧١] وقد اختلف الفقهاء في أذان الأعمى:
فقيل: يكره مطلقًا، وهو مروي عن ابن مسعود.
(ث-٤٠) فقد روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن واصل بن الأحدب، عن قبيصة بن برمة الأسدي،
عن ابن مسعود، أنه قال: ما أُحِبُّ أن يكون مؤذنوكم عميانكم، حسبته قال: ولا قراؤكم.
[صحيح، وقبيصة اختلف في صحبته، وقال ابن سعد: كان سيدًا شريفًا في قومه، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات] (^١).
وكره ابن عباس إقامته، وهي أخف من الأذان،
(ث-٤١) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن همام،
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٨١٨)، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩٢٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٤٣). ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتابه الصلاة (٢٠٤). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٢٦٦) حدثنا وكيع، كلاهما (أبو نعيم، ووكيع) عن سفيان به. وفي مصنف ابن أبي شيبة قال: قبيصة: سمعت ابن مسعود، ومثله في العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رواية عبد الله (٤٨٦٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. اه وقبيصة اختلف في صحبته، وذكر أبو نعيم بأن له صحبة، وروى عنه بإسناده حديثين (٥٧٨٠) في كتابه معرفة الصحابة (٤/ ١٢٤ - ١٢٥) ما يدل على صحبته، واعتمد ذلك ابن كثير في جامع المسانيد والسنن (٧/ ٧٠). وفي إسنادهما: نصر بن عمر بن يزيد بن قبيصة بن برمة وهو مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: قال بعض ولده: له صحبة، ولا يصح ذلك. ولعله يقصد هذين الحديثين، وقال العلائي في جامع التحصيل (٦٣٠): حديثه هذا يقتضي الاتصال. اه يعني أحد الحديثين، فإذا لم تصح صحبته، فإنه لا ينزل به عن درجة الاحتجاج.
[ ١ / ٥٣٦ ]
عن قتادة، عن عقبة،
عن ابن عباس أنه كره إقامة الأعمى.
[صحيح، وعقبة لم ينسب، ولكن كل من ذكره المزي من شيوخ قتادة ممن اسمه عقبة كان ثقةً].
(ث-٤٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن أبي عروبة، عن مالك بن دينار، عن أبي عروبة،
أن ابن الزبير كان يكره أن يؤذن المؤذن، وهو أعمى (^١).
[في إسناده أبو عروبة: مهران اليشكري] (^٢).
وقيل: لا يكره أذان الأعمى مطلقًا، إذا علم بالوقت، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وظاهر المدونة، إلا أن الحنفية قالوا: البصير أولى، واستحب الحنابلة أن يكون بصيرًا (^٣).
ولم يشترط الحنفية للعلم بالوقت أن يكون معه بصير يخبره بالوقت، حيث قالوا: متى كان مع الأعمى من يحفظ عليه أوقات الصلوات، يكون حينئذٍ تأذينه وتأذين البصير سواءً (^٤).
قال في الفروع: «والبصير أولى، ولا يكره من أعمى يعرف الوقت» (^٥).
_________________
(١) المصنف (٢٢٦٨)، ومن طريق عبد الوهاب أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٤٣) وعبد الوهاب روى عن سعيد قبل اختلاطه.
(٢) أبو عروبة: ذكره ابن حبان في ثقاته (٥/ ٤٤٢)، وذكره كل من ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والبخاري في التاريخ الكبير، وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا.
(٣) الفتاوى الهندية (١/ ٥٤). وجاء في الإنصاف (١/ ٤٠٩): «وأما الأعمى: فصرح بأذانه الأصحاب، وأنه لا يكره إذا علم بالوقت، ونص عليه». وانظر: المبدع (١/ ٣١٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٣)، كشاف القناع (١/ ٢٣٦).
(٤) البحر الرائق (١/ ٢٧٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٢).
(٥) الفروع (١/ ٣٢١).
[ ١ / ٥٣٧ ]
وقال ابن قدامة في المغني: «ويستحب أن يكون المؤذن بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، فإن أذن الأعمى صح أذانه، فإن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ ويستحب أن يكون معه بصير يُعَرِّفُه الوقت، أو يؤذن بعد مؤذن بصير، كما كان ابن أم مكتوم يؤذن بعد أذان بلال» (^١).
واختار بعض المالكية جواز أذان الأعمى إن قَلَّد ثقة، أو كان أذانه تبعًا لغيره، وهذه العبارة تُشْعِرُ بالاشتراط (^٢).
جاء في الشرح الكبير للدردير: «وجاز أعمى أي أذانه إن كان تبعًا لغيره فيه، أو قلد في دخول الوقت ثقة» (^٣).
وكره الشافعية أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده، فإن كان معه بصير لم يكره (^٤).
وترجم البخاري في صحيحه: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.
فتلخص الكلام في أذان الأعمى إلى ثلاثة أقوال:
الجواز بلا كراهة مطلقًا.
الكراهة إن لم يكن معه بصير يخبره؛ لأنه ربما غلط فيه، أو يفوت على الناس أول الوقت.
اشتراط الإبصار، إن كان يعتمد قوله في دخول الوقت، فإن كان تبعًا لغيره جاز مطلقًا.
وعمدة المسألة، صحة أذان ابن أم مكتوم، وهو أعمى، ولأن قول الأعمى في الأمور الشرعية مقبول، فيحصل به الإعلام.
والذين كرهوا أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده، أو قالوا يشترط أن يكون معه أحد يخبره، قالوا: إن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، فلم يكن يعتمد على نفسه في دخول الوقت.
_________________
(١) المغني (١/ ٢٤٨)، وانظر الكافي (١/ ١٣١).
(٢) الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٥١)، منح الجليل (١/ ٢٠٣)، الخرشي (١/ ٢٣٤).
(٣) الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٧ - ١٩٨).
(٤) الأم (١/ ٨٤)، الحاوي الكبير (٢/ ٥٦)،.
[ ١ / ٥٣٨ ]
وإذا كان المؤذنون هذه الأيام يرجعون إلى الساعة، وإلى التقويم، لم يكن هناك فرق بين الأعمى والبصير، والله أعلم.
[ ١ / ٥٣٩ ]