المدخل إلى المسألة:
• استحباب صفة في العبادة كاستحباب أصل العبادة، لا يثبت إلا بدليل.
• استقبال القبلة حال الأذان عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف، وهذا كاف في تفضيل الاستقبال على غيره.
• العبادات التي لم يرد فيها نص بالاستقبال، أو ورد، ولكنه ضعيف، هل يقال: الأصل في العبادات استقبال القبلة؟ أو يقال: الأصل عدم المشروعية؟ الثاني أقوى.
• استقبال القبلة منه ما هو شرط كالصلاة. ومنه ما هو غير مشروع، كاستقبالها من الإمام في خطبة الجمعة، ومنه ما هو سنة، كاستقبالها حال الدعاء. ومنه ما هو منهي عنه كاستقبالها حال قضاء الحاجة.
[م-٤٦] ذهب عامة الفقهاء إلى استحباب أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة غير أن جمهورهم استثنوا من ذلك الالتفات في الأذان عند الحيعلتين حي على الصلاة، حي على الفلاح (^١).
_________________
(١) الأصل (١/ ١٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٩)، تبيين الحقائق (١/ ٩١)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، البحر الرائق (١/ ٢٧٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٩)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٩٦)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٢٥٣)، منح الجليل (١/ ٢٠١)، المجموع (٣/ ١١٤)، تحفة المحتاج (١/ ٤٦٨)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٦)، أسنى المطالب (١/ ١٢٧)، المغني (١/ ٢٥٤)، الفروع (١/ ٣١٦)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ٣٩١ ]
وقيل: استقبال القبلة شرط، وهو وجه عند الشافعية، حكاه الخرسانيون منهم (^١).
قال النووي في المجموع: «وذكر جماعات من الخراسانيين في اشتراط القيام، واستقبال القبلة في حال القدرة وجهين» (^٢).
• دليل من قال: يستحب استقبال القبلة:
الدليل الأول:
قال الكاساني: «أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة … وعليه إجماع الأمة» (^٣).
قال ابن قدامة: «المستحب أن يؤذن مستقبل القبلة، لا نعلم فيه خلافًا» (^٤).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من السنة أن تستقبل القبلة بالأذان» (^٥).
• ويناقش:
بأن ابن رجب قال في شرحه للبخاري: «والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة» (^٦).
فهذه العبارة من ابن رجب تشعر بأن في المسألة خلافًا.
وجاء في المدونة: «قال ابن القاسم: رأيت المؤذنين في المدينة يؤذنون، ووجوههم إلى القبلة، قال: ورأيته يرى أن ذلك واسع، يصنع كيف يشاء» (^٧).
وهذه العبارة تشعر بالإباحة، وإن كان المشهور من مذهب المالكية أن ترك الاستقبال خلاف الأولى.
الدليل الثاني:
(ح-١٤٧) ما رواه أحمد من طريق أبي النضر ويزيد بن هارون، كلاهما عن
_________________
(١) المجموع (٣/ ١١٤)، الوسيط (٢/ ٥٢)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٧٣).
(٢) المجموع (٣/ ١١٤).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ١٤٩).
(٤) المغني (١/ ٢٥٤).
(٥) الأوسط (٣/ ٢٨).
(٦) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٧٨).
(٧) المدونة (١/ ٥٨).
[ ١ / ٣٩٢ ]
المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن معاذ بن جبل قال: كانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون. قال ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا، عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان الحديث (^١).
• وأجيب بجوابين:
الأول: أن الإسناد منقطع، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، قاله الترمذي وابن خزيمة وغيرهما.
الثاني: أن المسعودي قد انفرد بذكر الاستقبال في هذا الإسناد، والمسعودي قد اختلط، وجميع من روى عنه هذا الحديث كان بعد الاختلاط (^٢).
_________________
(١) المسند (٥/ ٢٤٦).
(٢) اختلف فيه على عمرو بن مرة سندًا، ولفظًا. فقد رواه المسعودي عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ به بذكر الاستقبال. رواه أبو داود الطيالسي (٥٦٦) مختصرًا ورواه أحمد (٥/ ٢٤٦) وأبو داود (٥٠٧)، والشاشي في مسنده (١٣٦٣)، وابن خزيمة (٣٨١) عن يزيد بن هارون. ورواه أحمد (٥/ ٢٤٦) والحاكم (٢/ ٢٧٤) عن أبي النضر. والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٣٢) ح ٢٧٠، ابن خزيمة (٣٨١) والبيهقي في السنن (١/ ٣٩١) من طريق عاصم بن علي. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٣٢) ح ٢٧٠ من طريق آدم، كلهم عن المسعودي، عن عمرو ابن مرة به. وكل هؤلاء ممن روى عن المسعودي بعد تغيره. وقد تابع المسعوديَّ راويان: الأعمش من رواية أبي بكر بن عياش عنه، وزيد بن أبي أنسية، إلا أنهما خالفاه في موضع الشاهد، فلم يذكرا فيه استقبال القبلة، وإليك بيانهما. الأول: الأعمش، من رواية أبي بكر بن عياش، عنه. =
[ ١ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رواه أحمد (٥/ ٢٣٢)، وابن خزيمة (٣٨١) من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل. وليس فيه ذكر الاستقبال. وقد انفرد أبو بكر بن عياش عن الأعمش بجعل الحديث من مسند معاذ، ولم يوافقه أحد من أصحاب الأعمش، إلا أن الأعمش قد اخْتُلِفَ عليه اختلافٌ كثيرٌ. فقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، كما سبق. وقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ. انفرد بذلك وكيع بالتصريح بأنهم أصحاب محمد، كما في مصنف أبي شيبة (٢١٣١) وصحيح ابن خزيمة (٣٨٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٢٠). وقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا. واختلف فيه على الأعمش في ذكر الاستقبال. فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣١): من طريق عبد الله بن داود. وابن خزيمة في صحيحه (٣٨٤) من طريق جرير وابن فضيل، ثلاثتهم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وهو المحفوظ، وليس فيه ذكر الاستقبال. وخالفهم أبو معاوية، فرواه إسحاق بن راهويه كما في نصب الراية (١/ ٢٧٥) عنه، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: جاء عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إني رأيت رجلًا نزل من السماء، فقام على جذم حائط فاستقبل القبلة، وقال: الله أكبر الله أكبر … الحديث. وهذا مرسل، والمرسل ضعيف. وأبو معاوية وإن كان من أحفظ أصحاب الأعمش، إلا أن الاختلاف الكثير على الأعمش يجعل المقبول من رواية الأعمش ما وافق رواية الأكثر. فقد رواه شعبة، وسفيان، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى مرسلًا، وليس فيه ذكر الاستقبال، وسيأتي العزو إليهما في نهاية التخريج. وكذلك رواه حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى مرسلًا، وليس فيه ذكر الاستقبال. فتقدم من رواية الأعمش ما وافق رواية هؤلاء الثقات، كرواية جرير، وابن فضيل، وعبد الله ابن داود، عن الأعمش. والله أعلم. الثاني ممن تابع المسعودي بجعله من مسند معاذ: زيد بن أبي أنيسة. رواه زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، ولم يذكر الاستقبال، إلا أنه قد اختلف على زيد في إسناده. =
[ ١ / ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه أحمد (٥/ ٢٤٦) عن يونس، والقاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ (٢٤)، وعنه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٥٦٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٤، ١٣٥) ح ٢٧١، من طريق يحيى بن صالح الوحاضي الحمصي (ثقة تُكُلِّم فيه للمذهب)، كلاهما (يونس والوحاضي) روياه عن فليح ابن سليمان، عن عمرو ابن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ، ولم يذكر الاستقبال. وفليح صدوق كثير الخطأ. وتابعه أبو يحيى بن سليمان، عن زيد بن أبي أنيسة به رواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٣٥) ح ٢٧٢، من طريق ابن وهب، عن أبي يحيى بن سليمان به. وأخشى أن يكون في الإسناد تحريف، وأن الصحيح يحيى عن فليح بن سليمان، كالإسناد الذي قبله، فتحرفت إلى أبي يحيى بن سليمان، خاصة أن ابن وهب يروي عن فليح بن سليمان، فإن كان كما توقعت، فقد رجع هذا الطريق إلى طريق فليح، وإن كان طريقًا آخر فإن أبا يحيى بن سليمان لم أقف على ترجمته، فيكون مجهولًا، والله أعلم. وخالفه الثقة عبيد الله بن عمرو الرقي، فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثنا أصحابنا … رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٤)، وليس فيه الاستقبال. وهذا هو المحفوظ من رواية زيد بن أبي أنيسة. وتابعه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا. والمقصود أصحاب ابن أبي ليلى، وليس أصحاب محمد، لتكون هذه الرواية مرسلة، ولتوافق رواية سفيان عن عمرو بن مرة، ورواية أكثر أصحاب الأعمش، عن عمرو بن مرة، وكما توافق رواية حصين عن ابن أبي ليلى، فإن حمل هذه الرواية على رواية الأكثر أولى من حملها على رواية انفرد بها وكيع، عن الأعمش به، فقال: حدثنا أصحاب محمد، ولم يتابع وكيع على روايته. فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٦)، وأبو داود (٥٠٦)، وابن خزيمة (٣٨٣) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به ولم يذكر الاستقبال. وكذا رواه سفيان عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى مرسلًا. رواه عبد الرزاق (١٧٨٨)، ومن طريقه ابن خزيمة (٣٨٢)، وليس فيه ذكر للاستقبال. وكذا رواه حصين عن ابن أبي ليلى مرسلًا، وفيها متابعة لعمرو بن مرة من رواية شعبة والثوري عنه على الإرسال، انظر المصنف لعبد الرزاق (١٧٨٨)، وصحيح ابن خزيمة (٣٨٢). فالراجح في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى أنها مرسلة، وليس فيها ذكر استقبال القبلة، وقد خرجت طرقه فيما سبق إنما أعيد منه ما يخص الاختلاف في استقبال القبلة، فإن رغبت في الوقوف على تخريج باقي طرقه، فانظره في تخريج حديث عبد الله بن زيد وفقك الله.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الدليل الثالث:
(ث-٢٨) روى السراج في مسنده، قال: حدثنا زياد بن أيوب حدثنا يعلى بن عبيد، وحدثنا أبو عوف حدثنا أبو نعيم قالا: ثنا مجمع بين يحيى قال:
كنت مع أبي أمامة بن سهل وهو مستقبل المؤذن، وكبر المؤذن، وهو مستقبل القبلة وقال: الله أكبر الله أكبر اثنين فكبر أبو أمامة اثنين وذكر بقية الأثر (^١).
• وأجيب بوجهين:
الوجه الأول:
أن ذكر استقبال القبلة من المؤذن في هذا الأثر غير محفوظ (^٢).
الوجه الثاني:
على فرض أن يكون هذا الفعل محفوظًا فإن الاستدلال به على الاستحباب فيه نظر؛ لأن الفعل صادر من تابعي، وقد يكون مقصودًا وقد يكون غير مقصود، وإقرار الصحابي أو غيره من العلماء ليس بحجة؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا لا نقول: إن استقبال القبلة في الأذان منكر، حيث يبعد أن يراه صحابي ولا ينكره، بل نقول: إنه مباح، وسكوت الصحابي على هذا الفعل مؤكد للإباحة، ولا يبلغ به
_________________
(١) مسند السراج (٦١).
(٢) فقد رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (٢٠٠)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٧١٩). ورواه عبد الرزاق (١٨٤٥) عن معمر. والشافعي في مسنده (ص: ٣٣) والحميدي في مسنده (٦١٨) والطبراني في الدعاء (٤٥٠) عن ابن عيينة. وأحمد (٤/ ٩٥) عن يعلى بن عبيد. وأحمد (٤/ ٩٥)، وابن حبان في صحيحه (١٦٨٨) عن يزيد بن هارون. وأحمد (٤/ ٩٣) عن وكيع. والنسائي (٦٧٥) عن عبد الله بن المبارك ومسعر، كلهم رووه عن مجمع بن يحيى به، دون زيادة استقبال المؤذن للقبلة، مما يدل على شذوذ هذه اللفظة، والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٦ ]
الاستحباب، والله أعلم.
الدليل الرابع:
لابد للمؤذن من جهة، فإذا لم يكن بد من جهة، فجهة القبلة أولى، ولذلك رأى بعض العلماء أن الأصل في العبادات أن تكون إلى جهة القبلة.
قال النووي: «لما أراد أن يدعو -يعني في خطبة الاستسقاء- استقبل القبلة، ففيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل والتيمم، والقراءة والأذكار، والأذان وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل، كالخطبة ونحوها» (^١).
وكذلك استحب الحنابلة استقبال القبلة للوضوء، قال ابن مفلح في الفروع: «وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة، ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل» (^٢).
• ويناقش:
قال شيخنا ابن عثيمين: «ولا شك أنه في الدعاء ينبغي أن يستقبل القبلة، أما في الوضوء وشبهه ففي النفس من هذا شيء، فيحتاج إلى دليل خاص؛ لأن الظاهر من حال الرسول ﷺ أنه لا يتعمد ذلك» (^٣).
والقول بأن استقبال القبلة متجه في كل عبادة فيه نظر؛ لأن الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل من الشرع بالاستحباب، واستحباب الصفة كاستحباب أصل العبادة، والله أعلم.
الدليل الخامس:
أن استقبال القبلة هو عمل الناس، نقله الخلف عن السلف.
قال ابن حزم: «وإنما تخيرنا أن يؤذن ويقيم على طهارة قائمًا إلى القبلة؛ لأنه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا» (^٤).
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (٦/ ١٨٩).
(٢) الفروع، وانظر كشاف القناع (١/ ٩١).
(٣) الشرح الممتع (٧/ ٢٩٣).
(٤) المحلى، مسألة (٣٢٥).
[ ١ / ٣٩٧ ]
• دليل من قال: إن استقبال القبلة شرط:
قال الرافعي: «شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم وهذا مما استمروا عليه» (^١).
وقال إمام الحرمين «وهذا ما بنى عليه الشافعي في إيجاب القيام في الخطبتين والقعود بينهما في يوم الجمعة» (^٢).
وسوف أناقشه إن شاء الله تعالى عليه عند الكلام على اشتراط القيام للأذان.
• الراجح:
إن صح الإجماع المنقول فلا إشكال، وإن لم يصح الإجماع فإن استقبال القبلة في الفقه يختلف من عبادة إلى أخرى:
فقد يكون استقبال القبلة شرطًا في العبادة كاستقبال القبلة في الصلاة.
وقد يكون الاستقبال غير مشروع كما في حال خطبة الجمعة.
وقد يكون الاستقبال مسنونًا كاستقبال القبلة حال الدعاء فوق الصفا والمروة، وبعد رمي الجمرة الأولى والوسطى.
وقد يكون الاستقبال منهيًّا عنه، كاستقبال القبلة حال قضاء الحاجة.
فما جاءت السنة صريحة صحيحة بحكمه فهو متبع.
وإنما السؤال في العبادات التي لم يرد فيها نص، أو جاء نص ولكنه ضعيف:
هل نقول: إن الأصل في العبادات استقبال القبلة؟
أو نقول: إن الأصل عدم المشروعية؟ وهذا هو ما أميل إليه. وإن كانت مسألة استقبال القبلة حال الأذان والإقامة هو عمل الناس، ويكفي ذلك في اعتبار الاستقبال أولى من غيره، أما أن يضاف ذلك إلى السنة، ففيه نظر عندي؛ لأن إثبات سنة إنما يتوقف على نص شرعي، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فلو
_________________
(١) فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ١٧٣).
(٢) نهاية المطلب (٢/ ٤٠).
[ ١ / ٣٩٨ ]
كان ذلك من السنة لجاءت السنة صحيحة صريحة، كما جاءت كثير من السنن في آداب الخلاء، وآداب النوم، وآداب الاضطجاع، وآداب الأكل، وآداب الركوب، والدخول والخروج، وغيرها من الآداب، أتأتي السنة صحيحة في هذه الأمور، ولا تأتي سنة صحيحة في أمر يتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الأذان للصلاة المفروضة إلا أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة؟ والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٩ ]