[م-٨٧] لم يختلف الفقهاء في مشروعية الإقامة للصلاة الفائتة ولو كانت متعددة، فيقيم لكل صلاة.
قال النووي: إذا أراد قضاء فوائت دفعة واحدة أقام لكل واحدة بلا خلاف (^١).
ولكن اختلفوا هل يؤذن للفوائت؟
فقيل: يؤذن للأولى من الفوائت، ويخير في الباقي، إن شاء أذن، وإن شاء تركه، والأفضل أن يؤذن للجميع، وهذا هو مذهب الحنفية (^٢).
وقيل: لا يؤذن للفائتة، وهو الجديد من قولي الشافعي، ورواية عند الحنابلة، ونص المالكية على كراهة الأذان للفائتة (^٣).
وقيل: يؤذن للأولى، وهذا هو القديم من قولي الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).
* حجة من قال: يؤذن للأولى ويخير في الباقي والأفضل الأذان للجميع:
الدليل الأول:
ثبت أن الرسول أمر بالأذان والإقامة للفائتة كما في حديث أبي قتادة في
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٣/ ٨٤).
(٢) تبيين الحقائق (١/ ٩٢ - ٩٣)، البحر الرائق (١/ ٢٧٦)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٤)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٣٤٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٠)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٧٥).
(٣) مواهب الجليل (١/ ٤٢٣)، القوانين الفقهية (ص: ٣٦)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩١)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٢٤٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٢٨)، منح الجليل (١/ ١٩٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٨)، البيان للعمراني (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ١٣٥)، روضة الطالبين (١/ ١٩٧)، المغني لابن قدامة (١/ ٢٥١).
(٤) البيان للعمراني (٢/ ٦٠)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٧)، المهذب (١/ ٥٥)، المجموع (٣/ ٩١)، روضة الطالبين (١/ ١٩٧)، المغني (١/ ٢٥١)، كشاف القناع (١/ ٢٤٤)،
[ ٢ / ٧٩ ]
الصحيحين، وحديث أبي هريرة في مسلم، وما ثبت في حق صلاة واحدة ثبت في حق بقية الصلوات على اعتبار أن الأذان حق الصلاة، وليس حق الوقت فقط، ولا حق الجماعة فقط.
* ويناقش:
ليس البحث في ثبوت الأذان والإقامة للفائتة إذا كانت واحدة، وإنما البحث في تكرار الأذان بتكرار الفوائت، وإذا كانت الصلوات المجموعة يُكْتَفَى بالأذان للأولى منها، فالفوائت مقيسة عليها.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٣) ما رواه البزار، كما في كشف الأستار، من طريق مؤمل يعني: ابن إسماعيل، قال: حدثنا حماد يعني: ابن سلمة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن مجاهد،
عن جابر، أن النبي شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام، فصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام، فصلى المغرب، ثم أمره، فأذن وأقام، فصلى العشاء، ثم قال: ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله غيركم.
قال البزار: «لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا مؤمل، ولا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله» (^١).
[منكر] (^٢).
فالحديث ضعيف، وقد ذكر الحافظ ابن رجب بأن الأوزاعي رواه عن
_________________
(١) كشف الأستار (٣٦٥).
(٢) ورواه الطبراني في الأوسط (١٢٨٥)، وسقط من إسناده (عبد الكريم بن أبي المخارق)، وقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد بأنه رواه البزار والطبراني، وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف. اه وهو مخالف للرواية الصحيحة والتي سوف نذكرها من حديث أبي سعيد وحديث عبد الله ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٨٠ ]
أبي الزبير، يعني: عن جابر، وفي حديث: حتى إذا كان قريبا من نصف الليل قام رسول الله ﷺ، فبدأ بالظهر فصلاها، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء بإقامة إقامة (^١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٤) ما رواه أبو يعلى الموصلي من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن زبيد الأيامي، عن أبي عبد الرحمن السلمي،
عن عبد الله بن مسعود، قال: شغل المشركون رسول الله ﷺ عن الصلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهب ساعة من الليل، ثم أمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذن وأقام، ثم صلى الظهر، ثم أمره فأذن، وأقام، فصلى العصر، ثم أمره فأذن، وأقام، فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء (^٢).
[ضعيف جدًّا] (^٣).
الدليل الرابع:
الأذان والإقامة مشروعان لأداء الصلاة، والقضاء يحكي الأداء.
* ويناقش:
بأن قياس القضاء على الأداء قياس في مقابل النص، فيكون مردودًا.
* حجة من قال: لا يؤذن للفائتة:
(ح-٢٢٥) استدلوا بما رواه أحمد من طريق سعيد بن أبي سعيد يعني المقبُريَّ صاحب أبي هريرة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد،
عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أمر النبي بلالًا فأقام الظهر،
_________________
(١) شرح البخاري لابن رجب (٥/ ١٥١).
(٢) مسند أبي يعلى الموصلي (٢٦٢٨).
(٣) في إسناده يحيى بن أبي أنيسة، قال فيه أحمد: متروك الحديث، وقال عبيد الله بن عمرو: قال لي زيد بن أبي أنيسة: لا تكتب عن أخي يحيى، فإنه كذاب. انظر الكامل (٩/ ٣).
[ ٢ / ٨١ ]
فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها.
[صحيح]
* حجة من قال: يؤذن للأولى من الفوائت:
(ح-٢٢٦) استدلوا بما رواه أحمد عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة بن عبد الله،
عن أبيه، أن المشركين شغلوا النبي يوم الخندق عن أربع صلوات، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، قال: فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء (^١).
[رجاله ثقات، والمحفوظ فيه عدم ذكر الأذان] (^٢).
_________________
(١) المسند (١/ ٣٧٥).
(٢) الحديث رواه هشيم بن بشير، عن أبي الزبير لم يختلف عليه في ذكر الأذان كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤٧٧٩)، ومسند أحمد (١/ ٣٧٥)، ومسند أبي يعلى الموصلي (٥٣٥١)، وسنن الترمذي (١٧٩)، وسنن النسائي (٦٦٢)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٢)، والسنن الكبرى البيهقي (١/ ٤٠٣). ورواه هشام الدستوائي، واختلف عليه فيه: فرواه أحمد (١/ ٤٢٣)، حدثنا كثير. ورواه النسائي (٦٢٢) من طريق عبد الله بن المبارك. ورواه أيضًا (٦٦٣) من طريق زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٥٠) ح ١٠٢٨٣، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٧) من طريق حجاج بن نصير، أربعتهم، عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير به، دون ذكر الأذان، كحديث أبي سعيد الخدري. واستغربه النسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة، فقال: هذا حديث غريب من حديث سعيد، عن هشام، ما رواه غير زائدة. اه وخالفهم أبو داود الطيالسي، فرواه عن هشام به، بذكر الأذان. والمحفوظ عن هشام عدم ذكر الأذان، وهو الموافق لرواية أبي سعيد الخدري. كما أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، قاله الترمذي كما في السنن (١/ ٢٨، ٣٣٧)، والنسائي كما في السنن (١٤٠٤)، وابن حبان كما في الثقات (٥/ ٥٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٧٥)، وفي المعرفة (٣/ ١٤) و(٤/ ٣٧٠) وابن عبد الهادي كما في تنقيح التحقيق (٣/ ٣٩). وانظر التمهيد (٥/ ٣٧)، (٢٠/ ٢٣٢). وقال الحافظ في التقريب: والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه. وروى شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: ما أذكر منه شيئًا. المراسيل لابن أبي حاتم (٩٥٢، ٩٥٥)، الطبقات الكبرى (٦/ ٢١٠)، جامع التحصيل (٣٢٤). إلا أن رواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل، ولهذا قال الترمذي: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. اه فهنا الترمذي مع علمه بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلا أنه حكم عليه مع ذلك بقوله: ليس بإسناده بأس. وصحح الدارقطني إسناد أبي عبيدة عن أبيه في السنن (٣/ ١٧٣) وقال: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه، وبمذهبه وفتياه وقال في العلل (٥/ ٣٠٨): «قيل سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه صحيح؟ قال: مختلف فيه، والصحيح عندي أنه لم يسمع منه، ولكنه كان صغيرًا بين يديه …». وانظر البدر المنير (٦/ ٥٩٤). وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٤): «يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، مُتَلَقٍّ لآثاره من أكابر أصحاب أبيه ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه». وقال ابن القيم في تهذيب السنن (٦/ ٣٥٠): «أبو عبيدة شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده من العلم ما ليس عند غيره». وانظر شرح معاني الآثار (١/ ٩٥).
[ ٢ / ٨٢ ]
* حجة من قال: إن رجا جماعة أذن:
أن النداء إنما شرع ليجتمع الناس للصلاة، ولذلك رتب الله السعي إلى الصلاة يوم الجمعة على سماع الأذان، قال تعالى: ﴿… إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩].
والمؤذن يرفع صوته قائلًا حي على الصلاة، حي على الفلاح أي أَقْبِلُوا، حتى إن الصحابة قد تشاوروا قبل مشروعية الأذان، كيف يدعون الناس إلى الصلاة؟
* ويناقش:
بأن الرسول قد أذن للصلاة الفائتة في السفر، وصحابته معه، ولا يَدْعُون
[ ٢ / ٨٣ ]
غائبًا بالنداء، كما شرع الأذان للمنفرد بالصحراء مطلقًا، حتى ولو غلب على ظنه أنه لا يسمعه أحد.
* الراجح:
أن الفوائت إذا كانت معها صلاة حاضرة، وأُذِّنَ للحاضرة فلا يُؤَذَّن للفوائت، ويقيم لكل صلاة، وإذا كانت الفوائت وحدها، ولا تصلى معها صلاة حاضرة، أذن للأولى منها، وأقيم لكل صلاة، ولم يثبت في النصوص تكرار الأذان بتكرار الفوائت.
وقد يقال: إن الأذان من النبي للصلاة الفائتة الواحدة يعني صحته للأولى من الفوائت، وتركه يدل على عدم الوجوب، وهذا ليس ببعيد، وإن كان الأول أقوى، والله أعلم.
[ ٢ / ٨٤ ]