المدخل إلى المسألة:
* الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.
* لم يرد الأذان المعروف لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة إلا ما كان قبل الصبح استعدادًا لها.
* الأذان إما دعاء للصلوات المفروضة كالصلوات الخمس، أو تنبيه للاستعداد لها، كالأذان لصلاة الصبح قبل وقتها، والأذان الأول للجمعة. ولا يشرع في غيرهما.
[م-٩٩] الغيلان: جمع غُول، وهي جنس من الجن والشياطين، وتغولتهم الغيلان: أضلتهم عن المحجة، وكانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولًا: أي تتلون تلونًا في صور شَتَّى (^١).
وقد استحب الشافعية الأذان إذا تغولت الغيلان، ونقله ابن عابدين عن الشافعية واستحسنه (^٢).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٩٦)، لسان العرب (١١/ ٥٠٨).
(٢) المجموع (٤/ ٣٣٨)، مغني المحتاج (١/ ١٣٤)، حاشية الجمل (١/ ٢٩٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٠١)، ورغم أن ابن عابدين في حاشيته (١/ ٣٨٥) نفى أن يكون ذلك موجودًا في كتب الحنفية إلا أنه استحسنه، ونقله الحطاب المالكي في مواهب الجليل (١/ ٤٣٣)، عن الشافعية بما يُشْعِرُ أنه ليس منقولًا عن أصحاب المذهب، إلا أن ابن بطال في شرحه للبخاري (٢/ ٢٣٤) نقل عن مالك أنه أعجبه ذلك من رأي زيد بن أسلم. وانظر الاستذكار (٨/ ٥٢٧)، التمهيد (١٦/ ٢٦٧).
[ ٢ / ١٤٢ ]
* واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-٢٤٧) روى الإمام أحمد من طريق هشام، عن الحسن،
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا سرتم في الخصب، فأمكنوا الركاب أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل، وإذا سرتم في الجدب، فاستجدوا، وعليكم بالدلج، فإن الأرض تطوى بالليل، وإذا تغولت لكم الغيلان، فبادروا بالأذان الحديث (^١).
[ضعيف] (^٢).
_________________
(١) المسند (١٤٢٧٧).
(٢) في هذا الإسناد علتان: العلة الأولى: رواية هشام بن حسان عن الحسن وفيها كلام. العلة الثانية: الحسن البصري لم يسمع من جابر ﵁. والحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٢٤٧). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٤١)، وأبو يعلى في مسنده (٢٢١٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٢٥) من طريق يزيد بن هارون. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٣٢) من طريق سويد بن عبد العزيز. وابن خزيمة (٢٥٤٩) من طريق يحيى بن يمان. كلهم (عبد الرزاق، ويزيد بن هارون، وسويد وابن يمان) رووه عن هشام بن حسان به. وأخرجه ابن خزيمة (٢٥٤٨) من طريق سالم بن عبد الله المكي، سمعت الحسن يقول: حدثنا جابر بن عبد الله … وذكره. وهذا إسناد ضعيف، فيه سالم المكي. واختلف فيه على الحسن البصري: فرواه هشام بن حسان، وسالم المكي عن الحسن البصري، عن جابر، كما سبق. وأخرجه البزار في مسنده (١٢٤٧) من طريق يونس بن عبيد. وابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٧) من طريق عمرو بن عبيد، كلاهما عن الحسن البصري، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا تغولت لنا، أو إذا رأينا الغول ننادي بالأذان. وقال البزار عقبه: لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه، ولا نعلم سمع الحسن من سعد شيئًا. قال الهيثمي (١٠/ ١٣٤): «رجاله ثقات إلا أن الحسن البصري لم يسمع من سعد». قلت: إسناد البزار فيه شيخه محمد بن الليث الهدادي، لم يرو له أحد من الكتب الستة، وقال العقيلي: لا يعرف. وقال الذهبي: لا يُدْرَى من هو، وعرفه ابن حبان، فذكره في الثقات، وقال: يخطئ، ويخالف. وفي إسناد ابن عدي: عمرو بن عبيد ضعيف، معتزلي، معلن بالبدعة، ومن الدعاة لها، قال النسائي: ليس بثقة. ورواه عبد الرزاق في المصنف (٩٢٥٢) عن ابن جريج، حدثت عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: إذا تغولت لكم الغيلان فَأَذِّنُوا.
[ ٢ / ١٤٣ ]
الدليل الثاني:
(ح-٢٤٨) ما رواه الطبراني من طريق أبي عامر العقدي، أخبرني عدي بن الفضل، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص.
قال الطبراني: لم يُرْوَ هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح إلا عدي بن الفضل، تفرد به: أبو عامر.
[ضعيف جدًّا] (^١).
الدليل الثالث:
أن هذا ما فهمه أبو صالح السمان،
(ح-٢٤٩) فقد روى مسلم من طريق سهيل،
قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا، أو صاحب لنا، فناداه مُنَادٍ من حائطٍ باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم يَرَ شيئًا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرتُ أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فنادِ بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص (^٢).
* ويناقش:
بأن هروب الشيطان من النداء ثابت صحيح في نداء الصلوات، والنداء لم
_________________
(١) المعجم الأوسط (٧٤٣٦)، ورواه الطبراني في الدعاء (٢٠٠٩) من طريق عدي بن الفضل به، وعدي بن الفضل متروك.
(٢) صحيح مسلم (٣٨٩).
[ ٢ / ١٤٤ ]
يشرع لذلك، وإنما شرع للصلوات المفروضة، ومشروعية النداء لغير الصلوات يحتاج إلى توقيف، والأصل في العبادات الحضر، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
ولكن لو فعل ذلك من باب الرقية باعتبار أن من يرى مثل هذه الأشياء قد يكون مريضًا، ويصاب بالخوف، فالرقية بابها أوسع، وقد أُذِن فيها ما لم تكن شركًا.
(ح-٢٥٠) فقد روى مسلم من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه،
عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رُقَاكُم، لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك (^١).
_________________
(١) مسلم (٢٢٠٠).
[ ٢ / ١٤٥ ]