مدخل إلى المسألة:
• التماس الفضل مبني على عظم الأجر، أو على عظم الأثر.
• لم يؤذن رسول الله ﷺ قط، ولا خلفاؤه الراشدون.
• شروط الإمامة أعلى من شروط الأذان.
• استُدِلَ على استخلاف أبي بكر ﵁ في الصلاة على إمامته للمسلمين.
• شرف النداء من شرف المنادى لها.
• الإمامة من المقاصد، والأذان من الوسائل.
[م-٥] اختلف العلماء في التفضيل بين الأذان والإمامة:
فقيل: الإمامة أفضل من الأذان، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية، رجحه الرافعي، ورواية عند الحنابلة (^١).
وقيل: الأذان أفضل، اختاره بعض الحنفية، وبعض المالكية، وهو الراجح عند الشافعية، وصححه النووي، وهو الأصح في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (^٢).
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٥٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٨)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٨٩)، البحر الرائق (١/ ٢٦٨)، طرح التثريب (٢/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٢)، حاشية العدوي على شرح الخرشي (١/ ٢٢٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٧١)، الإنصاف (١/ ٤٠٦)، المحرر (١/ ٤٠)، المغني (١/ ٢٤٢) ..
(٢) الجوهرة النيرة (١/ ٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٧١)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٤٦)، مغني المحتاج (١/ ١٣٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٧)، الإنصاف (١/ ٤٥٠)، كشاف القناع (١/ ٢٣١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٠)، المحرر (١/ ٤٠). =
[ ١ / ٤٣ ]
وقيل: الأذان والإمامة سواء، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، ووجه عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).
وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان، قاله جمع من الشافعية، منهم أبو علي الطبري، والقاضي حسين (^٢).
• حجة من قال: الإمامة أفضل:
الدليل الأول:
(ح-١٨) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، قال: قال رسول الله إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (^٣).
(ح-١٩) وروى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (^٤).
_________________
(١) = وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ٩٣): «اختلف أصحابنا، هل الأفضل للإنسان أن يرصد نفسه للأذان أم للإمامة؟ على أوجه: أصحها الأذان أفضل، وهو نص الشافعي ﵁ في الأم، وقول أكثر أصحابنا. والثاني: الإمامة أفضل وهو نص الشافعي أيضًا. والثالث: هما سواء. والرابع: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان، قاله أبو علي الطبري، وأبو القاسم بن كج، والمسعودي والقاضي حسين من أصحابنا».
(٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٢)، شرح النووي على صحيح مسلم، الإنصاف (١/ ٤٠٦).
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٧٧): «واختلف أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه».
(٤) صحيح البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤).
(٥) صحيح مسلم (٦٧٣).
[ ١ / ٤٤ ]
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ جعل وظيفة الأذان لأحدهم بلا مفاضلة، وأما الإمامة فاختار لها الأكمل، واعتبار الأكمل أحق بها من غيره مشعر بمزيد شرف لها.
الدليل الثاني:
أن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه أذن، ولم يكن الله ليختار لنبيه إلا ما كان الأفضل. وكذلك كان الخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان.
• وأجيب:
بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته، وقد كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ قائمًا على المراقبة البصرية ومتابعة علامات دخول الوقت، وكان الظل يتغير بتغير الفصول، وطول النهار وقصره، فتجد الواحد منهم يرقب الشمس، ويتابع الظل حتى يقف على أن الشمس قد زالت للظهر، ثم يتابع الظل لمعرفة دخول العصر حين يكون ظل كل شيء مثله عدا فيء الزوال، ثم يأخذ بمراقبة الشمس حتى تغرب للمغرب، ثم يرقب غياب الشفق لدخول العشاء، ثم يرقب الفجر حتى يطلع الصبح.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن هناك علامات ثابتة لا تتغير، في دخول بعض الأوقات، وهو المغرب حيث يدخل وقته بغروب الشمس، وهي علامة واضحة للجميع، وكذا العشاء حيث يدخل بغياب الشفق، فمثل هذين الوقتين لا يأخذان وقتًا لمراقبتهما.
الوجه الثاني:
لو كان هذا هو الحامل لهم على ترك الأذان لفعلوا ذلك أحيانًا، فإذا كان شغلهم بالشأن العام لم يمنعهم عن الجهاد في سبيل الله، وقد كان النبي ﷺ في مقدمتهم في الجهاد، لم يمنعهم ذلك أحيانًا من الأذان، فلما لم ينقل عن النبي ﷺ
[ ١ / ٤٥ ]
أنه أذن ولو مرة واحدة، وكذلك الخلفاء من بعده، دل هذا على أن وظيفة الإمامة أفضل، وقد كان الرسول ﷺ يسافر مع أصحابه فيدخل الوقت، وهم مجتمعون فيأمر النبي ﷺ بلالًا بالأذان، وقد كان بالإمكان أن يفعل ذلك بنفسه، وعلى التنزل فإنه كان بإمكان الخلفاء أن يأمروا مواليهم أن يقوموا عنهم بمراقبة علامات دخول الوقت، حتى إذا دخل الوقت قاموا هم بشعيرة الأذان حرصًا على هذه الفضيلة العظيمة، والله أعلم.
• حجة من قال: الأذان أفضل:
الدليل الأول:
(ح-٢٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني موسى بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيى، مولى جعدة، قال:
سمعت أبا هريرة، أنه سمع من فم رسول الله ﷺ يقول: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنةً، ويكفر عنه ما بينهما (^١).
[أرجو أن يكون حسنًا] (^٢).
_________________
(١) المسند (٢/ ٤٢٩).
(٢) روي هذا الحديث بأسانيد لا تخلو من مقال، لكن الحديث قد يكون حسنًا بمجموعها، والله أعلم. فالحديث قد رواه أبو داود الطيالسي كما في مسنده (٢٥٤٢) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٧). وحفص بن عمر النميري كما في سنن أبي داود (٥١٥). ويزيد بن زريع كما في سنن النسائي (٦٤٥). وشبابة كما في سنن ابن ماجه (٧٢٤). وعبد الرحمن بن مهدي كما في صحيح ابن خزيمة (٣٩٠). وأبو الوليد الطيالسي كما في صحيح ابن حبان (١٦٦٦) كلهم رووه عن شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى غير منسوب، عن أبي هريرة. ورواه يحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٢/ ٤٢٩)، عن شعبة، حدثني موسى بن =
[ ١ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيى مولى جعدة، قال: سمعت أبا هريرة وذكر الحديث. فنسبه يحيى بن سعيد القطان. وأما المزي فقال في تهذيب الكمال (٣٤/ ٤٠٤): أبو يحيى المكي، روى عن أبي هريرة، روى عنه موسى بن أبي عثمان … قال أبو عبيد الآجري: قيل لأبي داود: موسى بن أبي عثمان عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، قال: هذا المكي يعني أبا يحيى. اه وفرق بينه وبين مولى الجعدة، وذكر في ترجمة مولى جعدة، روى عنه سليمان الأعمش. كما فرق بينهما الذهبي في الميزان، فقال في أبي يحيى الذي يروي عنه موسى بن أبي عثمان: لا يعرف. وقال في مولى الجعدة: ثقة. فإن كان اللبس جاء من نسبته للمكي، فإن مولى أبي جعدة مكي، وهو أبو جعدة بن هبيرة المخزومي ابن أم هانئ بنت أبي طالب، فلعل ما ذكره يحيى القطان، عن شعبة، هو الراجح. وقال ابن حبان بعد أن رواه غير منسوب، قال بإثر حديث (١٦٦٦): أبو يحيى هذا اسمه سمعان مولى أسلم، من أهل المدينة، والد أنيس ومحمد ابني أبي يحيى الأسلمي » وانظر الثقات له (٤/ ٣٤٥). وهذا خطأ من ابن حبان، ولم يذكر أحد أنه الأسلمي غير ابن حبان، والأسلمي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: ليس به بأس. وفي التقريب: لا بأس به. وإذا كان أبو يحيى هو مولى جعدة، فقد وثقه ابن معين، وأخرج له مسلم في صحيحه حديثًا قد اختلف في إسناده، والتعويل على توثيق ابن معين له. وفي إسناده أيضًا: موسى بن أبي عثمان: روى عنه الثوري وشعبة، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وقد توبع في هذا. فهذا الإسناد فيه لين، وله متابعات لا تخلو من ضعف، لكنها صالحة في المتابعات، منها: المتابعة الأولى: فقد رواه أبو محمد الفاكهي في الفوائد (١٩٠) من طريق وهيب، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، ولشاهد الصلاة خمس وعشرون درجة، ويكفر عنه ما بينهما. وفي فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٢٣): وسأل وهيب منصورًا عن عطاء هذا، فقال: هو رجل، قال: وليس ابن أبي رباح ولا ابن يسار. وقد اختلف فيه على منصور: فرواه وهيب، عن منصور كما سبق. ورواه جرير، وفضيل بين عياض وزائدة بن قدامة، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة موقوفًا. ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٥١٥)، والدارقطني في العلل (١٦١٣). =
[ ١ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه عبد الرزاق في المصنف (١٨٦٣) ومن طريقه أخرجه أحمد، وعبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (١٤٣٧). وأخرجه إسحاق بن راهويه (١٥٢) كلاهما (عبد الرزاق وإسحاق) عن معمر، عن منصور، عن عباد بن أنيس، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الدارقطني بعد أن ذكر الاختلاف فيه: «ووهم فيه معمر …، والصحيح: قول زائدة وفضيل بن عياض وجرير». يعني الرواية الموقوفة. وقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٥١٦): حديث معمر وهم. كما قال أيضًا: والصحيح حديث منصور. وهذه الكلمة محتملة، فإن منصورًا رواه موقوفًا ومرفوعًا، وإذا اعتبر رواية معمر المرفوعة وهمًا، فيبقى الراجح من رواية منصور الوقف. قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٢٥): ويشهد لقول منصور يعني رواية وهيب عن منصور المرفوعة أن أبا أسامة رواه عن الحسن بن الحكم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة. ويكون قوله: (عن شيخ من الأنصار) لعله عطاء شيخ من أهل المدينة. وإذا اعتمدنا كلام الدارقطني بأن الصحيح فيه الوقف فإنه لا يعني الصحة المطلقة، فإن عطاء رجل مجهول، فهو ضعيف موقوف. المتابعة الثانية: رواه ابن أبي شيبة في المصنف أخبرنا وكيع، قال: أخبرنا أبو العميس سعيد ابن كثير، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ارفع صوتك بالأذان فإنه يشهد لك كل شيء سمعك. وهذا وإن كان ظاهره الوقف فإن له حكم الرفع، والإسناد رجاله كلهم ثقات إلا كثير بن عبيد، والد سعيد بن كثير، فإنه لم يوثقه أحد إلا ابن حبان حيث ذكره في ثقاته، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وقد توبع في هذا الحديث، فالحديث صالح في المتابعات، والله أعلم. المتابعة الثالثة: رواه الأعمش، واختلف عليه فيه: فرواه حفص بن غياث كما في المعجم الأوسط للطبراني (١٢١) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٣١) عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. ورواه عمرو بن عبد الغفار كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٤٣١)، ومحمد بن عبيد الطَّنَافِسِيُّ ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٨/ ٢٣٦) روياه عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة، مرفوعًا بإسقاط أبي صالح. ورواه عمار بن زريق، كما في مسند أحمد (٢/ ١٣٦)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٥٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٣١). وعبد الله بن بشر كما في المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٣٠٤) ح ١٣٤٦٩، روياه عن =
[ ١ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه إبراهيم بن طهمان كما في مسند السراج (٧٤)، وسنن البيهقي (١/ ٤٣١). وجرير كما في مسند السراج (٧٣) كلاهما روياه عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا. ورواه زائدة كما في مسند أحمد عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. وقيل: عن إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، ذكره الدارقطني في العلل (١٣/ ٢١٩). ورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٢٣٥١) قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: المؤذن يشهد له كل رطب ويابس سمعه. وهذا موقوف من قول مجاهد. قال الدارقطني في العلل (٨/ ٢٣٦): «يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه محمد بن عبيد الطَّنَافِسِيُّ، وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة. وقال عمار بن زريق: عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر. وقال غيرهم: عن الأعمش، عن مجاهد مرسل، والمرسل أشبه». لكنه ﵀ قال في العلل (١٣/ ٢١٩) «والصحيح عن مجاهد، عن ابن عمر». والذي يظهر لي والله أعلم أن طريق الأعمش طريق مضطرب، مع ما في رواية الأعمش عن مجاهد من الكلام. قال ابن طهمان: سمعت يحيى، يعني ابن معين، يقول: الأعمش سمع من مجاهد، وكل شيء يروى عنه لم يسمع، إنما مرسلة مدلسة. «من كلام أبي زكريا في الرجال» (٩٥). وقال أبو حاتم الرازي: الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس. «علل الحديث» (٢١١٩). وله شاهدان من حديث البراء بن عازب، وحديث أبي أمامة. أما حديث البراء فرواه أحمد، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي إسحاق الكوفي، عن البراء بن عازب، أن نبي الله ﷺ، قال: إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه. وأخرجه النسائي في المجتبى (٦٤٦)، وفي الكبرى (١٦١٠)، والروياني في مسنده (٣٢٨)، والطبراني في الأوسط (٨١٩٤) والسراج في مسنده (٦٠٢)، من طريق معاذ بن هشام به. جاء في فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٢٦): «وأبو إسحاق هذا قال أحمد: ما أظنه السبيعي، وذكر الترمذي في العلل أنه لا يعرف لقتادة سماعًا من أبي إسحاق الكوفي». وقال البرديجي في جامع التحصيل (ص: ٢٥٥): وحدث عن أبي إسحاق، ولا أدري أسمع=
[ ١ / ٤٩ ]
الدليل الثاني:
(ح-٢١) وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (^١).
[ضعيف] (^٢).
_________________
(١) = منه أم لا، والذي يقر في القلب أنه لم يسمع منه، والله أعلم». اه وقال ابن عدي في الكامل (٨/ ١٨٤) في ترجمة معاذ بن هشام: «هكذا رواه قتادة، من رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عنه، فقال: عن أبي إسحاق، عن البراء. وهكذا رواه أبو سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء، وأسقط بين أبي إسحاق والبراء اثنين، فإن أصحاب أبي إسحاق رووه عن أبي إسحاق، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء». قلت: وإذا علم أن الواسطة كان ثقة لم يضر، فطلحة وابن عوسجة ثقتان. وأما حديث أبي أمامة، فرواه الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٤٢) حدثنا إبراهيم بن صالح الشيرازي، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: المؤذن يغفر له مدى صوته، وأجره مثل أجر من صلى معه. وفي إسناده جعفر بن الزبير الباهلي، متروك، قال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث، لا أرى أن أحدث عنه، وهو متروك الحديث. وقال أحمد: اضرب على حديث جعفر بن الزبير. اه فلا يصلح شاهدًا.
(٢) مسند أبي داود الطيالسي (٢٥٢٦).
(٣) الحديث يرويه أبو صالح السمان، وله طرق عن أبي صالح، منها: الطريق الأول الأعمش، عن أبي صالح. واختلف على الأعمش، فقيل: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. رواه زائدة كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٤٠٤). وأبو معاوية كما في سنن الترمذي (٢٠٧)، والمعجم الأوسط للطبراني (٧٤). وأبو الأحوص كما في سنن الترمذي (٢٠٧). ومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٣٨)، ومسند أحمد (٢/ ٢٨٤). =
[ ١ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والثوري كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٣٨)، ومسند أحمد (٢/ ٢٨٤، ٤٦١، ٤٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٢٨). ومحمد بن عبيد كما في مسند أحمد (٢/ ٤٢٤). وسفيان بن عيينة كما في مسند الحميدي (١٠٢٩)، وصدقة بن أبي عمران، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٣٠٥٤)، وشريك كما في مسند ابن الجعد (٢١١٨)، ومشكل الآثار (٢١٨٦)، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وكل هؤلاء رووه عن الأعمش، عن أبي صالح بالعنعنة. وخالف هؤلاء اثنان: أحدهما: هشيم، كما في مشكل الآثار للطحاوي (٢١٨٧) فرواه عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. فصرح بالتحديث. وقد أنكر الإمام أحمد رواية هشيم، وقوله عن الأعمش: حدثنا أبو صالح. جاء في مسائل أحمد رواية أبي داود (١٨٧١): «سمعت أحمد يقول: هشيم لم يسمع حديث أبي صالح: (الإمام ضامن) من الأعمش، وذاك أنه قيل لأحمد: إن هشيمًا قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أرىَ لهذا الحديث أَصْلًا». والثاني: أبو حمزة السكري، فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فزاد فيه: (فقال رجل: يا رسول الله تركتنا نتنافس في الأذان، قال: إن بعدكم زمانًا سفلتهم مؤذنوهم). وهذه الزيادة شاذة، لم يذكرها أحد ممن روى هذا الحديث عن الأعمش، قال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٩٥): «ليست هذه الألفاظ محفوظة». وقال أبو يعلى الخليلي كما في الإرشاد (٣/ ٨٨٥): «هذه اللفظة لا تروى إلا من رواية أبي حمزة، وربما هذا من قول بعض الرواة، ولا يصح عن النبي ﷺ». وقال الذهبي في الميزان (١/ ١٢٥): «زيادة منكرة». وقيل: عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. رواه أحمد (٢/ ٢٣٢)، وأبو داود (٥١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٣٠) عن محمد ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وذكر الترمذي في سننه معلقًا (١/ ٤٠٢)، قال: أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. =
[ ١ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٩٥): «وقال إبراهيم بن حميد الرؤاسي: عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال الأعمش: وقد سمعته من أبي صالح». انفرد بهذا إبراهيم بن حميد الرؤاسي، ولم يلتفت الدارقطني إلى روايته هذه، وأعلها بالاضطراب، كما لم يلتفت الإمام أحمد إلى رواية هشيم، وتصريحه بالتحديث. وقيل: الأعمش، حدثت عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته، عن أبي هريرة. رواه أحمد (٢/ ٣٨٢) وأبو داود (٥١٨)، وابن خزيمة (١٥٢٩)، والبيهقي (١/ ٤٣٠ - ٤٣١) عن عبد الله بن نمير، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته، من أبي هريرة. ورواه الترمذي في العلل الكبير (٩١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢١٩٣) من طريق شجاع بن الوليد، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وليس فيه قوله: ولا أراني إلا قد سمعته من أبي هريرة. ففي رواية ابن فضيل التصريح بالانقطاع بزيادة رجل مجهول، وفي رواية ابن نمير الشك في الاتصال بظن السماع. والمدلس إذا صرح بالسماع، ثم كشف جمع الطرق عن واسطة، فهذه علة ظاهرة. قال ابن خزيمة: «رواه ابن نمير، عن الأعمش، وأفسد الخبر، أخبرنا الأشج، أخبرنا ابن نمير، عن الأعمش قال: حدثت عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ». فاعتبر الظن في سماعه من أبي صالح مفسدًا للرواية، وكذا صرح الدارقطني في العلل، وليس كما يصنع بعض أهل العلم والفضل في عصرنا فيجعل الظن منه دليلًا على أنه قد سمعه منه، والله أعلم. وقال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٣٢): «وهذا الحديث لم يسمعه الأعمش باليقين من أبي صالح، وإنما سمعه من رجل، عن أبي صالح». وروى ابن معين عن الثوري كما في تاريخ ابن معين رواية الدوري (٢٤٣٠)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٨٢)، قال: حديث الأعمش، عن أبي صالح (الإمام ضامن) لا أراه سمعه من أبي صالح. وكذا رواه يحيى بن سعيد القطان عن الثوري كما في اللطائف من دقائق المعارف لأبي موسى المديني (٩٤٤). وانظر سنن البيهقي (٣/ ١٢٦). وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٣٥): «ومعنعن الأعمش عرضة لتبين الانقطاع، فإنه مدلس، وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس، فإنه إذا كان ثقة يختلف في قبول معنعنه ما لم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، فإنه إذا قال ذلك قبل إجماعًا؛ لثقته، وإذا لم يقل ذلك قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنه لم يسمعه، =
[ ١ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورده آخرون ما لم يتبين أنه سمعه، فهذا الحديث من ذاك القبيل، فإن أبا داود قد بين فيه الانقطاع فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين. حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، قال: نبئت عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعت منه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر مثله. ففيه -كما ترى- التصريح بالانقطاع في رواية ابن فضيل بزيادة رجل مجهول، والشك في الاتصال، بظن السماع في رواية ابن نمير، فليس ينبغي وحاله هذه أن يجزم أنه سمعه منه. وفي كتاب عباس الدوري عن ابن معين، أنه قال، قال سفيان الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح». اه كلام ابن القطان الفاسي. وقيل: زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. رواه أحمد (/ ٣٧٧، ٥١٤) والطحاوي في مشكل الآثار (٢١٩٤)، والطبراني في المعجم الصغير (٢٦٥) والأوسط (٣٦٠)، والبزار (٨٩٢٤)، وابن خزيمة (١٥٣٠) عن موسى بن داود، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ. جاء في سؤالات الآجري لأبي داود (١/ ٢٢٥): «سألت أبا داود عن حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة الإمام ضامن، قال: لم يسمعه أبو إسحاق من أبي صالح». وقال البزار (١٥/ ٣٥٢): «وهذا الحديث إنما يعرف من حديث الأعمش، ولا أحسب أبا إسحاق سمعه من أبي صالح». وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٩٦): «ورواه زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قاله موسى بن داود عنه، فإن كان موسى حفظه، فقد أغرب به، وحدث به الفضل بن محمد العطار، وكان ضعيفًا، عن أبي خيثمة مصعب بن سعيد، عن زهير، عن أبي إسحاق أيضًا. وقال غيرهما: عن زهير، عن الأعمش، وهو الصواب». فرجع طريق زهير إلى طريق الأعمش، وقد علمتَ ما فيه. ورواه سهيل، عن أبيه (أبي صالح)، عن أبي هريرة. واختلف على سهيل: فرواه الدراوردي من رواية قتيبة بن سعيد عنه، كما في مسند أحمد (٢/ ٤١٩) وابن حبان (١٦٧٢). ومحمد بن جعفر كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٤٣٠). وابن عيينة كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٣٩). =
[ ١ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعباد بن إسحاق كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٣٨). وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمار كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٣١). كلهم (الدراوردي، ومحمد بن جعفر، وابن عيينة وعباد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومحمد بن عمار) رووه عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، به. وخالفهم روح بن القاسم كما في المعجم الصغير للطبراني (٢١٤). والدراوردي من رواية أبي مروان العثماني وأحمد بن عبدة كما في اللطائف من دقائق المعارف لأبي موسى المديني (٤٤٧). ومحمد بن جعفر، كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٤٣٠)، ومعجم ابن المقرئ (١٠٠٨). ويعقوب بن حميد كما في اللطائف من دقائق المعارف (٤٣). وعبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي حازم كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٠/ ١٩٢). كلهم رووه عن سهيل بن أبي صالح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. فرجع حديث سهيل بن أبي صالح إلى حديث الأعمش، وقد علمت ما فيه. وبهذا يتبين لك أن الحديث على اختلاف طرقه يرجع إلى حديث الأعمش، ولم يسمعه من أبي صالح. وهذه الطرق كلها عن أبي هريرة مرفوعًا، وروي عن أبي هريرة موقوفًا، وهي الرواية القديمة عن الأعمش. قال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥): «ورواه أبو شهاب الحناط، عن الأعمش موقوفًا. قال أبو شهاب: وحدثني بعض أصحابنا أنه رفعه بعد ذلك». وقيل: عن أبي صالح، عن عائشة، مرفوعًا. أخرجه أحمد (٦/ ٦٥) وإسحاق بن راهويه (١١٢٤)، وأبو يعلى في مسنده (٤٥٦٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢١٩٥)، وابن حبان (١٦٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٢٥، ٤٣٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٧٦) من طريق محمد بن أبي صالح، عن أبيه، أنه سمع عائشة. وهذا سند منكر، انفرد به محمد بن أبي صالح، وهو رجل ضعيف. وقد خالفه الأعمش، وسهيل، وأبو إسحاق وهم أوثق منه، فرووه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقد اختلف العلماء في الأصح من الحديثين، هل حديث الأعمش، أو حديث محمد بن أبي صالح؟ ولا يعني الاختلاف في الأصح الاختلاف في عدم صحة الحديث، لأن القول بالأصح لا يعني القول بالصحة. كما هو معلوم. =
[ ١ / ٥٤ ]
قال الشافعي في الأم: «أُحِبُّ الأذانَ؛ لقول رسول الله: اللهم اغفر للمؤذنين، وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها» (^١).
_________________
(١) = فاختار أبو زرعة فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (٩٢)، وأبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٨١) أن حديث أبي هريرة أصح من حديث عائشة. وقال ابن خزيمة: الأعمش أحفظ من مائتين مثل محمد بن أبي صالح. وقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٩١): إنه هو الصواب. وقال البرقاني كما في سؤالاته للدارقطني (٤٦٧): «سألت الدارقطني عن حديث نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشه (الإمام ضامن). قال: محمد هذا مجهول، وقيل هو أخو سهيل، يترك هذا الحديث». وقال البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (٩٢): إن حديث عائشة أصح. جاء في العلل الكبير للترمذي (ص: ٦٥): «سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح من حديث أبي هريرة في هذا الباب، وسألت أبا زرعة فقال: حديث أبي هريرة أصح عندي من حديث عائشة، وذكر عن علي بن المديني قال: لا يصح حديث عائشة ولا حديث أبي هريرة، وكأنه رأى أصح شيء في هذا الباب عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا». فإن قيل: كيف يكون حديث عائشة أصح عند البخاري من حديث الأعمش؟ قيل: إن محمد بن أبي صالح، وإن كان ضعيفًا إلا أنه معلوم، بخلاف الأعمش عن رجل، عن أبي صالح، فإنه مبهم غير معلوم، هذا وجه ترجيح البخاري ﵀. وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٩٦): «وفي إسناد الحديث اختلاف كثير، وقد روي موقوفًا على أبي هريرة ..». وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٩٧): «وقد اضطرب الحديث، عن أبي صالح، وزعم علي بن المديني أن حديث يونس، عن الحسن مرسل، عن النبي ﷺ بذلك أحبها إليه، وأحسنها إسنادًا». هـ وقد أخطأ ابن حبان عليه رحمة الله فصحح الحديث من مسند أبي هريرة ومن مسند عائشة، كما صحح الموقوف، ولم ير أن مثل هذا الاختلاف علة في الحديث، فقال في صحيحه (٤/ ٥٦٠): «سمع هذا الخبر أبو صالح السمان عن عائشة على حسب ما ذكرناه، وسمعه من أبي هريرة مرفوعًا، فمرة حدث به عن عائشة، وأخرى عن أبي هريرة، وتارة وقفه عليه ولم يرفعه، وأما الأعمش فإنه سمعه من أبي صالح عن أبي هريرة موقوفًا، وسمعه من سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا، وقد وهم من أدخل الأعمش بين سهيل وأبيه؛ لأن الأعمش سمعه من سهيل، لا أن سهيلًا سمعه من الأعمش».
(٢) الأم (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٥٥ ]
الدليل الثالث:
(ث-١) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا وكيع، عن عبيد الله بن الوليد، عن عبيد الله بن عبيد بن عمير،
عن عائشة، قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
[ضعيف جدًّا] (^١).
قال ابن رجب: «قد قيل إنها نزلت في المؤذنين، روي عن طائفة من الصحابة» (^٢).
الدليل الرابع:
(ث-٢) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا شريك، عن جابر، عن عامر،
عن سعد، قال: لأن أقوى على الأذان أحب إليَّ من أن أحجَّ، وأعتمرَ، وأجاهدَ (^٣).
[ضعيف جدًّا] (^٤).
الدليل الخامس:
(ث-٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا يزيد ووكيع، عن إسماعيل، قال: قال قيس:
قال عمر: لو كنت أطيق الأذان مع الخِلِّيفى لأذَّنت (^٥).
_________________
(١) في إسناده عبيد الله بن الوليد، ضعيف جدًّا، وقد اختلف عليه في إسناده: فرواه وكيع مرة عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٤٧)، عن عبيد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة. ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٩١)، وابن أبي شيبة أيضًا (٢٣٤٨) عن وكيع، كلاهما، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، حدثنا محمد بن نافع، عن عائشة. قال البخاري في التاريخ الكبير محمد بن نافع، عن عائشة، ولم يذكر سماعًا منها، روى عنه الوصافي. اه يعني عبيد الله بن الوليد.
(٢) فتح الباري (٥/ ١٨٠).
(٣) المصنف (٢٣٣٦).
(٤) ومن طريق شريك أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٨٤). وشريك، سَيِّئُ الحفظ، وجابر الجعفي ضعيف جدًّا.
(٥) المصنف (٢٣٤٥).
[ ١ / ٥٦ ]
[صحيح] (^١).
• ويجاب:
بأن معنى الأثر لولا الخلافة لأذنت أي مع الإمامة، وليس في تفضيل الأذان مطلقًا.
الدليل السادس:
(ث-٤) ما رواه يعقوب بن سفيان في مشيخته، من طريق غياث بن عبد الحميد، عن مطر عن الحسن،
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المجاهدين وهو فيما بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله في دمه (^٢).
[ضعيف] (^٣).
الدليل السابع:
(ث-٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد، عن الربيع بن صبيح، قال أخبرنا أبو فاطمة رجل قد أدرك أصحاب النبي ﷺ، قال:
قال ابن مسعود: لو كنت مؤذنًا ما باليت أن لا أحج، ولا أغزو (^٤).
[ضعيف] (^٥).
_________________
(١) ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد رواه البيهقي في السنن (١/ ٦٢٧، ٦٣٦). وتابع بيان البجلي إسماعيل بن أبي خالد، كما في الصلاة لأبي نعيم (١٩٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٣٣٤)، ومصنف عبد الرزاق (١٨٦٩)، ومشكل الآثار للطحاوي (٥/ ٤٤٤)، ومسند مسدد كما في المطالب العالية (٢٣٢).
(٢) مشيخة يعقوب بن سفيان (٧٤).
(٣) ومن طريق يعقوب بن سفيان أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٥٦٦). وفي إسناده غياث بن عبد الحميد، قال العقيلي: مجهول بالنقل، لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به. وقال الذهبي: يعرف بحديث منكر، ما أظن له غيره. اه ومطر بن طهمان كثير الخطأ. والحسن البصري لم يسمع من سعد بن أبي وقاص، وكان كثير الإرسال.
(٤) المصنف (٢٣٤٤).
(٥) الربيع بن صبيح رجل عابد، وليس الحديث من صنعته، وأبو فاطمة رجل مجهول.
[ ١ / ٥٧ ]
• حجة من قال: الأذان والإمامة سواء في الفضل:
هؤلاء نظروا إلى أدلة الفريقين، فأخذوا منهما أنهما سواء في الفضل.
• حجة من قال: الأذان أفضل إلا لمن قام بجميع خصال الإمامة:
هؤلاء رأوا أن القيام بجميع خصال الإمامة يؤدي إلى القيام بأنواع كثيرة من القربات تجعله أفضل من الأذان؛ لأن المطلوب في الأذان هو معرفة الوقت، وقوة الصوت، والمطلوب للإمامة أن يكون قارئًا لكتاب الله، متعلمًا لأحكام الإمامة، ونحو ذلك؛ ولأن الأذان وسيلة، والإمامة غاية، والله أعلم.
• الراجح:
أرى أن أقرب الأقوال للصواب أن الإمامة أفضل، وقد قُدِّمَ أبو بكر لإمامة الصلاة للمسلمين، لكونه أفضلهم، وفهم من ذلك أفضليته للإمامة الكبرى، والله أعلم.
[ ١ / ٥٨ ]