المدخل إلى المسألة:
• لا يصح حديث في إدخال الأصبعين في الأذنين حال الأذان.
• المقصود من الأذان هو الإعلام، وهو لا يتوقف على هذه الصفة.
• استحباب وضع الأصبعين في الأذنين معلل بأنه أرفع للصوت، وأبلغ في الإعلام، وهذا يعني أنه ليس مطلوبًا لذاته، فينتفي استحبابه مع مكبرات الصوت.
• عبادة الأصابع، منها ما هو مطلوب فعله كتخليلها في الوضوء، والإشارة بالسبابة في التشهد، والتسبيح بها أدبار الصلوات، ومنها ما هو مطلوب تركه، كتشبيكها في الصلاة، ومنها ما هو مختلف فيه بين الإباحة والاستحباب كوضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان.
[م-٥٧] اختلف الفقهاء في حكم وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان:
فقيل: مستحب، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، اختاره ابن حبيب من المالكية (^١).
قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه،
_________________
(١) المبسوط (١/ ١٣٠)، الحجة على أهل المدينة (١/ ٧٦)، تحفة الفقهاء (١/ ١١٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، الهداية في شرح البداية (١/ ٤٣)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، البحر الرائق (١/ ٢٧٤)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٢٨٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٩)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٥)، فتح العزيز (٣/ ١٩٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٣)، المجموع (٣/ ١٠٨)، أسنى المطالب (١/ ١٢٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٤)، المغني (١/ ٢٥٣)، كشاف القناع (١/ ٢٤٠)، الإنصاف (١/ ٤١٧).
[ ١ / ٤٤١ ]
قال: إي والله (^١).
وقال مالك: ذلك واسع، إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وهذا يعني الإباحة (^٢).
قال ابن جزي: «ويجوز أن يجعل أصابعه في أذنيه، واستحبه أبو حنيفة» (^٣).
فجعل ابن جزي الجواز في مقابل الاستحباب، وهذا يعني الإباحة.
ومال البخاري في صحيحه إلى عدم الاستحباب (^٤).
وقال ابن رجب: سهل أحمد في تركه (^٥).
وقال الحنفية: إن لم يفعل ذلك فحسن؛ لأنها ليست بسنة أصلية (^٦).
وقيل: يجعل أصبعه في إحدى أذنيه، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد (^٧).
وكان ابن سيرين يدخل أصبعيه في أذنيه إذا بلغ الحيعلة (^٨).
وقيل: يستحب في الإقامة، وهو قول إسحاق، والأوزاعي، ورواية الحسن
_________________
(١) المسائل التي حلف عليها أحمد (ص: ٦٤).
(٢) المدونة (١/ ٥٩). وفي مواهب الجليل: «إن شاء جعل أصبعيه في أذنيه في أذانه وإقامته، وإن شاء ترك … وقيل: إنه مستحب للمؤذن، قاله أبو محمد، عن ابن حبيب». فنص على الجواز، وذكر الاستحباب بصيغة التمريض منسوبًا لابن حبيب. وانظر: النوادر والزيادات (١/ ١٦٣)، التوضيح (١/ ٢٩٤).
(٣) القوانين الفقهية (ص: ٣٧).
(٤) قال البخاري في صحيحه (١/ ١٢٩): ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه في أذنيه، وكان ابن عمر لا يجعل أصبعيه في أذنيه. اه قال الحافظ ابن رجب في شرح البخاري (٥/ ٣٨٢): «ظاهر كلام البخاري يدل على أنه غير مستحب؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر، وأما الحديث المرفوع فعلقه بغير صيغة الجزم، فكأنه لم يثبت عنده».
(٥) المرجع السابق (٥/ ٣٨٣).
(٦) فتح القدير (١/ ٢٤٥)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٣)، تبيين الحقائق (١/ ٩٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٦).
(٧) بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٨٣).
(٨) المصنف لابن أبي شيبة (٢١٨٧) عن أبي أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، وسنده صحيح.
[ ١ / ٤٤٢ ]
عن أبي حنيفة، وعند المالكية الإقامة كالأذان على الإباحة (^١).
• دليل الجمهور على استحباب وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان:
الدليل الأول:
(ح-١٦٥) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، فأتتبع فاه ههنا وههنا، وإصبعاه في أذنيه، قال: ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء، قال: فخرج بلال بين يديه بالعنزة، فركزها بالأبطح، فصلى رسول الله ﷺ إليها الظهر والعصر يمر بين يديه الكلب، والحمار، والمرأة، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه (^٢).
[صحيح، وزيادة الدوران ووضع الأصبعين في الأذنين ليست محفوظة، لم يسمعها سفيان من عون] (^٣).
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/ ١١٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٠)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٩)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٤٩٢، ٤٩٣)، الأوسط (٣/ ٢٧)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ١١٦)، كوثر المعاني الدراري (٨/ ٣٢٣).
(٢) المصنف (١٨٠٦).
(٣) جاء في التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ١٥): «وقال محمد بن يوسف، عن سفيان حدثت عن عون، عن أبيه أن بلالًا كان يجعل أصبعيه في أذنيه». فهذا صريح أن سفيان لم يسمع من عون وضع الأصبعين في الأذنين. وقد تحرفت كلمة (محمد بن يوسف) إلى محمد بن سيف، وتحرفت لفظة (حدثت) إلى كلمة (حريث) والتصحيح من تغليق التعليق لابن حجر (٢/ ٢٧١). قال ابن رجب في فتح الباري (٥/ ٣٧٦): «روى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة، أن بلالًا كان يجعل أصبعيه في أذنيه، فرواية وكيع، عن سفيان تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه …». والحديث قد اشتمل على لفظتين مختلف فيهما: إحداهما: الدوران، وسيأتي الكلام عليها عند الكلام على سنة الالتفات إن شاء الله تعالى. والثانية: في وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان. وحتى نستكشف هل وضع الأصبعين في الأذنين محفوظ من حديث أبي جحيفة؟ نقول: إن حديث أبي جحيفة رواه عنه ثلاثة: اثنان لم يختلف عليهما في عدم ذكر وضع الأصبعين في الأذنين، وهما: =
[ ١ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأول: الحكم بن عتيبة، عن أبي جحيفة، وروايته في الصحيحين. أخرجه البخاري (١٨٧) حدثنا آدم. وأخرجه البخاري (٥٠١) والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٤) ح ٣٢٠، حدثنا سليمان بن حرب. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩)، والبخاري (٣٥٥٣) والطبراني في الكبير (٢٢/ ١١٥) ح ٢٩٤ من طريق حجاج بن محمد الأعور. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩)، ومسلم (٥٠٣) والنسائي في المجتبى (٤٧٠) وفي الكبرى (٣٤١)، من طريق محمد بن جعفر. وأخرجه الطيالسي (١٠٤٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٨). وعلي بن الجعد في مسنده (١٣٧). وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٧) حدثنا عفان. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨) من طريق بهز. وأخرجه الدارمي (١٤٤٩) أخبرنا أبو الوليد الطيالسي. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٨٩١)، ومسلم أيضًا (٢٥٣ - ٥٠٣) من طريق ابن مهدي. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٤) ح ٣٢٠ وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٨) من طريق عاصم بن علي. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٤) ح ٣٢٠ وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٨) من طريق محمد بن كثير، كلهم اثنا عشر راويًا، رووه عن شعبة، عن الحكم ابن عتيبة، عن أبي جحيفة. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٤) من طريق يزيد بن هارون، وسفيان بن الحسين، عن الحكم به. ورواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٣٥) من طريق مسعر بن كدام، عن الحكم به، فهذه متابعة لشعبة في روايته عن الحكم. قال أبو نعيم: غريب من حديث مسعر لم نكتبه إلا من حديث الوليد بن عبد الملك. يعني عن مخلد بن يزيد عن مسعر. الطريق الثاني: أبو إسحاق عن أبي جحيفة. أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨، ٣٠٩) ويعقوب بن سفيان كما في المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣١)، من طريق إسرائيل. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨) والبزار في مسنده (٤٢٠٩)، الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٢) =
[ ١ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ح ٣١٤ من طريق يونس. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٧) حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر (يعني ابن عياش). وأخرجه السراج في حديثه (١٧٠٤)، وفي مسنده (١٤٤٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٢) ح ٣١٢ من طريق أبي الأحوص. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٢٢) ح ٣١٥ من طرق عن شريك. كلهم (إسرائيل، ويونس، وزهير، وأبو الأحوص، وابن عياش، وشريك) رووه عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة به بذكر صلاة العصر بالأبطح فقط، ولم يذكر أذان بلال. وخالفهم زهير بن معاوية، رواه أحمد (٤/ ٣٠٨)، وابن منيع كما في صحيح ابن خزيمة (٢٩٩٤) كلاهما (أحمد وابن منيع) عن حسن بن موسى، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فزاد في إسناده واسطة بين أبي إسحاق وبين أبي جحيفة. وزهير ممن سمع من أبي إسحاق بآخرة. وقد رواه زهير بن معاوية كرواية الجماعة أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٩٩) ح ٢٤١، من طريق المعافى بن سليمان، ورواه أيضًا (٢٢/ ١٢٢) ح ٣١٣، من طريق عمرو بن خالد الحراني، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٦٥٢)، من طريق الحسن بن موسى الأشيب، ثلاثتهم (المعافى، والحراني، والأشيب) عن زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن أبي جحيفة به. فهذا (الحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق) لم يختلف عليهما في لفظ الحديث في عدم ذكر الأذان، وقصر أبو إسحاق السبيعي فلم يذكر صلاة الظهر. الطريق الثالث: عون بن أبي جحيفة، عن أبيه. واختلف فيه على عون بن أبي جحيفة في ذكر وضع الأصبعين في الأذنين والاستدارة، وسوف نذكر أولًا الرواة الذين رووه عن عون وذكروا تلك الزيادة، ثم نذكر الرواة الذين رووا الحديث عنه دون ذكرها لنقف على أيهما أرجح: الطرق التي جاء فيها ذكر هذه الزيادة: الأول: سفيان الثوري، واختلف عليه فيه: فرواه عبد الرزاق في المصنف (١٨٠٦)، ومن طريقه أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨)، والترمذي (١٩٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢/ ٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠١) ح ٢٤٨، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٦)، والحاكم في المستدرك (٧٢٥)، عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة به، =
[ ١ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بذكر زيادة وضع الأصبعين في الأذنين. وتارة يرويه عبد الرزاق دون ذكرها كما في المصنف (٢٣١٤) ومن طريقه أخرجه أبو عوانة (١٤٠٥). كما رواه الترمذي (١٩٧) حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق به، بذكر الزيادة. وأعاده الترمذي في الشمائل المحمدية (٦٤) بالإسناد نفسه عن محمود بن غيلان، دون ذكر الزيادة. فصار لعبد الرزاق روايتان، تارة يذكر وضع الأصبعين في الأذنين، وتارة لا يذكرها، وهل هذا اختلاف على عبد الرزاق، أو أن عبد الرزاق تارة يختصر الحديث، فلا يذكر تلك الزيادة، وتارة ينشط، فيروي الحديث بذكرها؟ فيه احتمال، وإن كنت أميل إلى الاحتمال الثاني. ورواه مؤمل بن إسماعيل، واختلف عليه فيه: فرواه البزار في مسنده (٤٢١٧) حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان به، دون ذكر وضع الأصبعين في الأذنين. وخالفه محمد بن أبي بكر عند أبي عوانة في مستخرجه (٩٦٢) قال: حدثنا مؤمل به بذكر وضع الأصبعين في الأذنين. والحمل على مؤمل في هذا الاختلاف، فإنه سيئ الحفظ. هذان هما الطريقان عن سفيان اللذان جاء فيهما ذكر زيادة وضع الأصبعين في الأذنين، وقد رواه عن سفيان جمع من الحفاظ، لم يذكروا ما ذكره عبد الرزاق ومؤمل، منهم. الأول: محمد بن يوسف، كما في صحيح البخاري (٦٣٤) وسنن الدارمي (٧٦٥) ومستخرج أبي عوانة (١٤٠٤). الثاني: وكيع، كما في مسند أحمد (٤/ ٣٠٨) ومصنف ابن أبي شيبة (٢١٧٩)، وصحيح مسلم (٥٠٤) وسنن أبي داود (٥٢٠)، والنسائي، ومسند أبي يعلى (٨٨٧)، ومعجم الطبراني الكبير (٢٢/) وصحيح ابن خزيمة (٢٩٩٥)، وابن حبان (٢٣٩٤)، وسنن البيهقي الكبرى (٣/ ١٥٦). الثالث: محمد بن منصور، كما في سنن النسائي (١٣٧). الرابع: عبد الرحمن بن مهدي، كما في مسند أحمد (٤/ ٣٠٨)، وسنن النسائي في المجتبى (٧٧٢) وفي الكبرى (٨٥٠) وابن خزيمة (٣٨٧)، وابن حبان في صحيحه (٢٣٣٤). الخامس: إسحاق الأزرق كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٣٧٨) وصحيح ابن خزيمة بإثر حديث (٣٨٧). =
[ ١ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السادس: سفيان بن عيينة، كما في مستخرج أبي عوانة (١٤٠٩) ومستدرك الحاكم. وقد تحرف اسم سفيان بن عيينة عند الحاكم إلى إبراهيم بن عتبة، والتصحيح من إتحاف المهرة (١٣/ ٦٨٧)، وقد ذكر المحقق أنه قد راجع مخطوطة المستدرك فوجد فيه سفيان بن عيينة، وهكذا عزاه ابن رجب للحاكم في شرحه للبخاري (٥/ ٣٧٦). السابع: الحسين بن حفص، كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٩٤). سبعتهم (وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن يوسف، وسفيان بن عيينة، وإسحاق الأزرق، ومحمد بن منصور، والحسين بن حفص) كلهم رووه عن سفيان به، دون ذكر وضع الأصبعين في الأذنين. ولو خالف عبد الرزاق ومؤمل وكيعًا لقدم وكيع عليهما، كيف وقد خالفا أثبت الناس في الثوري: ابن مهدي، ووكيعًا. فمع شذوذ هذه الزيادة من سفيان ومؤمل، فإن سفيان لم يسمع هذه الزيادة من عون، فقد جاء في التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ١٥): «وقال محمد بن يوسف، عن سفيان حدثت عن عون، عن أبيه أن بلالًا كان يجعل أصبعيه في أذنيه». فهذا صريح أن سفيان لم يسمع من عون وضع الأصبعين في الأذنين. وقد تحرفت كلمة (محمد بن يوسف) إلى محمد بن سيف، وتحرفت لفظة (حدثت) إلى كلمة (حريث) والتصحيح من تغليق التعليق لابن حجر (٢/ ٢٧١). قال ابن رجب في فتح الباري (٥/ ٣٧٦): «روى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة، أن بلالًا كان يجعل إصبعيه في أذنيه، فرواية وكيع، عن سفيان تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه؛ ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم أيضًا، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل، والتنقيب عنها ﵁». وبين البيهقي أن هذه اللفظة مدرجة من رواية سفيان. قال البيهقي في السنن (١/ ٥٨١): «سفيان إنما روى هذه اللفظة في الجامع رواية العدني عنه، عن رجل لم يسمه، عن عون». وقال في الخلافيات كما في المختصر (١/ ٤٧٩) الاستدارة في الأذان ليست في حديث أبي جحيفة من الطريق المخرجة في الصحيح، والثوري إنما روى الاستدارة في هذا الحديث عن رجل، عن عون، سمعه من الحجاج بن أرطاة، عن عون، والحجاج لم يحتج به، وعبد الرزاق وهم في إدراجه في الحديث، والذي يدل على ذلك الحديث الذي أخبرناه وذكر إسنادًا عن عبد الله ابن الوليد (هو العدني) عن سفيان، حدثني عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو في قبة حمراء بالأبطح فخرج إلينا بلال، فجعلت أتبع فاه ههنا وههنا. =
[ ١ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وبإسناده حدثنا سفيان، حدثني من سمعه من عون، أنه كان يدور، ويضع يديه في أذنيه، وهذه رواية الحجاج بن أرطاة. ولعل سفيان أخذ زيادة وضع الأصبعين في الأذنين من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون، كما أخذ عنه الدوران، فإن حجاجًا معروف عنه رواية هذا الحديث بذكر وضع الأصبعين في الأذنين، كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. فقد روى الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٥) ح ٢٦١ من طريق يحيى بن آدم، عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا، فأذن، فأتبع فاه ههنا وههنا، والتفت يمينًا وشمالًا، قال سفيان: كان حجاج- يعني ابن أرطاة- يذكر لنا عن عون أنه قال: فاستدار في أذانه، فلما لقينا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة. اه وهذا ما جعل ابن خزيمة يقول في صحيحه (١/ ٢٠٣): «إدخال الأصبعين في الأذنين عند الأذان، إن صح الخبر؛ فإن هذه اللفظة لست أحفظها إلا عن حجاج بن أرطاة، ولست أفهم أسمع الحجاج هذا الخبر من عون بن أبي جحيفة أم لا؟ فأشك في صحة هذا الخبر لهذه العلة». فتبين من هذا أن هذه الزيادة قد أدرجت في حديث سفيان، عن عون من قبل عبد الرزاق. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ١١٥): «فهو مدرج من رواية سفيان، عن عون». هذه هي طرق الاختلاف على سفيان، ولا يشك الباحث بضعف رواية عبد الرزاق عن سفيان، ولا تنفعه متابعة مؤمل، وهو سيئ الحفظ، وقد جاءت الزيادة من طرق ضعيفة أخرى، عن عون غير طريق سفيان، وهي كالتالي: الطريق الثاني ممن ذكر الزيادة: حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة. رواه ابن أبي شيبة (٢١٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٨٩٤)، وابن ماجه في السنن (٧١١)، والبزار في مسنده (٤٢١٨، ٤٢٤٠)، والدارمي في سننه (١١٩٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (٩٦٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠٥) ح ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٦، وابن خزيمة في صحيحه (٣٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٥) رووه عن حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، بلفظ: أتيت رسول الله ﷺ، وهو بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال، فأذن، فاستدار في أذانه، وجعل إصبعيه في أذنيه. وعلة هذا الطريق حجاج بن أرطاة، فهو ضعيف، ومدلس. الطريق الثالث: ممن ذكر الزيادة قيس بن الربيع، عن عون بن أبي جحيفة. وقيس بن الربيع صدوق سيئ الحفظ، وقد تغير بآخرة، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، وقد اختلف على قيس بن الربيع فيه: =
[ ١ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه أبو داود (٥٢٠) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع، عن عون بن أبي جحيفة به، بلفظ: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ حي على الصلاة، حي على الفلاح، لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر، ثم دخل، فأخرج العنزة، وساق حديثه. وليس فيه ذكر وضع الأصبعين في الأذنين. والحديث في الصحيحين أنه التفت يمينًا وشمالًا، دون قوله: (ولم يستدر). ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١١٤) ح ٢٨٩ من طريق بلال الأشعري، ويحيى الحماني، واللفظ لبلال، عن قيس بن الربيع به، بلفظ: رأيت بلالًا خرج بالهاجرة، ومعه عنزة، فركزها، ثم قام يؤذن، فجعل أصبعيه في أذنيه، وجعل يقول برأسه هكذا وهكذا. ويحيى بن عبد الحميد الحماني رغم أني لم أقف على لفظه إلا أنه ضعيف، متهم بسرقة الحديث. وكذا بلال الأشعري صاحب اللفظ ضعيف أيضًا، قال البيهقي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب ويتفرد. ولينه أبو عبد الله الحاكم، وضعفه الدارقطني. لهذا لا يمكن أن يقدم بلال الأشعري، ويحيى الحماني على موسى بن إسماعيل، فموسى ثقة متفق على ثقته، من رجال الصحيحين، وقد رواه عن قيس بن الربيع دون وضع الأصبعين في الأذنين، فعلى هذا تكون الزيادة منكرة، والمنكر لا ينفع في الشواهد والمتابعات، كما أن في رواية قيس بن الربيع نفي الاستدارة، وهذه مخالفة لرواية حجاج بن أرطاة، والراجح أن النفي والإثبات ليسا محفوظين في حديث أبي جحيفة. والحمل في النفي على قيس بن الربيع، فإنه ضعيف، والله أعلم. الطريق الرابع ممن ذكر الزيادة إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة. روى الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠١) ح ٢٤٧ من طريق محمد بن نوح الرازي، حدثنا زياد ابن عبد الله، عن إدريس، عن عون بن أبي جحيفة به، بلفظ: أتينا رسول الله ﷺ وحضرت الصلاة، فقام بلال فأذن، فجعل أصبعيه في أذنيه، وجعل يستدير، وأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ هو وأصحابه، ففضل من الماء فضلة، فجعلنا نبتدر فضله، ثم أخرج عنزة فركزها، وأقام الصلاة، فصلى إليها الظهر ركعتين، والعصر ركعتين. ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٠، ١٠١) ح: ٢٤٥، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٧) من طريق زكريا بن يحيى زحمويه، حدثنا زياد به، مرة بلفظ: أن بلالًا كان يؤذن لرسول الله ﷺ بصوتين صوتين. ورواه الطبراني (٢٢/ ١٠٢) ح: ٢٤٦، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٠٧) من طريق زحمويه نفسه، بلفظ: أذن بلال لرسول الله ﷺ بمنى مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى. =
[ ١ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي إسناده زياد بن عبد الله البكائي، مختلف فيه، قال ابن حجر في حديثه عن غير ابن إسحاق لين. اه وقال الذهبي: من مناكيره حدثنا إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، وذكر الحديث في تثنية الإقامة. ميزان الاعتدال (٢/ ٩١). وقال ابن معين: لا بأس به في المغازي، وأما في غيرها فلا. وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس بالقوي. وقال ابن سعد: كان عندهم ضعيفًا وقد رووا عنه. وضعفه علي بن المديني، وقال مرة: كتبت عنه شيئًا كثيرًا وتركته. وقال الدارقطني: مختلف فيه، وليس عندي به بأس. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٠٧): «وهذا خبر باطل، ما أذن بلال لرسول الله ﷺ مثنى مثنى، وما أقام مثل ذلك قط، إنما كان أذانه مثنى مثنى، وإقامته فرادى، وهذا الخبر رواه الثوري والناس، عن عون بن أبي جحيفة بطوله، ولم يذكروا فيه تثنية الأذان ولا الإقامة، وإنما قالوا: خرج بلال، فأذن فقط». الطريق الخامس: هشيم وحماد، عن عون بن أبي حجيفة. قال في البدر المنير (٣/ ٣٧٨): «رواه أبو الشيخ الحافظ من حديث حماد وهشيم جميعًا، عن عون، عن أبيه، أن بلالًا أذن لرسول الله ﷺ بالبطحاء، فوضع أصبعيه في أذنيه، وجعل يستدير يمينًا وشمالًا». وهو كذلك في تلخيص الحبير (١/ ٥٠٧). وهشيم لا أعرف له رواية لعون، وإنما رواه هشيم عن حجاج بن أرطاة، عن عون، وسبق تخريج هذا الطريق. وأخشى أن تكون هشيم قد تصحفت وأن الصواب (هيثم)، فإنه مذكور من طلاب عون، وقد تأكد صواب هذا عندما رجعت إلى نصب الراية (١/ ٥٠٧) قال الزيلعي: «أخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأذان، عن حماد وهيثم جميعًا، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن بلالًا أذن لرسول الله ﷺ بالبطحاء، فوضع أصبعيه، وجعل يستدير يمينًا وشمالًا. ولم أجد لهيثم عن ابن عون إلا حديثًا واحدًا ضعيفًا جدًّا أيضًا، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١١١) ح ٢٨٣، والبيهقي في السنن الكبرى بلفظ: أبصر رسول الله ﷺ رجلًا يصلي، وقد سدل ثوبه، فدنا منه رسول الله ﷺ، فعطف عليه ثوبه. وقد تحرفت كلمة (فعطفه عليه) في الطبراني إلى (فقطعه إليه) والتصحيح من المعجم الصغير للطبراني. وفي إسناده حفص بن أبي داود، متهم بالوضع، والله أعلم. =
[ ١ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لم أجدًا أحدًا ممن اسمه حماد يروي عن ابن عون غير حماد بن تُحَيٍّ الكوفي، وهو مجهول، وقد روى عنه الدارقطني في المؤتَلِف والمختَلِف هذا الحديث (١/ ٣١١)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في تلخيص المشتبه في الرسم (١/ ٥٥)، دون ذكر وضع الأصبعين في الأذانين، ودون الاستدارة، بلفظ (إذا سافر صلى ركعتين حتى يرجع) وقد تكلمت على هذا الطريق عند الكلام على حكم الالتفات في الأذان، انظره في المسألة التالية دفعًا للتكرار. فمع قلة رواية هيثم وحماد بن تحي عن عون، لا يمكن الاعتماد عليهما مع مخالفتها للمحفوظ من رواية الصحيحين وغيرهما عن أبي جحيفة، والله أعلم. الطريق السادس: مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة. واختلف على مالك بن مغول: فروى الحاكم الحديث من طريق عبد الرزاق، عن سفيان بذكر وضع الأصبعين في الأذنين. ثم أتبعه الحاكم بطريق آخر حيث رواه من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ نزل الأبطح، ثم قال الحاكم: فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق. اه فأحال على رواية عبد الرزاق، والتي ذكر فيها إدخال الأصبعين في الأذنين. فلو قال الحاكم: بمثل رواية عبد الرزاق لكان ذلك يعني اتفاق الروايتين على ذكر إدخال الأصبعين في الأذنين، لكن لما قال: بنحو رواية عبد الرزاق، فهل يعني هذا أن رواية سفيان عن مالك بن مغول كرواية عبد الرزاق؟ هذا ما فهمه الحافظ ابن رجب في فتح الباري، وحسبك بالحافظ ابن رجب، قال في شرحه للبخاري (٥/ ٣٧٦): «إبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة، وقد ذمه الإمام أحمد ذمًّا شديدًا، وضعفه النسائي وغيره». والذي أميل إليه أن قوله: (بنحوه)، لا يعني أن رواية إبراهيم بن بشار فيها ذكر لوضع الأصبعين في الأذنين، خاصة أن أبا عوانة قد أخرج في مستخرجه (١٤٠٩) رواية إبراهيم بن بشار، وذكر لفظها، وليس فيها ذكر لوضع الأصبعين في الأذنين. كما أن رواية سفيان بن عيينة قد رواها الشافعي في مسنده (ص: ٥٩). والحميدي في مسنده (٩١٦). والنسائي (١٣٧) عن محمد بن منصور. والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠٣) ح ٢٥٥ من طريق حجاج بن إبراهيم الأزرق، أربعتهم (الإمام الشافعي والحميدي ومحمد بن منصور، وحجاج الأزرق) رووه عن سفيان ابن عيينة، عن مالك بن مغول، عن عون به، دون ذكر لوضع الأصبعين في الأذنين. =
[ ١ / ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا فيما يتعلق برواية سفيان بن عيينة، عن مالك بن مغول. وقد رواه آخرون عن مالك بن مغول، ولم يذكروا وضع الأصبعين في الأذنين، من ذلك: محمد بن سابق كما في صحيح البخاري (٣٥٦٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٤١٠). وزائدة بن قدامة كما في صحيح مسلم (٥٠٣)، والسنن الكبرى للنسائي (٤١٨٩)، ومعجم الطبراني الكبير (٢٥٦). وعبد القدوس بن بكر بن خنيس، كما في سنن ابن ماجه (١٠٠). ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، كما في مسند أحمد (٤/ ٣٠٧). وعثمان بن عمر، كما في سنن البيهقي، خمستهم رووه عن مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة به، وليس فيها ذكر لوضع الأصبعين في الأذنين. والذي يظهر لي أن اعتبار هذا الطريق من جملة الطرق التي وردت فيها الزيادة وهم، وأن الصحيح أن زيادة وضع الأصبعين في الأذنين لم يرد من حديث مالك بن مغول، ولولا أن الحافظ ابن رجب ﵀ اعتبر ذلك لأعرضت عنه صفحًا، والله أعلم. كما أن في رواية إبراهيم بن بشار تفردًا آخر، حيث تفرد بالرواية عن ابن عيينة، عن الثوري ومالك بن مغول، فجعل ابن عيينة يروي الحديث عن الثوري وابن مغول، وأصحاب ابن عيينة يروونه عنه، عن مالك بن مغول، ولا يذكرون فيه الثوري، وهو المحفوظ من رواية ابن عيينة. هذه هي الطرق التي جاء فيها ذكر وضع الأصبعين في الأذنين، عن عون، وما فيها من الاختلاف. وقد روى الحديث جماعة من الثقات عن ابن عون ولم يذكروا هذه الزيادة، منهم: شعبة، كما في البخاري (٤٩٩)، (٤٩٥) (٥٠١)، ومسلم (٢٥٣ - ٥٠٣)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. ومنهم عمر بن أبي زائدة، في البخاري (٣٧٦، ٥٧٨٦، ٥٨٥٩)، ومسلم (٥٠٣) وأكتفي بذكر الصحيحين عن غيرهما. ومنهم أبو العميس، في البخاري (٦٣٣)، ومسلم (٢٥١ - ٥٠٣)، وأكتفي في الصحيحين عن غيرهما. ومنهم مالك بن مغول في البخاري (٣٥٦٦) ومسلم (٥٠٣). فهؤلاء الأربعة كما ترى روايتهم في الصحيحين. كما رواه خارج الصحيح مسعر، وبسام الصيرفي، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وعبد الله بن المختار، وعبد الجبار بن العباس، وزيد بن أبي أنيسة، وأشعث بن سوار، وسماك ابن حرب، ورقبة بن مصقلة، والمسعودي، وابن أبي ليلى، وعبد الحميد بن أبي جعفر الفراء، كلهم رووه عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه دون ذكر هذه الزيادة، =
[ ١ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = انظر مصادر هذه الطرق: في رواية الحديث عند الكلام على مسألة الالتفات، فقد استكملت تخريجه هناك، ولله الحمد ولم أذكر المصادر دفعًا للتكرار. وله شاهدان، الأول: من حديث بلال، وله طريقان:. الطريق الأول: روى سعيد بن منصور في سننه كما في تغليق التعليق، قال سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ أنه كان لا يؤذن بصلاة الفجر حتى يرى الفجر، وأنه كان يدخل أصبعيه في أذنيه. ضعيف، في إسناده عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة، قال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: مضطرب الحديث، واهي الحديث. وقد اختلف فيه على ابن عياش: فرواه سعيد بن منصور، والطبراني في مسند الشاميين (١٣٤٨)، عن ابن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن بلال. ورواه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٤٩) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن محمد بن المنكدر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بلال، قال: كنا لا نؤذن بصلاة الفجر حتى نرى الفجر. اه وليس فيه ذكر لوضع الأصبعين في الأذنين. ورواه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٣٤) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن بلال بلفظ: (كان إذا أذن جعل إصبعيه في أذنيه، وكان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى). وأظن أن هذا التخليط من عبد العزيز بن عبيد الله، فإنه أضعف رجل في الإسناد، فالحمل عليه. قال ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٢٦٨): «وهذا الحديث الموقوف ضعيف من وجهين، الأول: الانقطاع فإن أبا بكر وأبا سلمة لم يلقيا بلالًا. والثاني: كونه من رواية إسماعيل بن عياش، عن الحجازيين، وهي ضعيفة ومعنعنة أيضًا». وقول الحافظ فيه نظر من وجوه: الوجه الأول: قوله عن هذا الحديث بأنه موقوف فيه نظر؛ فإن بلالًا لم يؤذن إلا في عهد رسول الله ﷺ، فيكون مرفوعًا أو له حكم الرفع. الوجه الثاني: قول الحافظ: إن هذا من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهم منه ﵀، فإن عبد العزيز بن عبيد الله حمصي، وليس حجازيًّا. =
[ ١ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الوجه الثالث: أن الحافظ لم يضعف الحديث بعبد العزيز بن عبيد الله، وهو متفق على ضعفه، بل هو أضعف رجل في الإسناد. الوجه الرابع: أنه ذكر وجهين من الاختلاف على ابن عياش، وترك الوجه الثالث من رواية جنادة بن أبي أمية، وكلها عند الطبراني. الطريق الثاني: رواه عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ، واختلف عليه: فقيل: عن عبد الرحمن بن سعد، عن عبد الله بن محمد وعمار وعمر ابني حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال. رواه الطبراني في الكبير (١/ ٣٥٣) ح ١٠٧٢، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، عن عبد الله بن محمد، وعمار وعمر ابني حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أن رسول الله ﷺ قال: إذا أذنت فاجعل أصبعيك في أذنيك فإنه أرفع لصوتك. ورواه البيهقي في السنن (١/ ٣٩٦) من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب به. جاء في الضعفاء الكبير (٢/ ٣٠٠): عن «عثمان بن سعيد، قال: قلت ليحيى بن معين: عبد الله ابن محمد بن عمار بن سعد، وعمار وعمر ابنا حفص بن عمر بن سعد، عن آبائهم، عن أجدادهم، كيف حال هؤلاء؟ قال: ليسوا بشيء». ورواه هشام بن عمار (صدوق إلا أنه كبر فتغير، وكان يلقن) رواه عن عبد الرحمن بن سعد، وخالف يعقوب بن حميد بن كاسب، إلا أنه قد اختلف فيه على هشام: فقيل: عنه، عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده. رواه ابن ماجه (٧١٠)، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في إذنيه. وتابع ابن ماجه كل من: يحيى بن محمد بن أبي صغير الحلبي كما في المعجم الصغير للطبراني (١١٧٠). وعبدان بن عبد الله بن عثمان بن جبلة كما في سنن البيهقي (١/ ٣٩٦)، وعبدان ثقة. فهؤلاء رووه عن هشام بن عمار موصولًا، وجعلوه من مسند سعد القرظ، وليس من مسند بلال. وقيل: عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن جده. رواه الطبراني (٦/ ٣٩) ح ٥٤٤٨ حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي (ثقة). ورواه الطبراني أيضًا (٥٤٤٨)، والحاكم في المستدرك (٦٥٥٤) عن بشر بن موسى، حدثنا الحميدي كلاهما (الأنماطي والحميدي)، عن عبد الرحمن بن عمار بن سعد القرظ، =
[ ١ / ٤٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يدخل أصبعيه في أذنيه، وقال: إنه أرفع لصوتك. فهنا الحميدي وهشام بن عمار قد نسبا عبد الرحمن إلى جده، فقالا: عبد الرحمن بن عمار، حدثني أبي: فإن كان يقصد سعدًا فقد أسقط من إسناده عمارًا، وصار الحديث مرسلًا. وإن كان يقصد بأبيه من نسبه إليه، وهو قد نسبه إلى عمار فقد أسقط سعدًا. وهو في كل الاحتمالين مخالف لرواية ابن ماجه والبيهقي، وفي كلا الطريقين مداره على عبد الرحمن بن سعد، وهو ضعيف، كأبيه وجده. ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣١٨٤) من طريق الحسن بن سفيان (ثقة حافظ)، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، حدثني أبي، عن جده أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يدخل أصبعيه في أذنيه، وقال: إنه أرفع لصوتك … وذكر بقية الحديث. فهنا هشام يرويه عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار، عن أبيه (سعد)، عن جده (عمار) فهي صريحة بالإرسال. ورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٥٠٧) ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ٤٣٢)، من طريق أبي يحيى محمد بن سعيد الخريمي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد ابن عمار بن سعد، حدثني أبي، عن آبائه، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يدخل أصبعيه في أذنيه … وذكر بقية الحديث. فهنا هشام يرويه عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن آبائه بصيغة الجمع، مرسلًا. وهذه الطرق كلها مدارها على عبد الرحمن بن سعد، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين، وقال عنه البخاري: فيه نظر. وقد يكون الحمل في بعضها على هشام بن عمار فإنه كان قد كبر فتغير، وكان يلقن، وإن كان هناك ترجيح من هذه الطرق على ضعفها، فإن الحميدي أرجح من هشام بن عمار، وقد تابعه هشام من رواية إسحاق الأنماطي عنه، ولا أقصد بالترجيح ما يبلغ به الاحتجاج، وإنما الأرجح من الطريقين الضعيفين. والله أعلم. وقد ضعف الحديث جماعة من أهل العلم، منهم ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٥٥)، وابن حجر في الفتح (٢/ ١١٥)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤٧)، والبوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٩٠، ١٣٢) وغيرهم. والشاهد الثاني: كثير بن مرة الحضرمي. أخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١١٨) من طريق سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يضع أصبعيه في أذنيه، =
[ ١ / ٤٥٥ ]
الدليل الثاني:
رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ، حدثني أبي، عن أبيه،
عن جده، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في إذنيه.
[ضعيف] (^١).
الدليل الثالث:
(ث-٣٣) روى أبو نعيم في كتابه الصلاة، قال: حدثنا حسن بن صالح، عن أبي سعد، قال: رأيت سويد بن غفلة يدخل إصبعيه في أذنيه (^٢).
[ضعيف جدًّا] (^٣).
(ث-٣٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف عن الحسن بن عمارة، عن طلحة ابن مصرف،
عن سويد بن غفلة قال: كان بلال، وأبو محذورة يجعلون أصابعهما في آذانهما بالأذان (^٤).
_________________
(١) = استعانة بهما على الصوت. وهذا ضعيف جدًّا، سعيد بن سنان رجل متروك. والخلاصة: أن حديث وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان إما حديث شاذ لا يصلح للاعتبار، كرواية عبد الرزاق، عن سفيان. وإما حديث ضعيف، والله أعلم.
(٢) سنن ابن ماجه (٧١٠). وسبق تخريجه ضمن شواهد ح (١٦٥).
(٣) كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين (٢١٤).
(٤) في إسناده أبو سعد البقال متكلم فيه، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث متروك الحديث، وقال أبو داود: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. ولم أجد المزي ذكر له رواية عن أحد من الصحابة إلا عن أنس، ولو كان أبو سعد ضعيفًا فقط لربما قيل: إن النقل هنا عن مشاهدة، وليس عن رواية، وسماع.
(٥) المصنف (١٨٠٨).
[ ١ / ٤٥٦ ]
[ضعيف جدًّا] (^١).
الدليل الرابع:
قال الترمذي في السنن: وعليه العمل عند أهل العلم: يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان (^٢).
• ونوقش:
بأنه قد جاء عن ابن القاسم المالكي بأن المؤذنين في المدينة ما كانوا يفعلونه، وسوف أنقل ذلك عنه في أدلة القول الثاني، وهو متقدم على عصر الترمذي، ومن كبار أصحاب الإمام مالك ﵀، وقد ولد ابن القاسم سنة ١٢٨ هـ وأما الترمذي فقد ولد سنة ٢١٠ هـ وهذا يعني أن بين ولادتهما أكثر من ثمانين سنة تقريبًا.
وفرق آخر: فابن القاسم ينقل العمل الموروث في المدينة، وإنما أخذه أهل المدينة من الصحابة، وأما الترمذي فينقل العمل عند أهل العلم، وهو رأي محض، والخلاف محفوظ كما نقلت ذلك عن المالكية.
الدليل الخامس:
أنه أرفع للصوت، وأبلغ في الإعلام، وقد جاء التعليل بهذا في بعض طرق الحديث عند ابن ماجه، وذكرته في التخريج.
وما كان أرفع لصوت المؤذن فهو مطلوب، ولهذا كان المؤذنون يؤذنون قيامًا؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
وكان بلال وابن أم مكتوم يرتقيان مكانًا عاليًا عند الأذان حتى قال الراوي: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.
وإذا كانوا يفعلون ذلك في السحر، ووقت طلوع الفجر، وصوت المؤذن في مثل هذه الأوقات أقوى ما يكون نفاذًا حيث سكون الليل، وانقطاع الحركة، فكونه
_________________
(١) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٧). وفي إسناده الحسن بن عمارة، قال أحمد: متروك الحديث، أحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه. اه واتهمه شعبة بالوضع.
(٢) سنن الترمذي (١/ ٣٧٥).
[ ١ / ٤٥٧ ]
يفعل في الأوقات الأخرى عندما تنتشر حركة الناس، وتعلو أصواتهم في الأسواق من باب أولى.
وزاد الفقهاء علة أخرى بأن وضع الأصبعين في الأذنين إعلام للأصم على الأذان، فالمؤذن يُعْلِم السميع بقوله، ويعلم الأصم بفعله.
• ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين قولنا: إن وضع الأصبعين في الأذنين سنة ثابتة أُمرِنا بها شرعًا، ويكون هذا التعليل بمثابة التماس أسرار التشريع، ويكون على المؤذن أن يفعلها مطلقًا، ولو أذن لنفسه، وبين كون المؤذن هو الذي اتخذها لكونها وسيلة لرفع صوته، دون أن تطلب منه شرعًا، فهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما وسيلة لأمر مشروع، وإذا كان هذا هو الراجح فيها انتفي استحبابها مع مكبرات الصوت، وكذلك إذا كان يؤذن لنفسه، أو كان يؤذن لجماعة لا يرجو غيرها.
• دليل من قال: إن الأمر واسع إن فعل أو ترك.
الدليل الأول:
لم يصح في الباب شيء يمكن الاعتماد عليه في الاستحباب.
قال ابن خزيمة في صحيحه: «هذه اللفظة -يعني وضع الأصبعين في الأذنين- لست أحفظها إلا عن حجاج بن أرطاة -يعني وهو ضعيف- ولست أفهم، أسمع الحجاج هذا الخبر من عون بن أبي جحيفة أم لا؟ فأشك في صحة هذا الخبر لهذه العلة» (^١).
الدليل الثاني:
(ث-٣٥) روى البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، قال: كان ابن عمر لا يجعل أصبعيه في أذنيه.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن نسير،
قال: رأيت ابن عمر، يؤذن على بعير. قال سفيان: قلت له: رأيته يجعل إصبعيه
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٣٤).
[ ١ / ٤٥٨ ]
في أذنيه؟ قال: لا (^١).
[حسن] (^٢).
الدليل الثالث:
أن الترك كان عمل المؤذنين في المدينة، ولو كان وضعهما من السنة الموروثة لم يتركه أهل المدينة، خاصة أن الجانب العملي يبعد أن يغيره الناس مع قرب العهد، فالأمور المحسوسة كالصاع، والأذان مما يتوارثه الناس، ويعتبر عمل أهل المدينة زمن التابعين مرجحًا عند الخلاف، فقد قال ابن القاسم: رأيت المؤذنين في المدينة لا يفعلونه (^٣).
(ث-٣٦) وقد روى البخاري في التاريخ الكبير، من طريق ربيع بن صبيح، عن ابن سيرين: أول من جعل أصبعه في أذنيه في الأذان عبد الرحمن الأصم (^٤).
• ويناقش:
بأن قوله: (أول من جعل أصبعه في أذنيه) لعل الصواب (في أذنه) فتحرفت إلى (أذنيه).
فقد رواه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ الكبير من طريق ابن عون،
عن محمد، قال: كان الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، ثم يجعل أصبعيه في أذنيه، وأول من ترك إحدى إصبعيه في أذنيه ابن الأصم (^٥).
_________________
(١) المصنف (٢١٨٥).
(٢) رجاله ثقات إلا نسير بن ذعلوق الثوري، وثقه ابن معين والدارقطني، وقال ابن عبد البر: هو عندهم من ثقات الكوفيين. وقال أبو حاتم الرازي: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات.
(٣) جاء في المدونة (١/ ١٥٨): «قال ابن القاسم: ورأيت المؤذنين بالمدينة لا يجعلون أصابعهم في آذانهم». وانظر: الذخيرة (٢/ ٤٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٩). وأما ما جاء في التوضيح لخليل (١/ ٣٨٢): «قال ابن القاسم: رأينا المؤذنين في المدينة يفعلون ذلك». قال الحطاب في مواهب الجليل: وكأنه سقط منه لا، والله أعلم.
(٤) التاريخ الكبير (٥/ ٢٥٩).
(٥) المصنف (٢١٨٦)، والتاريخ الكبير (٥/ ٢٥٩).
[ ١ / ٤٥٩ ]
فقوله: (ترك إحدى أصبعيه) يعني وأبقى الأخرى، ليوافق الرواية السابقة: (أول من جعل أصبعه في أذنه) أي اكتفى بأصبع واحد في أذنه، والله أعلم، فإن صح هذا الجمع وإلا فرواية ابن عون عن ابن سيرين أرجح ولا مقارنة.
الدليل الرابع:
قد تكون من عادة الناس وضع الأصبعين في الأذنين مع الصوت القوي سماعًا أو إسماعًا، ولا يقصد بهذا فعله على وجه التعبد.
(ح-١٦٦) فقد روى البزار في مسنده من طريق الربيع بن نافع، قال: أخبرنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله الهوزني، قال:
لقيت بلالًا مؤذن رسول الله ﷺ فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ، فذكر قصة في استدانة بلال لرسول الله ﷺ على ذمته، وفيه، قال بلال: فخرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعي في أذني، وقلت: من كان يطلب دينًا فليحضر … الحديث.
ورواه أبو داود في السنن حدثنا أبو توبة: الربيع بن نافع به بنحوه، وحذف منه أبو داود موضع الشاهد اختصارًا (^١).
[وإسناده جيد] (^٢).
_________________
(١) سنن أبي داود (٣٠٥٥)، ومسند البزار (١٣٨٢).
(٢) رواه أبو داود (٣٠٥٥)، والبزار (١٣٨٢)، والطبراني في المعجم الأوسط (٤٦٦)، والكبير (١/ ٣٦٣) ح: ١١٩، ومسند الشاميين (٢٨٦٩) وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ١٤٩) والبيهقي في السنن (٦/ ١٣٣)، وفي دلائل النبوة (١/ ٣٤٨) من طريق الربيع بن نافع. ورواه أبو داود (٣٠٥٦) من طريق مروان بن محمد. وابن حبان (٦٣٥١) من طريق معمر بن يعمر.، ثلاثتهم عن معاوية بن سلام به. خالفهم الوليد بن مسلم، كما عند الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٦٣) ح ١١٢٠، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي (مجهول) حدثنا محمد بن مصفى (صدوق له أوهام) حدثنا الوليد بن مسلم، عن معاوية بن سلام، حدثني ابن سلام، عن غيلان الثقفي، عن بلال. فاستبدل الوليد بن مسلم غيلان الثقفي بعبد الله بن عامر الهوزني، وأظنه من شيوخ الطبراني، فإنه أضعف رجل في الإسناد، قال الذهبي في الميزان (١/ ٦٣): «شيخ للطبراني غير معتمد». اه=
[ ١ / ٤٦٠ ]
فهنا بلال حين أراد أن ينادي بالبقيع بصوت مرتفع وضع أصبعه في أذنيه، فربما كانت عادة القوم حين رفع الصوت أن يجعلوا أصابعهم في أذانهم، وليس فعلهم هذا على فرض أن يكون فعله في الأذان محفوظًا عن هدي نبوي، والله أعلم.
• دليل من قال: يجعل أصبعيه في أذنيه في الإقامة:
ما يفعل في الأذان يفعل في الإقامة، فإن الإقامة أحد الأذانين، سواء أقلنا: إن الفعل في الأذان مستحب أم مباح.
قال في مواهب الجليل: وإذا استحب في الأذان استحب في الإقامة كما قاس ابن القاسم جوازه فيها على جوازه في الأذان، قال في الطراز: وهو صحيح، فإن الإقامة أحد الأذانين» (^١).
• الراجح:
أرى أن مذهب المالكية هو الأقرب، وأن المؤذن إذا أذن بلا مكبر، وأحب أن يستعين برفع صوته عن طريق وضع أصبعيه في أذنيه فلا مانع بشرط ألا يعتقد أن ذلك سنة عن الرسول ﷺ؛ لأن السنة لا تثبت إلا بحديث صحيح، ولم يثبت ذلك عندي، ولا يوصف من فَعَلَها بالبدعة، أو يشدد في ذلك، والخلاف فيها دائر بين الاستحباب والإباحة، والله أعلم.
_________________
(١) = وتبعه الحافظ في اللسان، وقال الهيثمي: لم أعرفه. وقال في أخرى: ضعفه الذهبي، فقال: غير معتمد، ولم أر للمتقدمين فيه تضعيفًا، وأخرج له الضياء، وحسن له المنذري. انظر إرشاد القاصي إلى تراجم شيوخ الطبراني (٣٣)، والله أعلم. وعلى كل فهذا الإسناد إما منكر أو شاذ لمخالفته جميع من روى الحديث عن معاوية بن سلام، وهم جماعة، والله أعلم.
(٢) مواهب الجليل (١/ ٤٣٩).
[ ١ / ٤٦١ ]