في استحباب أن يكون الأذان من موضع عالٍ
المدخل إلى المسألة:
• لم يتخذ النبي ﷺ منارة، ولا خلفاؤه الراشدون، وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يفعله.
• الوسائل لها أحكام المقاصد إذا لم تعارض أصلًا.
• الجهر واجب في الأذان؛ لإعلام الناس، واتخاذ مكانٍ عالٍ وسيلة إلى ذلك.
• لا يُتَوَسَّع في الوسائل إلا بقدر الحاجة، والإسراف فيها مذموم.
[م-٥٦] استحب الفقهاء أن يكون الأذان من موضعٍ عالٍ كالسطح والمنارة (^١).
• واستدل هؤلاء بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٦٠) ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. زاد مسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا.
[هذه الزيادة شاذة من حديث ابن عمر، وهي محفوظة من كلام القاسم بن
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٢٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٥)، القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٩)، الخرشي (١/ ٢٣٢)، منح الجليل (١/ ٢٠١)، المهذب (١/ ٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٣)، مغني المحتاج (١/ ١٣٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٣)، المغني (١/ ٢٥٤)، المبدع (١/ ٣١٥)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٤).
[ ١ / ٤٣٧ ]
محمد عند البخاري] (^١).
وجه الاستدلال:
أن قوله: (ينزل هذا ويرقى هذا) دليل على أن أذانهما كان على موضع مرتفع.
الدليل الثاني:
(ح-١٦١) ما رواه أبو داود من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،
عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك، وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة تعني هذه الكلمات (^٢).
[ضعيف] (^٣).
وجه الاستدلال:
اختار بلال الأذان على ظهر هذا البيت؛ لأنه كما قالت هذه الصحابية: (كان بيتي من أطول بيت حول المسجد).
الدليل الثالث:
(ح-١٦٢) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري حدثه،
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة.
[صحيح] (^٤).
_________________
(١) البخاري (٢٦٥٦)، ومسلم (١٩٠٢).
(٢) سنن أبي داود (٥١٩)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٥).
(٣) سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر ح (١٢٦).
(٤) رواه هارون بن معروف كما في مسند أحمد (٤/ ١٥٨)، وسنن أبي داود (١٢٠٣)، =
[ ١ / ٤٣٨ ]
وجه الاستدلال:
قال ابن الأثير في النهاية: «الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل» (^١).
الدليل الرابع:
(ح-١٦٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلًا قام، وعليه بردان أخضران على جذمة حائط، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة، فسمع ذلك بلال، فقام، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة (^٢).
ورواه ابن أبي شيبة من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، حدثنا أصحابنا: وفيه:
رأيت كأن رجلًا قائمًا على المسجد، وعليه ثوبان أخضران، فأذن ثم قعد قعدة … وذكر الحديث.
[اختلف فيه على الأعمش، والراجح فيه الإرسال] (^٣).
_________________
(١) = ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٩٦)، وفي الخلافيات له (١٢٠٩). ومحمد بن سلمة كما في المجتبى من سنن النسائي (٦٦٦)، وفي السنن الكبرى له (١٦٤٢). وحرملة بن يحيى كما في صحيح ابن حبان (١٦٦٠)، وأحمد بن صالح كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٠١) ح ٨٣٣، وسليمان بن داود كما في التوحيد لابن منده (٨٠٤)، وابن كاسب كما في السنة لابن أبي عاصم (٥٧٢). وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب كما في مسند الروياني (٢٣٢)، سبعتهم عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة به. وهذا إسناد صحيح. وتابع ابن لهيعة، عمرو بن الحارث، كما في مسند أحمد (٤/ ١٤٥، ١٥٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٠٩) ح ٨٥٥، والله أعلم. وهذا سند صالح في المتابعات.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٧٦).
(٣) المصنف (٢١٣١).
(٤) سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر شواهد تخريج ح (٢٧).
[ ١ / ٤٣٩ ]
الدليل الخامس:
(ح-١٦٤) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق خالد بن عمرو قال حدثنا سفيان عن الجريري عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي برزة الأسلمي قال من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد (^١).
[المعروف أنه من قول ابن شقيق، وليس من قول الصحابي ﵁] (^٢).
الدليل السادس:
أن الأذان إعلام بدخول الصلاة، فإذا كان في موضع مرتفع كان أبلغ في الإعلام.
وإذا كانت هذه السنة محفوظة فإنه ينوب عن ذلك اليوم وضع المكبر في مكان مرتفع ليكون أبلغ في إيصال صوت المؤذن إلى أكبر قدر ممكن من المسلمين، والله أعلم.
والذي ينبغي أن يوجه له النقد توسع الناس في بناء المنارات، فتجد في المسجد الواحد أكثر من منارة، وبناؤها مكلف، وكان يمكن أن يقتصر بذلك على قدر الحاجة، وما زاد يبنى به مسجد آخر، وهناك بقاع من أرض المسلمين يصلون في أماكن لا تدفع عنهم الحر والقر، ولو صرفت هذه المبالغ لبناء مساجد لكان أفضل، فالله المستعان.
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى (١/ ٤٢٥).
(٢) ومن طريق خالد بن عمرو رواه تمام في فوائده (١٥٧٠). قال البيهقي: هذا حديث منكر، لم يروه غير خالد بن عمرو، وهو ضعيف منكر الحديث. اه ورماه ابن معين بالكذب، ونسبه أحمد وصالح جزرة إلى الوضع. وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، قال: من السنة الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عبد الله، يفعله. وسنده صحيح.
[ ١ / ٤٤٠ ]