المدخل إلى المسألة:
• لا يصح في الترسل بالأذان وحدر الإقامة حديث صريح.
• شفع الأذان وإيتار الإقامة يومئ إلى الترسل في الأول وحدر الثاني.
• المقصود من الأذان الإعلام، فكان التمهل والتثنية أبلغ ليصل إلى الجميع، والمقصود من الإقامة الشروع في الصلاة فكان الإيتار، والإسراع بها أليق.
• اختلاف الأسماء دليل على اختلاف المعاني.
• يشترك الأذان والإقامة بالتكبير، والشهادتين في أولهما، والحيعلتين في وسطهما، ويختمان بالتكبير، والتوحيد.
• تختص الإقامة عن الأذان بالحدر، والإيتار، وجملة قد قامت الصلاة، ولا تثويب فيها، ولا التفات، ويختص الأذان بالترسل، والشفع، والتثويب في الصبح، والالتفات على قول، والترجيع على إحدى الصفتين.
الترسل في الأذان: هو التأني والتمهل، وحقيقة الترسل: تطلب الهينة والسكون، من قولهم: على رسلك.
والحدر في الإقامة، يقال: حدر الرجل في كلامه يحدر حدرًا: إذا أتبع بعضَه بعضًا وأسرع فيه.
[م-٦٣] وقد استحب الفقهاء أن يترسل في الأذان، وأن يسرع في الإقامة، وكيفما جاء بالأذان والإقامة فإنه يجزي، وكره الحنفية في الأصح تركهما (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣١)، البحر الرائق (١/ ٢٧١)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩)، القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٥٧)، نهاية المطلب (٢/ ٦٠)، البيان للعمراني (٢/ ٧٦)، المجموع (٣/ ١٠٨)، كفاية النبيه (٢/ ٤١٤)، فتح العزيز (١/ ٤١٢)، المحرر (١/ ٣٧)، الإنصاف (١/ ٤١٤)، المغني (١/ ٢٤٥)، نيل المآرب (١/ ١١٥)، الكافي (١/ ٢١١)،.
[ ١ / ٤٩٢ ]
واختار بعض الحنفية الإعادة إذا حدر الأذان، وهو مخالف لما عليه عامة الحنفية.
جاء في فيض الباري: «لو حَدَرَ فيه، وجمع بين كلمتي الأذان، اختلف فيه المشايخ: وفي (قاضيخان): أنه يعيده، وهو المختار عندي» (^١).
جاء في الأصل: «قلت أفيحدر الإقامة حدرًا، ويترسل في الأذان؟ قال: نعم، قلت أرأيت إن حَدَرَهما جميعًا، أو ترسل فيهما جميعًا، أو حدر الأذان، وترسل في الإقامة هل يضره ذلك؟ قال: لا، ولكن أفضل ذلك أن يصنع كما وصفت لك» (^٢).
وإنما لم يضره إذا ترك هذه الصفة؛ قال السرخسي: «لأنه أقام الكلام بصفة التمام، وحصل المقصود، وهو الإعلام، فترك ما هو زينة فيه لا يضره» (^٣).
جاء في فتح القدير: «ولو ترسل فيهما، قيل: يكره لمخالفته السنة، وقيل: ما ذكره في المتن يشير إلى عدم الكراهة، حيث قال: وهذا بيان الاستحباب، والحق هو الأول؛ لأن المتوارث الترسل، فيكره تركه» (^٤).
وفي الحاوي: «قال الشافعي: وأحب أن يؤذن مترسلًا بغير تمطيط وأحب الإقامة إدراجًا مبينًا، وكيفما جاء بهما أجزأه» (^٥).
• الأدلة على استحباب الترسل في الأذان والحدر في الإقامة:
الدليل الأول:
(ح-١٧٠) ما رواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب، قال: حدثنا
_________________
(١) فيض الباري (٢/ ٢٠٥).
(٢) الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني (١/ ١٣٠ - ١٣١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣١).
(٤) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٤)، وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٥٦).
(٥) الحاوي الكبير (٢/ ٥٧).
[ ١ / ٤٩٣ ]
يونس بن محمد، ثنا عبد المنعم بن نعيم، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال لبلال: يا بلال، إذا أذنت فترسل في أذانك، فإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل من قضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني (^١).
[ضعيف جدًّا] (^٢).
_________________
(١) المنتخب (١٠٠٨).
(٢) له أكثر من علة: العلة الأولى: في إسناده عبد المنعم بن نعيم صاحب السقاء، قال الدارقطني: رجل متروك، وقال النسائي: ليس بثقة. اه وقد قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. ولم يَرْوِ له أحد من أصحاب السنن إلا الترمذي روى له هذا الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. انظر تهذيب الكمال (١٨/ ٤٤٠). وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به. انظر المجروحين (٢/ ١٥٨). العلة الثانية: في إسناده يحيى بن مسلم، والراجح أنه مجهول. قال الترمذي: وهو إسناد مجهول. وقال أبو زرعة، وقد سئل عنه: لا أدري من هو. الجرح والتعديل (٩/ ١٨٧). وقال الذهبي: مجهول لا يعرف، لعله البكاء. وجزم البيهقي وابن عدي بأنه البكاء، فإن يَكُنْه فهو ضعيف. وقال الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ٣٣٩): «يحيى بن مسلم فإنه مجهول، وعليه ينصب كلام الترمذي، وجزم البيهقي بأنه يحيى البكاء فإن يكن كذلك فهو ضعيف». العلة الثالثة: الاختلاف على عبد المنعم السقاء: فرواه يونس بن محمد (ثقة) كما في مسند عبد بن حميد المنتخب منه (١٠٠٨). ومعلى بن أسد (ثقة) كما في سنن الترمذي (١٩٥) ومستخرج الطوسي (٢/ ١١»، كلاهما عن عبد المنعم صاحب السقاء، قال: حدثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر. ورواه علي بن أبي طالب البزاز، وهو علي بن حماد (مختلف فيه)، واختلف عليه: فرواه الطبراني في الأوسط (١٩٥٢) حدثنا أحمد بن عمرو، قال: أخبرنا علي بن أبي طالب البزاز، قال أخبرنا عبد المنعم بن نعيم به كرواية يونس ومعلى بن أسد. ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٨) من طريق علي بن عبد العزيز، حدثنا علي بن حماد بن =
[ ١ / ٤٩٤ ]
الدليل الثاني:
(ث-٣٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، عن أبيه،
عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس، قال: جاءنا عمر بن الخطاب، فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر (^١).
[ضعيف] (^٢).
_________________
(١) = أبي طالب، حدثنا عبد المنعم بن نعيم الرياحي، حدثنا عمرو بن فائد، حدثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء به، فزاد في الإسناد واسطة بين عبد المنعم بن نعيم، وبين يحيى بن مسلم، والأول أصح. قال الحاكم: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه، غير عمرو بن فائد، والباقون شيوخ البصرة وهذه سنة غريبة لا أعرف لها إسنادًا غير هذا، ولم يخرجاه. وعلق الذهبي في تلخيصه، قال: قال الدارقطني: عمرو بن فائد متروك. اه قلت: وقد اتهمه ابن المديني. انظر: سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لابن المديني: (ص: ٦٨ - رقم: ٤٥). وفي إسناده علي بن حماد بن أبي طالب، قال فيه ابن معين: ليس بشيء. الميزان (٣/ ١٣٣). وقد قال فيه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٦/ ١٨٤): بصري صدوق. العلة الرابعة: كما اختلف فيه على عبد المنعم، فقد اختلف فيه على الحسن وعطاء، فرواه يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر كما سبق. ورواه الحسن بن عبيد الله، عن الحسن وعطاء، عن أبي هريرة. رواه البيهقي من طريق صبيح بن عمير السيرافي، حدثنا الحسن بن عبيد الله عن الحسن وعطاء كلاهما، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال فذكر مثله إلى قوله: لقضاء حاجته. قال البيهقي: وقد روي بإسناد آخر عن الحسن وعطاء، عن أبي هريرة، وليس بالمعروف وقال أيضًا: والإسناد الأول أشهر من هذا. وصبيح بن عمر لا يعرف. ففي اللسان (٣/ ١٨١) ذكر أنه مجهول. وقال الأزدي: فيه لين. انظر ميزان الاعتدال (٢/ ٣٠٧).
(٢) المصنف (٢٢٤٨).
(٣) ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٥١). وأخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (٢٢٦). ورواه الدارقطني (١/ ٤٤٥) من طريق الحسن بن عرفة،. ورواه البيهقي في السنن (١/ ٦٢٩) من طريق القعنبي، أربعتهم (ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، =
[ ١ / ٤٩٥ ]
الدليل الثالث:
(ح-١٧١) روى الدارقطني من طريق عمرو بن شمر، حدثنا عمران بن مسلم، قال: سمعت سويد بن غفلة، قال:
سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نرتل الأذان ونحذف الإقامة (^١).
[ضعيف جدًّا] (^٢).
_________________
(١) = والحسن، والقعنبي) رووه عن مرحوم بن عبد العزيز به. وفي إسناده عبد العزيز والد مرحوم، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وفي التقريب: لين الحديث. وأبو الزبير مؤذن بيت المقدس، يعرف بكنيته، ولا يعرف اسمه، ذكره في الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٤): ولم يذكر فيه شيئًا. اه وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٧٢).
(٢) سنن الدارقطني (١/ ٤٤٥).
(٣) في إسناده عمرو بن شمر، رافضي متروك، قاله ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٣٥٣). ورواه الطبراني في الأوسط (٥٠٣٠) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٤٠)، وفي معرفة الصحابة (١٩٨٥)، من طريق وضاح بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن بشير، عن عمران بن مسلم، عن سعيد بن علقمة، عن علي بمثله. قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عمر بن بشير إلا أبو معاوية، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد. اه وهذا إسناد ضعيف أيضًا. فيه سعيد بن علقمة لم أقف على ترجمته. وعمر بن بشير ضعفه ابن معين، وقال أحمد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: جابر الجعفي أحب إلي منه، يكتب حديثه، وذكره البخاري في التاريخ، وسكت عليه. وفيه وضاح بن يحيى، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٨٠)، وسكت عليه. وقال ابن أبي حاتم سئل عنه أبي، فقال: شيخ صدوق. الجرح والتعديل (٩/ ٤١). وأما الذهبي فقال في الميزان (٤/ ٣٣٤) كتب عنه أبو حاتم، وقال: ليس بالمَرْضِيِّ. وكذلك قال الذهبي في المغني (٢/ ٧٢٠). وتابعه ابن حجر في اللسان. وقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ٨٥): «منكر الحديث، يروي عن الثقات الأشياء المقلوبات التي كأنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد؛ لسوء حفظه، وإن اعتبر معتبر بما وافق الثقات فلا ضير». وضعف الهيثمي حديثًا في مجمع الزوائد (٥/ ٩٦)، وقال: فيه الوضاح بن يحيى، وهو ضعيف.
[ ١ / ٤٩٦ ]
الدليل الرابع:
المقصود من الأذان الإعلام، فكان التمهل والتثنية أبلغ ليصل إلى الجميع، والمقصود من الإقامة الشروع في الصلاة فكان الإيتار، والإسراع بها أليق.
الدليل الخامس:
ولأن هذا معنى يحصل به الفرق بين الأذان والإقامة، فاستحب كما استحب أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة، ولأن اختلاف الأسماء دليل على اختلاف المعاني.
• الراجح:
الآثار في الباب لا يصح منها شيء، والمعنى يحتمله، ولكن مثل هذا لا يبلغ به السنة، وإنما الاستحسان، كما أن ترك مثل ذلك لا يبلغ به الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي، لذا أرى أن القول باستحسان أن يرتل الأذان، وأن يحدر الإقامة هو القول المناسب، ولا يقال: إن ذلك من السنة؛ لأن السنة إذا أُطْلِقَتْ فيراد بها ما يضاف إلى الرسول ﷺ قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، ولا أظن في المسألة أثرًا يقتضي الحكم، والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٧ ]