في حكم الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة
• أمر الشارع بالأذان، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يتركه النبي ﷺ في حضر ولا سفر، فكان بالواجبات أشبه.
• الأذان وظيفة العلم بالوقت، والعلم به فرض فكذلك الأذان.
• كل ما وجب في الحضر وجب في السفر إلا أن يخص بدليل.
وقيل:
• الأصل في الأمر الوجوب، ويصرف عنه لأقل صارف، ومن ذلك أن الأذان شرع عن مشاورة، ورؤيا، فكان بالسنن أشبه.
• صلاة الجماعة ليست واجبة عند جمهور الفقهاء، فكذلك النداء لها لا يكون واجبًا عندهم.
• الجماعة إذا فاتتهم الصلاة في الحضر، ولم يسمعوا الأذان لم يجب عليهم الأذان، ولو كان واجبًا لوجب.
[م-٦] اختلف العلماء في حكم الأذان والإقامة في الحضر:
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية، ومذهب المالكية فيما اختاره خليل في مختصره، وابن الحاجب، ونسبه القاضي عياض إلى معظم أصحاب مالك، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الخرقي (^١).
_________________
(١) قال القاضي عياض في الإكمال (٢/ ٢٣٩): الأذان «سنة للصلاة، وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء». وقال أيضًا في الصفحة نفسها: «وذهب بعضهم، ومعظم أصحابنا إلى أنه سنة». وانظر: الأم (١/ ١٠٢)، المهذب (١/ ١٠٧)، الحاوي (٢/ ٤٨)، العباب المحيط نصوص الشافعي (١/ ٢٩٠)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين (١/ ١٥٥)، الإنصاف (١/ ٤٠٧).
[ ١ / ٥٩ ]
وقيل: الأذان فرض على خلاف بينهم:
فقيل: فرض كفاية مطلقًا في الحضر والسفر، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^١)، وسوف نبحث مسألة الأذان في السفر في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
وقيل: فرض كفاية في الحضر، وفي مساجد الجماعات، وهو منصوص مالك في الموطأ، وقول في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).
وقيل: الواجب في المصر أذان واحد، فإذا قام به واحد، وظهر الشعار فما زاد فهو سنة، جزم به ابن عرفة من المالكية، وجعله المذهب، ورجحه ابن عبد البر من المالكية، واختاره جمع منهم (^٣).
وقيل: فرض كفاية للجمعة فقط، اختاره بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٤).
وقيل: شرط، وهو اختيار ابن حزم (^٥).
_________________
(١) الإقناع لابن المنذر (١/ ٨٩)، الأوسط له أيضًا (٣/ ٢٤)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين (١/ ١٥٥)، المهذب (١/ ١٠٧)، الإنصاف (٤/ ٤٠٧).
(٢) التوضيح في شرح جامع الأمهات لخليل (١/ ٢٩٠)، جامع الأمهات (ص: ٨٦)، فتح العزيز (٣/ ١٣٦)، روضة الطالبين (١/ ١٩٥)، المجموع (٣/ ٨١)، الفروع (٢/ ٥)، المبدع (١/ ٢٧٥)، الإنصاف (١/ ٤٠٧).
(٣) جاء في إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٢٤٠): «إذا قام به على هذا واحد في المصر وظهر الشعار سقط الوجوب». وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٢٨٠): «والذي يصح عندي في هذه المسألة أن الأذان واجب فرضًا على الدار أعني المصر أو القرية، فإذا قام فيها قائم واحد أو أكثر بالأذان سقط فرضه عن سائرهم، ومن الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام لمن لم يعرفها الأذان الدال على الدار، وكل قرية أو مصر لا يؤذن فيه بالصلاة فأهله لله ﷿ عصاة، ومن صلى منهم فلا إعادة عليه؛ لأن الأذان غير الصلاة ووجوبه على الكفاية، فمن قام به سقط عن غيره كسائر الفروض الواجبة على الكفاية». وانظر الفواكه الدواني (١/ ١٧٢)، منح الجليل (١/ ١٩٦).
(٤) المهذب (١/ ١٠٧).
(٥) المهذب (١/ ١٠٧)، المحلى (٢/ ١٦٣).
[ ١ / ٦٠ ]
• دليل من قال: هما فرض على الكفاية مطلقًا في الحضر والسفر:
الدليل الأول:
(ح-٢٢) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فَلْيُؤَذِّنْ لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم. ورواه مسلم (^١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمرهم بالأذان، والأصل في الأمر الوجوب، واكتفى بأذان واحد منهم فكان هذا دليلًا على أن الوجوب على الكفاية، وقوله: (إذا حضرت الصلاة) عام في السفر والحضر.
• وأجيب:
أما دلالة الحديث على الوجوب فيمكن أن يجاب عنه بأن الصارف عن الوجوب كون الأذان شرع عن مشاورة الناس، وعن رغبتهم في أن يجعلوا لصلاتهم علمًا، وكونه صدر عن رأي عمر أو عن رؤيا لبعض الصحابة، فكل هذه قرائن تبعد الوجوب، وتشهد أن الأذان سنة للصلاة.
وأما الجواب عن الاحتجاج بالحديث بأنه عام في السفر والحضر، فيجاب عنه بأن النبي ﷺ أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم، فلا دلالة فيه على السفر.
• ورد هذا الجواب:
(ح-٢٣) بأن البخاري قد رواه من طريق خالد الحَذَّاءِ، عن أبي قِلَابَةَ،
عن مالك بن الحويرث، قال: أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر، فقال النَّبِيُّ ﷺ: إذا أنتما خرجتما، فَأَذِّنَا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٢٨)، وصحيح مسلم (٦٧٤).
(٢) الحديث مداره على أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، ورواه عن أبي قلابة راويان: أحدهما: أيوب، عن أبي قلابة، ولا إشكال في روايته، لهذا لا أرى حاجة إلى تخريج لفظه، =
[ ١ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهو في الصحيحين. الثاني: خالد الحذاء، ورواه عن خالد جماعة منهم: الأول: سفيان، واختلف على سفيان: فرواه البخاري (٦٣٠) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٨) ح: ٦٣٩ حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن خالد الحذاء، بلفظ: (إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما). ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٥٩)، وسنن الترمذي (٢٠٥)، وسنن النسائي (٦٣٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦٠٥). ويحيى بن خلاد كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ٢٤) كلاهما عن الثوري به، بلفظ: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما …). وتابع حفص بن غياث الثوري كما في صحيح ابن خزيمة (٣٩٥). ورواه أبو شهاب كما في صحيح البخاري (٢٨٤٨) عن خالد الحذاء به، بلفظ: (أذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما) دون قوله: (خرجتما، أو لفظ سافرتما). ورواه إسماعيل بن علية، كما في مسند أحمد (١٥٦٠١)، وسنن أبي داود (٥٨٩)، وسنن النسائي (٦٦٩)، وصحيح ابن حبان (٢١٢٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٩) ح: ٦٤٠. ومسلمة بن محمد، كما في سنن أبي داود (٥٨٩). وشعبة، كما في مسند أحمد (٢٠٥٣٠)، وسنن الدارقطني (١٣١١). ويزيد بن زريع، كما في صحيح البخاري (٦٥٨)، وسنن ابن ماجه (٩٧٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٩٥)، بلفظ: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما). ورواه إسحاق بن راهويه، عن عبد الوهاب الثقفي، واختلف على إسحاق. فرواه الإمام مسلم في صحيحه (٦٧٤)، وعبد الله بن محمد، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٩٥)، كلاهما عن إسحاق، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد به، بلفظ: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما )، كما هو لفظ الجماعة. ورواه محمد بن إسحاق بن راهويه، عن أبيه، به، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٨) ح ٦٣٧، بلفظ: (ارجعوا إلى أهليكم … وقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم …). وهذا اللفظ محفوظ لأيوب، عن أبي قلابة، ولا يعرف لخالد الحذاء. ورواه حماد بن سلمة، عن خالد كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٨) ح: ٦٣٨، بلفظ: (إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم …) بالأمر للمفرد. هذا ما وقفت عليه من ألفاظ خالد، وأكثر الرواة عنه بلفظ: (إذا حضرت الصلاة)، ولعله هو المحفوظ، خاصة أن هذا الحرف جاء من رواية أيوب، وإن اختلفا بقوله (فأذنا وأقيما …). =
[ ١ / ٦٢ ]
ففي هذه الرواية التصريح بأنه أمرهما بذلك من حين خروجهما من المدينة مُسَافِرَيْنِ.
• وأجيب:
بأن هذا اللفظ تفرد به خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وقد رواه أيوب، وخالف فيه خالدًا في أكثر من حرف، من ذلك أن رواية أيوب ذكرت أنهم كانوا جماعة، ورواية خالد بأنهما اثنان، ورواية أيوب بأنه أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم، ورواية خالد أنه أمرهم من حين خروجهم مسافرين، ورواية أيوب: (فليؤذن لكم أحدكم)، ولفظ خالد (فأذنا وأقيما) وظاهره أن كل واحد منهما يؤذن ويقيم لنفسه، وقد ترجم له النسائي في سننه، فقال: باب إقامة كل واحد لنفسه، وهذا بعيد، فلا بد من التأويل، أو توهيم خالد الحذاء.
جاء في فتح الباري لابن رجب: «قال الإمام أحمد: لا أعلم أحدًا جاء به إلا خالدًا - يعني: في الأذان والإقامة في السفر -، وقال: هذا شديد على الناس» (^١).
الدليل الثاني:
كل عبادة وجبت في الحضر فهي واجبة في السفر استصحابًا للحكم، ولا يسقط الوجوب عن المسافرين إلا بدليل خاص، ولا يوجد دليل يسقط وجوب الأذان عن المسافرين.
الدليل الثالث:
(ح-٢٤) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، عن حميد،
قال سمعت أنسًا ﵁، يقول: كان رسول الله ﷺ إِذَا غَزَا قومًا لم يُغِرْ حتى يُصْبِحَ، فإن سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وإن لم يسمع أَذَانًا أَغَارَ بعد ما يصبح …
ورواه مسلم عن ثابت، عن أنس (^٢).
_________________
(١) = وأما لفظ: (إذا سافرتما …) إن لم يكن رواية بالمعنى لقوله: (إذا خرجتما) فهو حرف شاذ، والله أعلم.
(٢) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٦٢).
(٣) صحيح البخاري (٢٩٤٣)، ومسلم (٣٨٢)
[ ١ / ٦٣ ]
وجه الاستدلال:
فإذا كان الأذان هو الفرق بين دار المسلمين ودار الكافرين، وأن استحلال الدار معلق على ترك الأذان، كان ذلك دليلًا على وجوبه.
الدليل الرابع:
(ح-٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني زائدة بن قدامة، حدثني السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قريةٍ دون حمص.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية (^١).
[رواه أحمد بذكر الأذان، ورواه أبو داود والنسائي دون ذكر الأذان، وأكثر الرواة على عدم ذكر الأذان في لفظه] (^٢).
_________________
(١) المسند (٥/ ١٩٦).
(٢) في إسناده السائب بن حبيش الكلاعي، في حاله جهالة، لم يرو عنه إلا زائدة بن قدامة. وسئل عنه الإمام أحمد، فقيل: أثقة هو؟ قال: لا أدري. وذكره البخاري في التاريخ الكبير، وسكت عليه. وقال الدارقطني: صالح الحديث، حدث عنه زائدة، ولا أعلم حدث عنه غيره. وصحيح حديثه ابن خزيمة، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي. قال الحاكم: قد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات، وانظر تحقيق مقالة الحاكم في حكم صلاة الجماعة، فقد تكلمت عليه هناك. وقد اختلف عليه في ذكر الأذان، وهو موضع الاحتجاج: فرواه عبد الله بن المبارك كما في مسنده (٧٣)، وسنن النسائي (٨٤٧). وأبو أسامة وعبد الصمد مقرونين كما في صحيح ابن خزيمة (١٤٨٦). ومعاوية بن عمرو كما في مستدرك الحاكم، وشعب البيهقي (٢٥٩٩). ويحيى بن بكير كما في سنن البيهقي (٣/ ٧٧). ومروان بن معاوية كما في صحيح ابن حبان (٢١٠١). وأحمد بن يوسف كما في غريب الحديث لإبراهيم الحربي (٣/ ١١٨٧) سبعتهم رووه عن زائدة بن قدامة، به بلفظ: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة =
[ ١ / ٦٤ ]
وجه الاستدلال:
قال ابن تيمية: «فأي ثلاثة كانوا من هؤلاء، لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة، كانوا من حزب الشيطان الذين استحوذ عليهم، لا من أولياء الرحمن الذين أكرمهم» (^١).
الدليل الخامس:
معرفة الأوقات فرض، وليس كل أحدٍ يقدر على مراعاتها، فكان الأذان من المؤذن يقوم بهذه الفريضة عن الجميع؛ ليَعُمَّ الناس العلم بالوقت كما عمَّهم
_________________
(١) = إلا استحوذ عليهم الشيطان) ولم يذكروا لفظ الأذان. ورواه بذكر الأذان أحمد بن يونس ووكيع إلا أنهما قد اختلف عليهما فيه: فرواه أبو داود، كما في سننه (٥٤٧)، والعباس بن الفضل الأسفاطي، كما في مستدرك الحاكم (١/ ٣٧٤)، والمعرفة للبيهقي (٤/ ١٠١)، كلاهما (أبو دواد والأسفاطي) روياه عن أحمد بن يونس، عن زائدة به، بعدم ذكر الأذان. ورواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢٨) عن أحمد بن يونس به، بذكر الأذان. ورواه وكيع، واختلف عليه: فرواه ابن أبي شيبة في مسنده (٣١) عن وكيع، عن زائدة دون ذكر الأذان. ورواه الإمام أحمد في المسند عن وكيع، حدثني زائدة به، بذكر الأذان. ورواه الإمام أحمد أيضًا عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدي مقرونين، عن زائدة بذكر الأذان، فهل كان هذا لفظ وكيع؟ فلم أقف على رواية ابن مهدي غير مقرونة، والله أعلم. ورواه أحمد (٦/ ٤٤٥) من طريق هشام بن سعد، عن حاتم بن أبي نصر، عن عبادة بن نسي، قال: كان رجل بالشام يقال له: معدان، كان أبو الدرداء يقرئه القرآن، ففقده أبو الدرداء، فلقيه يومًا، وهو بدابق، فقال له أبو الدرداء: يا معدان ما فعل القرآن الذي كان معك؟ كيف أنت والقرآن اليوم؟ قال: قد علم الله منه فأحسن، قال: يا معدان، أفي مدينة تسكن اليوم أو في قرية؟ قال: لا، بل في قرية قريبة من المدينة، قال: مهلًا، ويحك يا معدان، فإني سمعت رسول الله يقول: ما من خمسة أهل أبيات لا يؤذن فيهم بالصلاة، ولا تقام فيهم الصلوات، إلا استحوذ عليهم الشيطان، وإن الذئب يأخذ الشاذة فعليك بالمدائن، ويحك يا معدان. وهذا مع اختلاف لفظه فإن في إسناده حاتم بن أبي نصر، لم يَرْوِ عنه إلا هشام بن سعد، ولم يوثق، وقال ابن القطان الفاسي وابن حجر والذهبي: مجهول. كما أن هشام بن سعد فيه ضعف، والله أعلم. وله شواهد أعرضت عن تخريجها لأنه لم يرد في أي منها ذكر للأذان، والله أعلم.
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٤٧).
[ ١ / ٦٥ ]
وجوب الصلاة فيه (^١).
• دليل من قال: الأذان سنة:
الدليل الأول:
أنه لم يذكر في حديث المسيء في صلاته، وقد ذكر النبي ﷺ له الوضوء، واستقبال القبلة.
• وأجيب بأجوبة منها:
أحدهما: ذكر الأذان في حديث المسيئ صلاته جاء من مسند رفاعة بن رافع، وفيه: (فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، فأقم) رواه أبو داود (^٢).
فقد أراد بالتشهد الأذان (^٣)، لأنه جعل تكبيرة الإحرام بعد التشهد والإقامة، ولأن اللغة لا تمنع من إطلاق البعض على الكل، كالرقبة تطلق، ويراد بها الذات.
• وأجيب:
[الحديث حسن في الجملة، إلا أن قوله: (ثم تشهد فأقم) تفرد بها يحيى بن علي ابن يحيى بن خلاد، وهو مجهول، وقد رواه من هو أوثق منه، ولم يذكر هذا الحرف، فهي زيادة منكرة] (^٤).
الجواب الثاني:
كونه لم يذكر لا يدل على عدم وجوبه من دليل آخر، فهو لم يذكر له التشهد مع أنه فرض.
ورد: لا نسلم أن التشهد فرض، وقد بحثت المسألة في المجلد العاشر، وبينت أن الراجح في حكم التشهد أنه سنة، لا فرق فيه بين الأول والثاني، فانظره هناك.
الجواب الثالث:
أن هذا في حق المنفرد، وأذان غيره كافٍ له.
_________________
(١) إكمال المعلم (٢/ ٢٤٠)، شرح التلقين (١/ ٤٢٩).
(٢) سنن أبي داود (٨٦١).
(٣) انظر مرعاة المفاتيح (٣/ ٧٦)، تحفة الأحوذي (٢/ ١٧٨).
(٤) انظر تخريجه في المجلد الثاني، رقم (٢٢٨).
[ ١ / ٦٦ ]
الدليل الثاني:
كون الأذان شرع عن مشورة حتى تقرر برؤيا عبد الله بن زيد ﵁ كما في السنن إلا النسائي، أو برأي عمر ﵁ كما في الصحيحين، فكان الأذان بالسنن أشبه، ولو كان واجبًا لابتدأه الرسول ﷺ ولم يأخذه عن منام أحد.
• وتعقب:
بأن النبي ﷺ أمر به بلالًا، وأمر به مالك بن الحويرث، وواظب عليه، ولم يتركه في حضر، ولا سفر، فكان بالواجبات أشبه، والاستشارة لا تعني عدم الوجوب، فقد استشار الرسول ﷺ أبا بكر وعمر وبعض الصحابة في أسرى بدر، فأشاروا بالفدية، وأشار عمر بالسيف، ونزل الوحي مؤيدًا لرأي عمر حتى بكى رسول الله وأبو بكر (^١).
وحَكَّمَ الرسولُ ﷺ سعد بن معاذ ﵁ في بني قريظة، فكان حكمه واجبًا.
الدليل الثالث:
ترك الرسول ﷺ الأذان للصلاة الثانية في حال الجمع، ولو كان واجبًا لأداه، كما فعل في الصلاة الأولى.
• وأجيب:
بأن المقصود قد حصل في الصلاة الأولى، والأذان إعلام بحضور الصلاة.
• حجة من قال: الواجب في المصر أذان واحد وما زاد فهو سنة:
الدليل الأول:
هذا القول رأى أن الواجب في الأذان هو إظهار شعار الإسلام، وبيان الفرق بين دار التوحيد، ودار الكفار، وهو المقصود الأهم من الأذان.
(ح-٢٦) لما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، عن حميد،
قال: سمعت أنسًا ﵁، يقول: كان رسول الله ﷺ إِذَا غَزَا قومًا لم يُغِرْ حتى يُصْبِحَ، فإن سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وإن لم يسمع أَذَانًا أَغَارَ بعد ما يصبح …
_________________
(١) صحيح مسلم (١٧٦٣).
[ ١ / ٦٧ ]
ورواه مسلم عن ثابت، عن أنس (^١).
فإذا أذن مؤذن واحد في المصر تحققت المصلحة، وأجزأ عن الجميع، وشهرت الدار، وحقنت الدماء، حتى ولو لم يحصل الإعلام في نواحي البلد (^٢).
الدليل الثاني:
أن الأذان لو كان حقًّا للصلاة، لوجب الأذان على الجماعة في الحضر إذا فاتتهم الصلاة، ولم يسمعوا الأذان، فلما لم يجب عليهم الأذان علم أن الأذان ليس حقًّا للصلاة.
قال ابن عبد البر: «اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور وأحمد وجماعة العلماء على أن الرجل إذا صلى بإقامة في مصر قد أذن فيه فإنه يجزيه» (^٣).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأذان حق الوقت، وحق الصلاة، وإظهار الشعيرة، وكل وظيفة منها لا تلغي الأخرى، وإن كان بعضها أولى من بعض، وأولى هذه الوظائف دعوة المصلين إلى الصلاة، ومن أجل ذلك تشاور الصحابة، ولأجلها قام الأذان، وإظهار الشعيرة من لوازم ذلك، ولم يكن إظهار شعيرة الإسلام هو الباعث على الأذان، ولا مقصوده الأعظم، بل إن الأذان لم ينعقد ابتداءً إلا لإعلام المصلين، وقد نقلت في تاريخ بدء مشروعية الأذان كيف ولماذا شرع الأذان، من حديث ابن عمر في الصحيحين، ومن حديث أنس فيهما، ومن حديث عبد الله بن زيد في السنن إلا النسائي، فارجع إليها؛ لترى لماذا شرع الأذان، ولم يذكر في هذه النصوص البتة إظهار الشعيرة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٩٤٣)، ومسلم (٣٨٢)
(٢) انظر إكمال المعلم (٢/ ٢٤٠)، القبس شرح الموطأ (١/ ١٩١)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣١٤).
(٣) الاستذكار (١/ ٣٨٧).
[ ١ / ٦٨ ]
الوجه الثاني:
إذا كان المقصود من الأذان هو الإعلام بدخول الوقت، والاجتماع للصلاة، فلا يجزئ فيه أذان واحد في المصر إذا كان لا يبلغ أقطاره.
الدليل الثالث:
قال ابن عبد البر نقلًا من إكمال المعلم: «لم يختلفوا أن الأذان واجبٌ في الجملة على أهلِ المِصرِ لأنه شعار الإسلام» (^١).
ولأن إقامة السنن الظاهرة واجب على الجملة، حتى لو ترك ذلك أهل بلد قوتلوا عليه حتى يقيموها.
• ونوقش:
بأن الإجماع غير محفوظ، فإن كان الوجوب أخذ من وجوب مقاتلة أهل البلد إذا تركوا الأذان، فالمسألة نفسها ليست محل إجماع، كما سيأتي تحرير البحث فيها إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، والقائلون بالمقاتلة لا يعني أنهم كلهم بنوا قولهم على ترك ما هو واجب.
• حجة من قال: الأذان فرض كفاية على مساجد الجماعات:
أن الأذان يقام في المسجد لدعوة الناس إلى الصلاة جماعةً خلف الأئمة الذين يجتمع عليهم الناس، ولذلك لا يؤمر النساء بالأذان؛ لأنه لا جماعة عليهن، وصلاتهن في بيوتهن خير لهن، فاختص الوجوب بالمساجد التي تقام فيها الجماعة، ويلحق بمساجد الجماعات ما كان في حكمها.
• وأجيب:
بأن الرسول ﷺ كان يؤذَّنُ له في السفر، وليس في السفر مساجد جماعات.
• ورد هذا الجواب:
بأن كل من يجتمع إليه الناس لأداء الصلاة من الأئمة فإنه يؤذن لصلاته من أجل إعلام الناس واجتماعهم، كعرفة، ومنى، والعدد الكثير يكون في السفر،
_________________
(١) إكمال المعلم (٢/ ٢٤٠).
[ ١ / ٦٩ ]
وكذلك إمام المصر يخرج إلى الجنازة، فتحضر الصلاة، وكذا كل جماعة تطلب غيرها، فإن هؤلاء حكمهم حكم مسجد الجماعات (^١).
• حجة من قال: الأذان شرط:
لا أعلم لهم دليلًا إلا أن يستدلوا بالأدلة الدالة على وجوب الأذان، ويحملوا أدلة الوجوب على الشرطية، ولا يصح الحمل، فإن الشرطية قدر زائد على مجرد الوجوب، نعم قد يقولون: إن ترك واجبات العبادة عمدًا يفسدها، وهذا إنما يقال: فيما يجب فيها، والأذان يجب لها، ولا يجب فيها، على أن فساد العبادة بترك ما يجب فيها فيه نزاع، فالحنفية والمالكية لا يرون أن ترك الواجبات في داخل العبادة يفسد العبادة، ولا يفسدها عندهم إلا ترك ما هو من شرطها فقط، والله أعلم.
• دليل من قال: الأذان فرض كفاية في الجمعة دون غيرها:
الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
فلما كان النداء سببًا للسعي، وكان السعي واجبًا كان النداء واجبًا.
• واعترض عليهم:
بأن رد السلام واجب، وإن كان السلام الذي هو سبب فيه ليس واجبًا.
وأيضًا ذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يعد تخصيصًا.
الدليل الثاني:
أن الأذان دعاء للجماعة، والجماعة واجبة أو شرط في الجمعة، فاختصت بوجوب الدعاء إليها.
• ويناقش:
بأن هذا الدليل يحتج به من لا يرى وجوب الجماعة للصلوات الخمس، وهي
_________________
(١) التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٥٨)، النوادر والزيادات (١/ ١٥٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٣)، الثمر الداني (١/ ٦٩).
[ ١ / ٧٠ ]
مسألة خلافية، وهناك من الفقهاء من يرى وجوب الجماعة إما مطلقًا، وإما فرض كفاية.
• الراجح:
أن الأذان واجب في الحضر، ويلحق به السفر إما استدلالًا بلفظ (إذا خرجتما فأذنا وأقيما)، إن كان محفوظًا، وإما استصحابًا لحكمه في الحضر، فإن ما وجب حضرًا وجب سفرًا إلا بدليل.
وسيأتي إن شاء الله حكم الأذان والإقامة للفائتة، وللصلوات غير الخمس في مواضع من البحث، فانظره مشكورًا، والله أعلم.
[ ١ / ٧١ ]