الفرع الأول استحباب الالتفات في الأذان
المدخل إلى المسألة:
• المقصود من الأذان هو الإعلام.
• ليس في الالتفات والاستدارة تعبد مقصود لذاته، فلا يفعلان إلا لمصلحة تكون أرجح من استقبال القبلة.
• إذا كان الالتفات يضر بالإعلام كما في مكبر الصوت لم يشرع؛ لأنه ينقص الصوت، وهو ركن الأذان والمقصود منه.
• إذا كان الالتفات لا يزيد في الإعلام لا يُفْعَل؛ لأن الانصراف عن القبلة بلا حاجة نزعة ظاهرية في عبادة معللة.
• كل وسيلة تعود بالضرر على المقصد الشرعي من الأذان فإنها وسيلة غير مشروعة.
• الالتفات في الأذان أقوى من الاستدارة.
• تعيين موضع الالتفات في الحيعلتين مدرج من بعض الرواة، وقد تجنب البخاري تخريجها في صحيحه.
[م-٥٩] اختلف العلماء في الالتفات يمينًا وشمالًا:
فقيل: يستحب الالتفات بوجهه يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على
[ ١ / ٤٦٤ ]
الفلاح، وهذا مذهب جمهور العلماء (^١).
قال ابن رجب: «والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة، ويدير وجهه في قول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) يمينًا وشمالًا» (^٢).
وذهب المالكية إلى أن الالتفات ليس من سنة الأذان، ويباح إن كان الغرض منه إسماع الناس (^٣).
• حجة الجمهور على استحباب الالتفات في الحيعلتين:
(ح-١٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، أنه رأى بلالًا يؤذن، فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان (^٤).
ورواه مسلم، عن وكيع، عن سفيان به، بِأَتَمَّ من هذا، ولفظه: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يمينا وشمالًا، يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح الحديث (^٥).
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٢٧٢)، المبسوط (١/ ١٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، تبيين الحقائق (١/ ٩١)، تحفة الفقهاء (١/ ١١١)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٣)، مختصر المزني (١/ ١٢)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٤)، إعانة الطالبين (١/ ٢٣٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٤)، المغني (١/ ٢٥٤)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٤)، الفروع (١/ ٣١٦).
(٢) فتح الباري (٥/ ٣٧٨).
(٣) جاء في المدونة (١/ ٥٨): «لا يعرف هذا الذي يقول الناس يدور، ولا هذا الذي يقول الناس يلتفت يمينًا وشمالًا، قال ابن القاسم: وكان مالك ينكره إنكارًا شديدًا، إلا أن يكون يريد أن يسمع، قال: فإن لم يرد به ذلك فكان ينكره إنكارًا شديدًا أن يكون هذا من حد الأذان، ويراه من الخطأ وكان يوسع أن يؤذن كيف تيسر عليه، قال ابن القاسم: ورأيت المؤذنين بالمدينة يؤذنون ووجوههم إلى القبلة. قال ورأيته يرى أن ذلك واسع يصنع كيف يشاء».
(٤) صحيح البخاري (٦٣٤).
(٥) مسلم (٥٠٣).
[ ١ / ٤٦٥ ]
• ويجاب عن دليل الجمهور:
بأن الالتفات في الأذان لم يروه ثقة عن عون إلا سفيان الثوري، وأكثر مَنْ ذَكَر ذلك عنه ذَكَر الالتفات، ولم يذكر موضعه، ورواه سبعة عشر راويًا عن عون، فلم يذكروا الالتفات (^١).
_________________
(١) الحديث رواه أبو جحيفة، ورواه عن أبي جحيفة ثلاثة: الأول: الحكم، عن أبي جحيفة، رواه البخاري (١٨٨) ومسلم (٢٥٢ - ٥٠٣) من طريق شعبة، قال: حدثنا الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بِوَضُوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه، فيتمسحون به، فصلى النبي ﷺ الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة … ولم يذكر أذان بلال. وهذا لفظ البخاري، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٣٥) من طريق مسعر بن كدام، عن الحكم به، بلفظ: (خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتى بماء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه يتمسحون به، فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين. قال أبو نعيم: غريب من حديث مسعر، لم نكتبه إلا من حديث الوليد بن عبد الملك. يعني عن مخلد بن يزيد عن مسعر. قلت: وقد رواه مسعر، عن عون بن أبي جحيفة، كما أن شعبة رواه عن الحكم، وعن عون، كلاهما عن أبي جحيفة، وسيأتي طريق عون إن شاء الله تعالى. الثاني: أبو إسحاق عن أبي جحيفة. رواه أبو بكر بن عياش، وإسرائيل، ويونس، وزهير، وأبو الأحوص، وشريك، رووه عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة به بذكر صلاة العصر بالأبطح فقط، ولم يذكر صلاة الظهر، ولم يذكر أذان بلال. ورواه زهير بن معاوية، واختلف عليه: فرواه حسن بن موسى، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فزاد في إسناده واسطة بين أبي إسحاق وبين أبي جحيفة. وزهير ممن سمع من أبي إسحاق بآخرة. ورواه المعافى بن سليمان، وعمرو بن خالد الحراني، والحسن بن موسى الأشيب، ثلاثتهم (المعافى، والحراني، والأشيب) عن زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن أبي جحيفة به، كرواية الجماعة، وهي الأولى أن تكون محفوظة، وقد خرجت =
[ ١ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذه الطرق في مسألة وضع الأصبعين في الأذنين، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد. فهذان الاثنان (الحكم بن عتيبة وأبو إسحاق) لم يختلف عليهما في الحديث في عدم ذكر الأذان، وقصر أبو إسحاق السبيعي، فلم يذكر صلاة الظهر. ولا يشك أحد أن النبي ﷺ كان يؤذن له بين يديه حضرًا وسفرًا، وإنما الكلام على الرواية، أكان أبو جحيفة يذكره في الرواية؟ وإذا ذكره، أيختلف عليه في وصفه أم لا؟ الثالث: عون بن أبي جحيفة، عن أبيه. رواه عون بن أبي جحيفة عن أبيه، واختلف عليه في ذكر الالتفات في الأذان، فرواه جمع من الرواة لم يذكر أحد منهم الالتفات، منهم: الأول: شعبة عن عون: رواه البخاري (٤٩٥، ٤٩٩) ومسلم (٢٥٣ - ٥٠٣) بلفظ: (أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عَنَزَة، الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، تمر بين يديه المرأة والحمار) وهذا لفظ البخاري، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما، ولم يذكر شعبة الأذان. الثاني: أبو العميس عتبة بن عبد الله المسعودي عن عون. رواه البخاري (٦٣٣)، ومسلم (٥٠٣) بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ بالأبطح، فجاءه بلال، فآذنه بالصلاة، ثم خرج بلال بالعَنَزَة حتى ركزها بين يدي رسول الله ﷺ بالأبطح، وأقام الصلاة)، وهذا لفظ البخاري، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما، ولم يذكر الأذان. الثالث: مالك بن مغول، عن عون. رواه البخاري (٣٥٦٦) ومسلم (٥٠٣) بلفظ: (دفعت إلى النبي ﷺ، وهو بالأبطح في قبة كان بالهاجرة، خرج بلال فنادى بالصلاة، ثم دخل، فأخرج فضل وَضُوءِ رسول الله ﷺ، فوقع الناس عليه يأخذون منه، ثم دخل، فأخرج العَنَزَة، وخرج رسول الله ﷺ، كأني أنظر إلى وبيص ساقيه، فركز العَنَزَة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والمرأة)، وهذا لفظ البخاري، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما، فهنا ذكر الأذان ولم يذكر الالتفات. الرابع: عمر بن أبي زائدة، عن عون. أخرجه البخاري (٥٨٥٩) ومسلم (٥٠٣) بلفظ: (أتيت النبي ﷺ، وهو في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالًا أخذ وَضُوءَ النبي ﷺ، والناس يبتدرون الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يُصِبْ منه شيئًا، أخذ من بلل يد صاحبه)، وهذا لفظ البخاري، لم يذكر الأذان ولا الالتفات. فهؤلاء الأربعة روايتهم مخرجة في الصحيحين، وقد اتفقوا على عدم ذكر الالتفات. الخامس: مسعر، عن عون. =
[ ١ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٩٩) ح ٢٤٢، ٢٤٣، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٧)، ولفظ أحمد، والطبراني: (صلى إلى عنزة، أو شبهها، والطريق من ورائها). وليس فيه ذكر للأذان. السادس: بسام الصيرفي (صدوق)، عن عون. كما في مستخرج أبي عوانة (١٤١١) مختصرًا، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢١) ح ٣١١، ومعجم ابن الأعرابي (٧١٧) من طريق الحسن بن علي بن يزيع، ومحمد بن الحسن ابن عبد الملك البنا، كلاهما، عن عثمان بن سعيد المري، حدثنا بسام الصيرفي به. وساق ابن الأعرابي الحديث بتمامه، ولفظه: (رأيت رسول الله ﷺ في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالًا قد أخرج فضل وضوء رسول الله ﷺ، فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب شيئًا أخذ مما على يد صاحبه، فتمسح به، قال: ورأيت بلالًا أخرج عنزة فركزها، وخرج رسول الله ﷺ فصلى بالناس إلى العنزة، والناس والدواب يمرون بين يديه)، ولفظ الطبراني نحوه. ولم يذكر الأذان. السابع: أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، عن عون. رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠٣) ح ٢٥٣ من طريق أبي حمة محمد بن يوسف، حدثنا أبو قرة قال: ذكر ابن جريج، عن أبي خالد، أخبره عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أبي جحيفة قال: صليت مع النبي ﷺ بالأبطح، وكان النبي ﷺ في قبة من أدم، فتوضأ من تور حجارة، فخرج بلال بفضله، فصلى الظهر والعصر، يمر بين يديه الرجل والمرأة والحمار من وراء الحربة. وأبو خالد الدالاني صدوق سيئ الحفظ،، وأبو حمة ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ وأغرب، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، صاحب أبي قرة، فهذا إسناد جيد في المتابعات. الثامن: عبد الله بن المختار (ثقة)، عن عون. أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٧٩) من طريق أبي سلمة (موسى بن إسماعيل)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠٥) ح ٢٥٨ من طريق حجاج بن المنهال، وإبراهيم بن الحجاج السامي، ثلاثتهم، عن حماد بن سلمة، حدثنا حجاج، وعبد الله بن المختار، عن عون به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلى بالبطحاء، وبين يديه عنزة، فجعل يمر من ورائها الكلب والحمار والمرأة. وسنده صحيح. وقد روي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة مرسلًا. التاسع: عبد الجبار بن العباس، عن عون. أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٢٣٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٧): بلفظ: =
[ ١ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (لما كان يوم النفر نزلنا بالأبطح، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فنادى بالصلاة، ثم أخرج وضوء رسول الله ﷺ، فوثب الناس عليه، فمن بين نائل وناضح، ثم أخرج عنزة فركزها بينه وبين الطريق). ورجاله كلهم ثقات إلا عبد الجبار فإنه صدوق يتشيع، قاله ابن حجر، والذهبي، ووثقه أبو حاتم الرازي على تشدده، وقال أبو داود: ليس به بأس، وهو يتشيع، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس. العاشر: زيد بن أبي أنيسة، عن عون. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١١٧) ح ٣٠٠ حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد ابن أبي أنيسة، عن ابن أبي جحيفة، عن أبيه قال: نزلنا مع نبي الله ﷺ بالأبطح فنادى بلال بصلاة الظهر، فجاء إلى نبي الله ﷺ، فدخل عليه في بيت، وأدخل معه تورًا من ماء من أدم، فتوضأ نبي الله ﷺ، وبقيت فيه بقية، ثم خرج، فلقد رأيتنا نبتدر، ثم أخذ بلال عنزة، فركزها فخرج نبي الله ﷺ، فصلى بنا ركعتين، ولقد رأيت المرأة والكلب تمر بين أيدينا، ونحن نصلي. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا محمد بن وهب بن أبي كريمة فإنه صدوق، فالإسناد حسن إن شاء الله. الحادي عشر: أشعث بن سَوَّار، عن عون بن أبي جحيفة. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١١٠) بلفظ: (حججت مع رسول الله ﷺ، وأنا غلام، فبينما نحن نزول بمنى، قال قائل: ارتحل رسول الله ﷺ، فأقوم على راحلتي، فأشد عليها، وضربت نحوه حتى انتهينا إلى البطحاء، فإذا جماعة من الناس غير كثير، وإذا قبة مضروبة، فخرج علينا بلال، ومعه وضوء وعنزة، ثم أذن، فخرج رسول الله ﷺ، فتوضأ، فأفضل فضلة، فإذا الناس يأخذون منها، فيمسحون وجوههم ورؤوسهم، فالتفت ففعلت مثل ما فعلوا، ثم صلى رسول الله ﷺ، والعنزة بين يديه، والناس مقبلون ومدبرون. وأشعث فيه ضعف، إلا أنه صالح في المتابعات، ولم أَرَ في لفظه ما يقال: إنه قد انفرد به. الثاني عشر: رقبة بن مصقلة، عن عون بن أبي جحيفة. رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢٠) ح ٣٠٩، قال: حدثنا أحمد بن الخضر المروزي، ثنا أحمد بن عبدة المروزي قال: ثنا أبو معاذ النحوي الفضل بن خالد، عن رقبة بن مصقلة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو بالأبطح في قبة من أدم، فخرج بلال، فأذن بالصلاة صلاة الظهر، ثم دخل فوضأه، ثم أخرج فضل وضوئه في تور، فازدحمنا عليه، فمن مصيب بطوله، ومن منتضح عليه من الماء ما قدر له، ثم دخل، فأخرج عنزة، فركزها بينه وبين القبلة، تمر المرأة والحمار، ثم أقام فخرج النبي ﷺ في حلة =
[ ١ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيه، فأمنا الظهر والعصر ركعتين ركعتين. وشيخ الطبراني ذكره الخطيب البغدادي، وقال: روايته عند أهل خراسان كثيرة منتشرة، ووثقه الدارقطني في غرائب مالك. وانظر إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (٩٩). وفيه أبو معاذ النحوي، روى عن عبد الله بن المبارك، وداود بن أبي هند، وروى عنه أحمد بن عبدة، ومحمد بن شقيق، وعبد العزيز بن منيب، والأزهري في التهذيب وأكثر عنه، وذكره ابنحبان في الثقات (٩/ ٥)، ولم يوثقه أحد غيره. وسكت عليه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وذكره الحموي في معجم الأدباء (٨٩٤)، والوافي بالوفيات (٢٤/ ٢٨) وذكرا أن له كتابًا في القرآن حسنًا، وله ذكر في كتاب غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٩)، وذكره ابن قُطْلُوْبَغَا في كتابه الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٧/ ٥١٥)، والله أعلم، فالإسناد صالح في المتابعات، ولم أر في لفظه ما يقال: إنه قد انفرد به. الثالث عشر: ابن أبي ليلى، عن عون. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥٠٢٥)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١١٨) ح ٣٠٣ بلفظ: (رأيت النبي ﷺ يوم النفر بالأبطح، فأذن بلال الظهر، ثم صلى رسول الله ﷺ. هذا لفظ ابن أبي شيبة، وابن أبي ليلى سيئ الحفظ، وينجبر بكثرة المتابعات. ورواه الطبراني في الكبير (٣٠٣) من طريق عمران بن أبي ليلى. ومن طريق خالد الطحان، عن ابن أبي ليلى به، بلفظ أتم، ولفظه (كنت مع رسول الله ﷺ بالأبطح، فقلت: لأحفظن كيف صلاة رسول الله ﷺ اليوم، فخرج بلال، ثم دخل فخرج بفضل وضوء رسول الله ﷺ، فابتدره الناس، فمن بين آخذ وناضح، ثم دخل، فأخرج عنزة، فركزها، ثم خرج النبي ﷺ، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه من ورائها، فأقام بلال الصلاة، وتقدم رسول الله ﷺ وصفنا خلفه، فصلى بنا، وبين يديه الحمار والمرأة والكلب). وعمران بن أبي ليلى ضعيف، وخالد الطحان وإن كان ثقة إلا أن شيخ الطبراني في هذا الطريق هو عيسى بن محمد السمسار مجهول الحال لم أقف على من عدله، وقد قال الهيثمي في إسناد حديث من طريقه: رجاله ثقات. وقوله: (من ورائها) لم تثبت، انفرد فيها ابن أبي ليلى، وليس هذا موضع بحثها. الرابع عشر: عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء، عن عون. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١١٥) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الحميد به، بلفظ: (كان يركز للنبي ﷺ عنزة في الفضاء، فيصلي إليها) وعبد الحميد بن أبي جعفر لم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة، وأثنى عليه شريك خيرًا، وقال أبو حاتم: شيخ كوفي، وذكره ابن حبان في الثقات. ورواه الدارقطني في الأفراد كما في أطرافه (٤٥٩٣)، وقال: تفرد به المحاربي، عن =
[ ١ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عبد الحميد. اه ولعل الخطأ فيه في لفظه حيث جعله قضية عامة. الخامس عشر: المسعودي عن عون به. أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٤٥٨)، من طريق يزيد بن هارون. والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢١) ح ٣١٠ من طريق الحسين بن محمد، حدثنا المسعودي به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ بالأبطح قد ركز بين يديه عنزة، يمر بين يديه الحمار والمرأة. والمسعودي قد اختلط، ويزيد بن هارون سمع من المسعودي بعد الاختلاط، وأما الحسين بن محمد فلم أقف، أروى عنه قبل اختلاطه أم بعده؟ وإن كنت أميل إلى الثاني؛ لأن الحسين بغدادي، ومن حدث عنه ببغداد فإنه ممن روى عنه بعد اختلاطه، إلا أن القدر الذي رواه المسعودي في هذا الحديث لم يتفرد به، والله أعلم. السادس عشر: أبو بردة الأشعري، عن عون بن أبي جحيفة. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١١٣) ح: ٢٨٨، قال: حدثنا أحمد بن زهير التستري، حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي بردة الأشعري به، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ بالبطحاء، وقد أذن بلال، فخرج النبي ﷺ من قبة له من أدم، فجلس بفنائها، ثم أتي بطهور، فتوضأ، ثم بادر الناس إلى فضل وضوئه من شارب ومتوضئ، ثم أتي رسول الله ﷺ بعنزة، فغرزت بين يديه، فصلى بالناس، وإن الصبي والمرأة والشاة والبعير يمرون بين يديه. السابع عشر: أشعث بن سوار (ضعيف)، عن أبي عون. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١١٠) ح ٢٧٨ من طريق الفضل بن العلاء، حدثنا أشعث به، بلفظ: (حججت مع رسول الله ﷺ، وأنا غلام، فبينما نحن نزول بمنى قال قائل: «ارتحل رسول الله ﷺ، فأقوم على راحلتي، فأشد عليها، وضربت نحوه حتى انتهينا إلى البطحاء، فإذا جماعة من الناس غير كثير، وإذا قبة مضروبة، فخرج علينا بلال، ومعه وضوء وعنزة، ثم أذن، فخرج رسول الله ﷺ، فتوضأ، فأفضل فضلة، فإذا الناس يأخذون منها، فيمسحون وجوههم، ورؤوسهم، فالتفت، ففعلت مثل ما فعلوا، ثم صلى رسول الله ﷺ، والعنزة بين يديه، والناس مقبلون ومدبرون). وهذا إسناد صالح في المتابعات. فهؤلاء سبعة عشر راويًا، رووا الحديث عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أربعة منهم في الصحيحين، وقد رووا الحديث، فبعضهم ذكر الأذان، وبعضهم لم يذكره، ومن المعلوم أن النبي ﷺ ما كان يدع الأذان لا حضرًا، ولا سفرًا، وكل من ذكر الأذان منهم لم يذكر الالتفات فيه، ولو كان هؤلاء يروون واقعة شاهدوها لقيل: كلٌ نَقَل من الواقعة ما كان في موضع اهتمامه، ولكنهم يروون حديثًا لشيخ واحد، وهو عون بن أبي جحيفة، رواه عن أبيه، ونقله لهم. ورواه سفيان الثوري (وهو إمام حافظ)، عن عون بن أبي جحيفة فذكر الالتفات في الأذان، إلا أن أصحاب سفيان ذكروا الالتفات عنه، ولم يذكروا موضعه، إلا وكيعًا، وقد اختلف عليه، =
[ ١ / ٤٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كما سيأتي بيانه، وأكثر أصحاب وكيع لا يذكرون موضع الالتفات. وأخرج البخاري رواية سفيان التي تذكر الالتفات، إلا أنه تجنب تخريج الرواية التي تذكر موضع الالتفات، فلو اعتبرنا الالتفات وحده دون ذكر موضعه محفوظًا، واعتبرنا زيادة سفيان من باب زيادة الثقة لتصحيح البخاري ومسلم، فإن إعراض البخاري عن الرواية التي تذكر موضعه مع أنها على شرطه دليل على أنها لم تثبت لديه، وفي رواية سفيان زيادات ثلاث لم يوافقه عليها إلا الضعفاء ممن رووا الحديث عن عون، وأما الثقات فلا يذكرونها، مما يدل على ضعف رواية سفيان، من هذه الزيادات. اللفظ الأول: وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان. وقد خرجتها وتكلمت عليها، انظر ح (١٥٩) فارجع إليه إن شئت. اللفظ الثاني: الالتفات في الأذان. لم يروه ثقة عن ابن عون، إلا سفيان، ولم يُتَابِع سفيانَ على ذكر الالتفات إلا قيسُ بن الربيع وفي حفظه شيء كما أسلفت، وقد روى سفيان الالتفات على ثلاثة ألفاظ: اللفظ الأول: (فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا)، ولم يذكر موضع الالتفات. رواه بهذا اللفظ جماعة منهم: الأول: محمد بن يوسف، كما في صحيح البخاري (٦٣٤). الثاني: الحسين بن حفص، كما في مستدرك الحاكم (٧٢٥)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٩٥). الثالث: إسحاق الأزرق، كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٣٧٨) والسنن الكبرى له (٩٧٤١)، ومستخرج أبي عوانة (٩٦٣)، ومستخرج الطوسي على جامع الترمذي (١٨٠)، وصحيح ابن خزيمة بإثر حديث (٣٨٧)، وصحيح ابن حبان (٢٣٨٢)، بلفظ: (كنا مع النبي ﷺ بالبطحاء، وهو في قبة حمراء، وعنده أناس يسير، فجاءه بلال، فجعل يتبع فاه ههنا وههنا). زاد في مستخرج أبي عوانة، وصحيح ابن خزيمة ومستخرج الطوسي: يعني قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح)، وفي صحيح ابن حبان: قال سفيان: يعني يقول حي على الصلاة حي على الفلاح، وكلمة (يعني) هذا تفسير للرواية، وليس منها، وإضافتها إلى سفيان دليل على أن من ذكرها في الرواية قد أدرجها. الرابع: عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان ولم يذكر الالتفات. رواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٠٨) ومحمد بن بشار كما في المجتبى من سنن النسائي (٧٧٢) وفي الكبرى له (٨٥٠) وابن حبان في صحيحه (٢٣٣٤)، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان به، بلفظ: (أن النبي ﷺ خرج في حلة حمراء، فركز عنزة، فجعل يصلي إليها بالبطحاء، يمر من ورائها الكلب والحمار والمرأة)، ولم يذكر الأذان. =
[ ١ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه أبو موسى محمد بن المثنى كما في صحيح ابن خزيمة (٣٨٧) عن عبد الرحمن بلفظ: (رأيت بلالًا يؤذن، فيتبع بفيه)، ووصف سفيان: يميل برأسه يمينا وشمالًا. ولم يذكر موضع الالتفات. ورواه أبو عوانة في مستخرجه (٩٦١) من طريق القواريري، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي به، بلفظ: (رأيت بلالًا أذن، فجعل يتبع بفيه يمينًا وشمالًا) ولم يذكر موضع الالتفات، فرواية ابن مهدي عن سفيان لم يختلف عليه في عدم ذكر موضع الالتفات، وهو من أوثق أصحابه. الخامس: يحيى بن آدم كما في جزء من حديث أبي القاسم بدر بن الهيثم القاضي (١٥)، انظر: جمهرة الأجزاء الحديثية. السادس: عباد بن موسى (ثقة) كما في أمالي ابن السماك (٣). السابع: محمد بن منصور كما في سنن النسائي (١٣٧)، ولم يذكر الأذان. الثامن: سفيان بن عيينة كما في مستدرك الحاكم (١/ ٣١٨)، ولم يذكر الأذان، وقد تحرف اسم سفيان بن عيينة عند الحاكم إلى إبراهيم بن عتبة، والتصحيح من إتحاف المهرة (١٣/ ٦٨٧). فهذا محمد بن يوسف، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق الأزرق، والحسين بن حفص، وعباد بن موسى الأزرق، ويحيى بن آدم ومحمد بن منصور، وابن عيينة، ثمانيتهم رووه عن سفيان، ولم يذكروا موضع الالتفات، وبعضهم لم يذكر الأذان. اللفظ الثاني: عن سفيان: ذكر الالتفات وذكر موضعه. رواه وكيع وحده، واختلف عليه: فرواه زهير بن معاوية (ثقة ثبت) كما في صحيح مسلم (٥٠٣)، ومسند أبي يعلى في مسنده (٨٨٧)، وصحيح ابن حبان (٢٣٩٤). وسلم بن جنادة (صدوق ربما خالف) كما في صحيح ابن خزيمة بإثر ح (٣٨١) كلاهما عن وكيع به، بذكر موضع الالتفات. وانفرد سلم بن جنادة بقوله: (التفت يمينًا وشمالًا حي على الفلاح). فجعل الالتفات يمينًا وشمالًا حي على الصلاة، ويمينًا وشمالًا حي على الفلاح، ولم يقل ذلك أحد غيره، وسوف يأتي تخريجها في مسألة مستقلة. والحديث في كتاب وكيع كما في فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٧٥) (فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه يحرف رأسه يمينًا وشمالًا). اه ولم يذكر موضع الالتفات مما يرجح وهم زهير وابن جنادة. ورواه أحمد عن وكيع في المسند (٤/ ٣٠٨)، ومن طريقه رواه البيهقي في السنن (٣/ ٢٢٣) به، وليس فيه ذكر موضع الالتفات. =
[ ١ / ٤٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لكن رواه البيهقي من طريق أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي به، بلفظ: (فجعلت أتبع فاه ههنا، وههنا يقول يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح). وأحمد بن جعفر تغير في آخر عمره، وقال ابن حجر: صدوق في نفسه، مقبول، تغير قليلًا. فأظن أن ما في المسند مقدم على هذا الطريق والله أعلم. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١٧٩)، وفي معجم الطبراني الكبير (٢٢/ ١٠٢) ح ٢٤٩، وفي مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (١١١٠)، عن وكيع به، وليس فيه موضع الالتفات. ورواه مسلم (٥٠٣) عن ابن أبي شيبة مقرونًا بزهير وأبي خيثمة كلاهما (ابن أبي شيبة وأبو خيثمة) روياه عن وكيع به، بذكر موضع الالتفات، وقد يكون هذا لفظ زهير، لأن ابن أبي شيبة روايته في المصنف، وفي معجم الطبراني، وفي مستخرج أبي نعيم ليس فيها ذكر موضع الالتفات، بينما رواية زهير وحده فيها موضع الالتفات في مسند أبي يعلى، وصحيح ابن حبان. ورواه محمود بن غيلان (ثقة)، كما في المجتبى من سنن النسائي (٦٣٩، ٦٤٣) وفي الكبرى (١٦١٩). ومحمد بن سليمان الأنباري (ثقة)، كما في سنن أبي داود (٥٢٠). ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (ثقة) كما في صحيح ابن خزيمة (٢٩٩٥). ومحمد بن الصباح (ثقة)، وعثمان بن محمد (ثقة)، كما في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (١١١٠). وحاجب بن أحمد الطوسي عن عبد الله بن هشام (الطوسي) (ثقة) كما في شرح السنة للبغوي (٤٠٩)، ستتهم رووه عن وكيع، وليس فيه ذكر موضع الالتفات، وهؤلاء يوافقون رواية أحمد وابن أبي شيبة، فلو خالف زهير وسلم بن جنادة الإمام أحمد لرجحته عليهما، فكيف، وقد خالفوا جمعًا من الرواة الثقات، ويترجح خطؤهما لمخالفتهما ما في كتاب وكيع، فإن كتاب وكيع ليس فيه ذكر موضع الالتفات، وبعض الرواة يقول بعد قوله: يتتبع فاه ههنا وههنا -يعني: يمينًا وشمالًا- فقوله: (يعني) جملة تفسيرية، ليست من الرواية، وليس في هذا النص أيضًا ما يدل على موضع اليمين والشمال، من جمل الأذان، كل ذلك يدل على أنه ربما ذكرت تفسيرًا فأدرجها بعضهم في الحديث. وقد تابع سفيان من رواية وكيع عنه في ذكر موضع الالتفات قيس بن الربيع: فرواه أبو داود (٥٢٠) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع، عن عون بن أبي جحيفة به، بلفظ: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح، فأذن، فلما بلغ حي على الصلاة، حي على الفلاح، لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر، ثم دخل فأخرج العنزة وساق حديثه. والحديث في الصحيحين أنه التفت يمينًا وشمالًا، دون قوله: (ولم يستدر)، فنفي الاستدارة=
[ ١ / ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإثباتها منكر في حديث أبي جحيفة. وقيس بن الربيع كما قلت سيئ الحفظ، وتغير بآخرة. وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١١٤) ح ٢٨٩ من طريق بلال الأشعري، ويحيى الحماني، واللفظ لبلال، عن قيس بن الربيع، به، بلفظ: رأيت بلالًا خرج بالهاجرة، ومعه عنزة، فركزها، ثم قام يؤذن، فجعل أصبعيه في أذنيه، وجعل يقول برأسه هكذا وهكذا. ولم يذكر موضع الالتفات، ويحيى بن عبد الحميد الحماني رغم أني لم أقف على لفظه إلا أنه ضعيف، متهم بسرقة الحديث. وكذا بلال الأشعري صاحب اللفظ ضعيف أيضًا، قال البيهقي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب ويتفرد. ولينه أبو عبد الله الحاكم. وضعفه الدارقطني، وقد خالفهما موسى بن إسماعيل، وهو أوثق منهما، لكن علة الإسناد قيس بن الربيع، هذا هو الراوي الوحيد الذي تابع سفيان من رواية وكيع عنه في ذكر موضع الالتفات. اللفظ الثالث عن سفيان: ذكر الدوران بدلًا من الالتفات يمينًا وشمالًا. فإن حمل الدوران على الالتفات وأن المقصود استدارة الرأس دون الجسد كان ذلك من الرواية بالمعنى، إلا أن كل من روى الاستدارة لم يذكر موضعها من جمل الأذان، وإن حمل الدوران بالاستدارة الكاملة والانحراف عن القبلة، كان هذا اختلافًا آخر على سفيان، إذا علم ذلك نأتي لتخريج هذه اللفظة. رواها عبد الرزاق في مصنفه (١٨٠٦) عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، فأتتبع فاه ههنا وههنا، وأصبعاه في أذنيه قال: ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء، قال: فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها بالأبطح، فصلى رسول الله ﷺ إليها الظهر والعصر يمر بين يديه الكلب، والحمار، والمرأة، وعليه حلة حمراء. ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد (٤/ ٣٠٨)، والترمذي (١٩٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢/ ٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠١) ح ٢٤٨، والحاكم في المستدرك. وقد انفرد عبد الرزاق عن سفيان بذكر الاستدارة، ولفظ الاستدارة في رواية عبد الرزاق عن سفيان، عن عون مدرج في الحديث، ولم يسمعه سفيان من عون، بل هو من حديث سفيان، عن حجاج بن أرطاة، عن عون، وسفيان مدلس، فتارة يروي الحديث بما رواه عن حجاج، عن عون، ويسقط حجاجًا، وأحيانًا يروي الحديث بما سمعه من عون، بَيَّن ذلك يحيى بن آدم، عند الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٥) ح ٢٦١ =
[ ١ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا، فأذن، فأتبع فاه ههنا وههنا، والتفت يمينًا وشمالًا، قال سفيان: كان حجاج- يعني ابن أرطاة- يذكر لنا عن عون أنه قال: فاستدار في أذانه، فلما لقينا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة. اه. فهذا صريح أن ما سمعه سفيان من عون ليس فيه ذكر الاستدارة، وأن ما رواه سفيان من الاستدارة إنما سمعه من حجاج بن أرطاة عن عون. وقال الشيخ تقي الدين في الإمام نقلًا من البدر المنير: «في رواية أبي الوليد (العدني)، عن سفيان، حدثني من سمع من عون. وقد أعل البيهقي في السنن (١/ ٣٩٥) هذه اللفظة، وقال: «سفيان إنما روى هذه اللفظة في الجامع رواية العدني عنه، عن رجل لم يُسَمِّه، عن عون». قلت: قد صرح في رواية الطبراني أن هذا الرجل هو حجاج بن أرطاة. وبذلك أعلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وبين أنها مدرجة في الحديث، انظر فتح الباري (٢/ ١١٥). وقد رواه عن سفيان جمع من الرواة، ولم يذكروا ما ذكره عبد الرزاق، منهم: محمد بن يوسف كما عند البخاري (٦٣٤) وغيره. ووكيع كما في صحيح مسلم (٥٠٣) وغيره. وعبد الرحمن بن مهدي كما في مسندأحمد (٤/ ٣٠٨)، والمجتبى من سنن النسائي (٧٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (٣٨٧)، ومسند أبي عوانة (٩٦١)، وصحيح ابن حبان في صحيحه (٢٣٣٤). وإسحاق الأزرق كما في سنن النسائي (٥٣٧٨)، ومستخرج أبي عوانة (٩٦٣)، وصحيح ابن خزيمة على إثر حديث (٣٨٧). والحسين بن حفص، كما في سنن البيهقي (١/ ٣٩٥). وسفيان بن عيينة، كما في مستخرج أبي عوانة (١٤٠٩)، ومستدرك الحاكم. كلهم رووه عن سفيان الثوري، ولم يذكروا ما ذكره عبد الرزاق من الاستدارة، فلا يشك الباحث بخطأ عبد الرزاق، كيف وقد جاء مفصلًا من رواية سفيان عن عون، ليس فيها الاستدارة، ورواية سفيان، عن حجاج، عن عون، وفيها الاستدارة، فصارت الاستدارة في لفظ سفيان مردها إلى حجاج، وهو ضعيف. الطريق الثاني: ممن ذكر الاستدارة حجاج بن أرطاة، عن عون رواه ابن أبي شيبة (٢١٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٨٩٤)، وابن ماجه في السنن (٧١١)، والبزار في مسنده (٤٢١٨، ٤٢٤٠)، والدارمي في سننه (١١٩٩)، وأبو عوانة في مستخرجه=
[ ١ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٠٥) ح ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٦، وابن خزيمة في صحيحه (٣٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٥) رووه عن حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، بلفظ: أتيت رسول الله ﷺ، وهو بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، وجعل أصبعيه في أذنيه. وحجاج بن أرطاة ضعيف، ومدلس. الطريق الثالث ممن ذكر زيادة الاستدارة: إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة. روى الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠١) ح ٢٤٧ من طريق محمد بن نوح الرازي، حدثنا زياد بن عبد الله، عن إدريس، عن عون بن أبي جحيفة به، بلفظ: أتينا رسول الله ﷺ وحضرت الصلاة، فقام بلال فأذن، فجعل أصبعيه في أذنيه، وجعل يستدير، وأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ هو وأصحابه، ففضل من الماء فضلة، فجعلنا نبتدر فضله، ثم أخرج عنزة، فركزها، وأقام الصلاة، فصلى إليها الظهر ركعتين، والعصر ركعتين. ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٠، ١٠١) ح: ٢٤٥، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٧) من طريق زكريا بن يحيى زحمويه، حدثنا زياد به، مرة بلفظ: أن بلالًا كان يؤذن لرسول الله ﷺ بصوتين صوتين. ورواه الطبراني (٢٢/ ١٠٢) ح: ٢٤٦، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٠٧) من طريق زحمويه نفسه، بلفظ: أذن بلال لرسول الله ﷺ بمنى مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى. وفي إسناده زياد بن عبد الله البكائي، مختلف فيه، قال ابن حجر في حديثه عن غير ابن إسحاق لين. اه وانظر الكلام فيه مستوفى في تخريج وضع الأصبعين في الأذنين. الطريقان الرابع والخامس: هيثم وحماد عن عون بن أبي جحيفة. رواه أبو الشيخ الأصبهاني كما في نصب الراية (١/ ٥٠٧) قال الزيلعي: «أخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأذان عن حماد وهيثم جميعًا، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن بلالًا أذن لرسول الله ﷺ بالبطحاء، فوضع أصبعيه وجعل يستدير يمينًا وشمالًا. وحماد هو ابن تُحَيٍّ ضبطه ابن ماكولا بفوقية مضمومة، ثم مهملة مفتوحة، وتحتانية مشددة، نقله ابن جحر في التهذيب، ولم يتعقبه، وضبط في تاج العروس تُحْيَى الكوفي مجهول، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: تفرد عنه محمد بن إبراهيم بن أبي العنبس، كوفي لا يعرف. اه وذكره الحافظ في التهذيب تمييزًا، ونقل كلام الذهبي، وفي التقريب: مجهول. ورواه الدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ٣١١)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في تلخيص المشتبه بالرسم (١/ ٥٥٥) حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس القاضي، حدثني عمي محمد بن إبراهيم بن أبي العنبس=
[ ١ / ٤٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حدثني حماد بن تحي حدثنا عون بن أبي جحيفة به، بلفظ: إذا سافر صلى ركعتين حتى يرجع. وفي إسناده أحمد بن محمد بن عقدة، متهم بالكذب مع كونه حافظًا، وقواه آخرون، وفي إسناده أيضًا محمد بن إبراهيم بن أبي العنبس مجهول، وهذا اللفظ جزء من حديث أبي جحيفة، فقد رواه مسلم من طريق وكيع، حدثنا سفيان، حدثنا عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فَمِنْ نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا -يقول: يمينًا وشمالًا- يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح. قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم، فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. فروى منه حماد بن تحي الجملة الأخيرة، وجعله قضية عامة، ولم يذكر الاستدارة. وقد تكلمت عن هذا الطريق في تخريج حديث وضع الأصبعين في الأذنين، ح (١٥٩)، فارجع إليه إن شئت. فهؤلاء هم الذين ذكروا الاستدارة في حديث أبي جحيفة، وأعيدهم للتذكير، سفيان من رواية عبد الرزاق عنه، وخالفه جمع من الحفاظ عن سفيان فلم يذكروها، وقد قيل إن سفيان أخذها من حجاج بن أرطاة. وحجاج بن أرطاة، وإدريس الأودي، وهيثم وحماد. وخالفهم قيس بن الربيع في سنن أبي داود (٥٢٠) فروى الحديث من طريقه عن عون به، بلفظ: فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر. فنفى الاستدارة. وقد تكلمت على هذا الطريق. فالخلاصة: أن حديث عون بن أبي جحيفة، قد انفرد سفيان الثوري في ذكر الالتفات، رواه عنه أصحابه مطلقًا بلا تحديد موضع الالتفات، منهم ابن مهدي، ومحمد بن يوسف، ومحمد بن منصور، ويحيى بن آدم، وغيرهم، وبعضهم يذكرها منسوبة إلى سفيان من قوله تفسيرًا لقوله (يتبع فاه ههنا وههنا) قال: يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، ورواه وكيع من رواية زهير بن معاوية، وسلم بن جنادة عنه، ونص على أن الالتفات في الحيعلتين، ورواه جمع عن وكيع، على رأسهم أحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، ومحمد بن سليمان الأنباري، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن الصباح، وعثمان بن محمد، وحاجب ابن أحمد الطوسي، كلهم رووه عن وكيع، ولم يذكروا موضع الالتفات، وهو الموافق لما في كتاب وكيع، وهي الموافقة لرواية الجماعة عن سفيان، ولم يتابع سفيان في ذكر الالتفات إلا قيس ابن الربيع، وقد رواه سبعة عشر راويًا عن عون بن أبي جحيفة، ولم يذكروا ما ذكره=
[ ١ / ٤٧٨ ]
• دليل المالكية على أن الالتفات مباح:
الدليل الأول:
أنكر مالك الالتفات وقال: لا يُعْرَف هذا الذي يقول الناس يلتفت يمينًا وشمالًا، وكان مالك ينكره إنكارًا شديدًا، ويراه من الخطأ، وقال: إنه ليس من حد الأذان، إلا إذا كان من أجل أن يسمع (^١).
فقول الإمام مالك: (لا يُعْرَف) هذا النفي ظاهره أنه لا يعرف من عمل الناس، ويحتمل أنه لا يعرف من جهة الأثر، وإن كان الأول أقرب؛ لأن مستند مالك في جمل الأذان وصفته على ما كان عليه العمل في وقته، قال مالك: ما أدري ما أذان يوم ولا ليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده إلى اليوم لم يحفظ عن أحد إنكار لهذا الأذان، ولا نسبته إلى التغيير.
قال الباجي معلقًا: وهذا لعمري من أقوى الأدلة، ومما لا يعارض بأخبار الآحاد؛ لأن الأذان في مسجد رسول الله ﷺ أمر متصل في وقت كل صلاة» (^٢).
ولو حاول أحد أن يغير، أو يبدل، أو يضيف، أو ينقص لجرى إنكار ذلك عليه، من بعضهم، ولا يظن بجميعهم السكوت على عمل غير مشروع.
ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان والإقامة والصاع والمد ونحوها من الأمور المحسوسة المعول فيه على ما نقله أهل المدينة عن التابعين؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (^٣).
ومن أصول مالك تقديم العمل على ظاهر الأثر؛ لأن الثاني قد يتعرض للسهو
_________________
(١) = سفيان. أيحتمل تفرد سفيان بذكر الالتفات لإمامته وحفظه أم يقال: إن هذا التفرد يجعل الالتفات شاذًا؟ الأمر محتمل، وإن ذهبنا إلى أن الالتفات محفوظ، فإن موضع الالتفات ليس محفوظًا لإعراض البخاري عن تخريجه، ولتفرد وكيع بذكره مع الاختلاف عليه، فإن أكثر الرواة عن وكيع لم يذكروا موضع الالتفات وعلى رأسهم الإمام أحمد وابن أبي شيبة غيرهما، والله أعلم.
(٢) انظر المدونة (١/ ٥٨).
(٣) إحكام الفصول (١/ ٤٩٠)، وانظر البيان والتحصيل (١٧/ ٣٣١).
(٤) انظر المنتقى للباجي (١/ ١٣٤)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٣١).
[ ١ / ٤٧٩ ]
والخطأ بخلاف الأول.
ويظهر أنه يلزم من مذهب مالك إعلال ما تفرد به سفيان من الالتفات في الأذان.
فإن قيل: هل يوجد أحد من المتقدمين أعل زيادة الالتفات في الأذان؟
فالجواب: وهل سكوت أئمة الجرح والتعديل من المتقدمين يعد منهم تصريحًا في الحكم بحفظها، فلو وجد نقل عن تتابع الأئمة المتقدمين على قبولها لم يخالفهم أحد من المتأخرين، والإمام البخاري لم يجزم بالترجمة، فقال في صحيحه: هل يلتفت في الأذان، ولم يذكر موضع الالتفات، وانفرد وكيع عن سفيان بذكر موضع الالتفات، وقد اضطرب وكيع في ألفاظ الحديث، فنطبق قواعد الأئمة المتقدمين على هذه الزيادة والله أعلم.
الدليل الثاني:
الأصل في التوجه إلى القبلة أنه أكمل من الالتفات والدوران عنها، فإذا لم يكن في الالتفات والدوران عن القبلة مصلحة أرجح من استقبالها لم يلتفت ولم يُسْتَدَرْ، ولهذا قيدنا جواز الالتفات والدوران أن يكون بقصد الإسماع؛ لأن الناس هم المقصودون بالأذان.
الدليل الثالث:
إذا كان الالتفات يضر بالإعلام كما في مكبر الصوت لم يشرع؛ لأنه ينقص الصوت، وهو مقصود في الأذان، وإذا كان الالتفات لا يزيد في الإعلام لا يفعل؛ لأن الانصراف عن القبلة بلا حاجة نزعة ظاهرية في فعل معلل.
الدليل الرابع:
الفعل منه ما هو مقصود لذاته، وهذا يفعل مطلقًا، ومنه ما هو وسيلة لغيره، فهذا يفعل ما دام يتوصل به إلى ذلك الغير، ومنه الالتفات عن القبلة بقصد الإسماع، فإذا كان يضر بالإسماع لم يَعُد وسيلة مشروعة، بل عاد بالضرر على مقصود الشارع من الأذان، وهو الإعلام، ودعك ممن يقول: يلتفت، ولو أضر بالإسماع محافظةً على السنة، فإن هؤلاء ليس عندهم إلا الجانب العاطفي، وهم خلو من النظر الفقهي، والمقصد الشرعي.
[ ١ / ٤٨٠ ]
والنبي ﷺ قد أخذ الأذان ممن رآه في المنام وأعطاه لبلال لكونه أقوى صوتًا من عبد الله بن زيد، والأصل أن عبد الله بن زيد أحق به فقد خصَّه الله برؤية الأذان كل ذلك يدل على أن رفع الصوت بالأذان ركن الأذان فإذا كان الالتفات يضر به لم يفعل، فكيف يترك المقصود من الأذان لصفة مختلف في مشروعيتها، ومختلف في روايتها في الحديث.
• الراجح:
أن الالتفات في الأذان يدور بين زيادة الثقة، وبين الشذوذ، وقد تفرد به سفيان عن عون ابن أبي جحيفة، دون أصحاب عون ممن روى هذا الحديث، وهم كثير.
فالبخاري اعتمد ما رواه أكثر الرواة عن سفيان، وهو ذكر الالتفات، دون ذكر موضعه، وتجنب إخراج ما تفرد به وكيع عن سفيان في بعض طرقه من ذكر موضع الالتفات.
وروى مسلم زيادة وكيع عن سفيان، من بعض طرقه بذكر موضع الالتفات وكأنه يراها محفوظة، رغم أن أكثر أصحاب وكيع، وعلى رأسهم الإمام أحمد، وابن أبي شيبة وغيرهما رويا الحديث عن وكيع دون ذكر موضع الالتفات.
وكما انفرد وكيع في روايته عن سفيان بذكر موضع الالتفات وأنه التفت مع قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، انفرد بالاختلاف عليه مرة بالشك (صلى الظهر أو العصر) ومرة (صلى الظهر) ولم يذكر العصر، وفي أخرى: عكسها، وفي رابعة: (صلى ركعتين) ولم يحدد، وفي خامسة: (صلى الظهر ثم صلى العصر)، ومرة وسادسة: (صلى الظهر والعصر) والرواية الأخيرة هي رواية الجماعة عن عون بن أبي جحيفة، وهي المحفوظة، انظر تخريج هذه الألفاظ في المجلد السابع عشر، في مسألة: صفة جمع المسافر تقديمًا وتأخيرًا، والله أعلم.
وسواء أكان الاختلاف من وكيع أم كان من سفيان فإن هذا الاختلاف اضطراب في لفظه من هذا الطريق خاصة.
وليس هذا الاختلاف الوحيد على سفيان، فقد انفرد سفيان بزيادات في حديث عون لم يروها غيره قد تكلمت على أكثرها، وقد يكون الحمل في بعضها
[ ١ / ٤٨١ ]
على الرواة عنه، وفي بعضها الحمل على سفيان، من هذه الألفاظ:
الأول: ذكر الدوران في الأذان.
ومنها الالتفات يمينًا وشمالًا.
الاختلاف عليه في موضع الالتفات.
ومنها جعل الأصبعين في الأذنين.
فمن يرى أن قبول زيادة سفيان يلزم منه توهيم سبعة عشر راويًا رووا حديث عون، ولم يذكروا الالتفات، وعلى رأسهم شعبة ومالك بن مغول، وعمر ابن أبي زائدة، وعتبة بن عبد الله، وروايتهم في الصحيحين فسيحكم عليها بالشذوذ.
ومن رأى أن إمامة سفيان الثوري، وكثرة مروياته تجعل العلماء يحتملون له هذا التفرد، وإن خالف هؤلاء، فإمامته وجلالة قدره، وإخراج البخاري ومسلم لروايته سيجعلها من زيادة الثقة، على خلاف:
أيعد الالتفات دون ذكر موضعه هو المحفوظ كما هي رواية البخاري؟ حتى إن البخاري حين ترجم لم يجزم بالترجمة، فقال: باب: هل يُتْبِعُ المؤذنُ فاه ههنا وههنا؟ وهل يلتفت بالأذان، أم نقول: إن الالتفات وذِكْرَ موضعه كليهما محفوظ لرواية مسلم؟
كلاهما محتمل، ولكلٍ مرجح:
فما يرجح كونها محفوظة ما سبق أن ذكرت لك بأن عمل الأئمة على أن الإمام المكثر لا يضر تفرده بالحديث، ويحتمل منه ما لا يحتمل من غيره من الثقات، كالثوري والزهري وأمثالهما، وزاد على ذلك إخراج البخاري ومسلم للالتفات في الجملة، وأخذ بذلك جمهور الفقهاء والمحدثين، واعتبروها صفة مشروعة في الأذان.
وما يرجح كونها ليست محفوظة في الأذان:
أولًا: أن سفيان دون أصحاب عون قد زاد في الحديث ثلاث زيادات، اثنتان منها لم يتابعه عليها إلا رجل متكلم في حفظه، ولم يقبلها المحققون:
من ذلك الدوران في الأذان. ووضع الأصبعين في الأذنين، فليلحق بهما ذكر الالتفات، الفارق أن البخاري ومسلمًا قد رويا الالتفات، وتجنبا تخريج
[ ١ / ٤٨٢ ]
رواية وضع الأصبعين في الأذنين والدوران، فإذا كانت إمامة سفيان لا تمنع من الحكم عليه بشذوذ هذين الحرفين لم تمنع من الحكم عليه بشذوذ الحرف الثالث، وإن كان الحمل في هذه الزيادتين على الرواة عنه، والله أعلم.
ثانيًا: أن الالتفات لا يحفظ فيه سنة قولية يأمر به النبي ﷺ بلالًا، أو يأمر أبا محذورة، أو سعدًا القرظ بأن يلتفت في أذانه، وقد نُقِل لنا التفاتُ بلال في واقعة واحدة في حديث أبي جحيفة من طريق سفيان وحده، وكان مجرد فعل من بلال، وكان ذلك في حجة الوداع، والناس متكاثرون عن يمينه وشماله، وقد لا ينفذ صوت بلال إلى أقصاهم، أيكون التفاتُ بلالٍ اجتهادًا منه بقصد إسماع الناس، وكان تقرير الله له مؤذنًا بالجواز، ولا يبلغ به الاستحباب حيث لم يُحْفَظ سنةٌ قوليةٌ تأمر بلالًا، أو تأمر غيره من المؤذنين بذلك، ويكون جوازه عند الحاجة إلى الإسماع، ويتأكد ذلك أن أهل المدينة زمن الإمام مالك لا يعرفون الالتفات، وأنكر الإمام مالك أن يكون الالتفات من سنة الأذان؟ أم أن هذا الالتفات هو جزء مما أضيف إلى صفة الأذان، كما أضيف التثويب، وإن لم يكن في رؤيا عبد الله بن زيد، ولا في تعليم النبي ﷺ الأذان لأبي محذورة؟.
الأمر محتمل، وإن كنت أميل للأول، وأن الالتفات لو كان في صفة الأذان لَعَلَّمه النبي ﷺ أبا محذورة، خاصة أن تعليمه لأبي محذورة كان بعد فتح مكة، واستقرار تشريع الأذان، فكون هذه الصفة لم تنقل لنا إلا في السنة العاشرة في حجة الوداع، وفي واقعة واحدة، فلو كانت صفة ملازمة للأذان، لنقلت قبل ذلك، ولتكرر نقلها، والله أعلم.
ثالثًا: أن هذا الالتفات لم يكن معروفًا عند مؤذني أهل المدينة في عصر التابعين، والعهد قريب، فلو كانت من صفات الأذان المستحبة لنقلها التابعون من أهل المدينة عن الصحابة.
هذا ما أمكنني قوله في هذه المسألة، وأعتذر من بعض التكرار في عرض المسألة، لكون البحث قد يخالف قول الجمهور، ويخالف الجانب العملي المشهور، ومثل هذا قد يشكل عبئًا نفسيًّا على الباحث عند تبني مخالفته،
[ ١ / ٤٨٣ ]
فلا يرغب الباحث في مخالفة الناس، ولا يقدم موافقتهم على حساب ما يقتضيه البحث العلمي، وغايتي التماس السنة حسب الجهد، وقد أصيب وقد أخطئ، وإذا تحرى طالب العلم جهده، فقد يوفق للصواب، وقد لا يوفق، وما على طالب العلم إلا بذل الوسع ما استطاع، وتحري الحق، ويكفي أن ما ذهبت إليه هو عمل أهل المدينة في عصر التابعين مع قرب العهد، وهو موافق لما رواه أكثر الرواة عن أبي جحيفة، والله أعلم.
[ ١ / ٤٨٤ ]
الفرع الثاني مشروعية الالتفات في الإقامة
المدخل إلى المسألة:
• إعلام الحاضرين لا يشرع له الالتفات قياسًا على خطبة الجمعة.
• لم يثبت الالتفات في الإقامة، والأصل عدم المشروعية.
• ما ترك فعله زمن التشريع، مع إمكان فعله، ولم يمنع من فعله مانع فإن فعله محدث.
[م-٦٠] اختلف العلماء في الالتفات في الإقامة:
فقيل: الإقامة كالأذان يستحب فيها الالتفات. وهو مذهب الحنفية، والأصح عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^١).
لأن الإقامة أحد الأذانين، فيفعل في الإقامة ما يفعل في الأذان.
وقيل: الالتفات مختص بالأذان، وهو المذهب عند الحنابلة، ووجه للشافعية، وبه قال بعض الحنفية (^٢).
• وجه التفريق بينهما:
قال ابن رجب: «والفرق بينهما: أن الأذان إعلام للغائبين، فلذلك يلتفت
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٢٧٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٧)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٦/ ٣٩٢)، نهاية المطلب لإمام الحرمين (٢/ ٤٠)، فتح العزيز (٣/ ١٨٠)، المجموع (٣/ ١٠٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٠)، أسنى المطالب (١/ ١٢٧)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٥٢)، الإنصاف (١/ ٤١٧).
(٢) النهر الفائق (١/ ١٧٤)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٨٠)، الإنصاف (١/ ٤١٧)، المجموع (٣/ ١٠٧)، النجم الوهاج (٢/ ٥٢).
[ ١ / ٤٨٥ ]
ليحصل القصد بتبلغيهم، بخلاف الإقامة؛ فإنها إعلام للحاضرين، فلا حاجة إلى التلفت فيها، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات؛ لأنها خطاب لمن حضر، فلا معنى للالتفات فيها» (^١).
وقيل: لا يستحب إلا أن يكبر المسجد، اختاره بعض الحنفية، ووجه للشافعية (^٢).
وهذا بناء على أن الالتفات لقصد الإسماع، ولا يُحْتَاجُ إليه إلا مع اتساع المسجد.
والراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة السابقة من عدم ثبوت الالتفات في الأذان فضلًا عن الإقامة، والله أعلم.
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٨٠).
(٢) الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٧)، فتح العزيز (٣/ ١٨٠)، المجموع (٣/ ١٠٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٠).
[ ١ / ٤٨٦ ]
الفرع الثالث في صفة الالتفات
[م-٦١] اختلفوا في صفة الالتفات:
فقيل: يلتفت يمينًا حين يقول: حيَّ على الصلاة مرتين، ويلتفت يسارًا حين يقول: حيَّ على الفلاح مرتين.
وهذا هو الصحيح عند الحنفية، والأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (^١).
(ح-١٦٨) لما رواه مسلم، عن وكيع، عن سفيان، حدثنا عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم … وفيه: قال: فأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يقول: يمينا وشمالًا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح الحديث (^٢).
وقيل: يلتفت يمينًا وشمالًا بحي على الصلاة، ويلتفت يمينًا وشمالًا بحي على الفلاح.
اختاره بعض الحنفية، وهو وجه عند الشافعية، ورأي لبعض الحنابلة (^٣).
واستدلوا على ذلك:
(ح-١٦٩) بما رواه ابن خزيمة في صحيحه، قال: أخبرنا سلم بن جنادة، قال: حدثنا وكيع، عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينًا وشمالًا بحي
_________________
(١) فتح القدير (١/ ٢٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ٩٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٦)، البيان للعمراني (٢/ ٧٤)، فتح العزيز (٣/ ١٧٧)، نهاية المطلب (٢/ ٤٠)، الكافي (١/ ١٠٤)، المبدع (١/ ٣٢١)، الإنصاف (١/ ٤١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٥).
(٢) مسلم (٥٠٣).
(٣) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ٩٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٦)، فتح العزيز (٣/ ١٧٧)، البيان للعمراني (٢/ ٧٤)، نهاية المطلب (٢/ ٤٠)، الإنصاف (١/ ٤١٦).
[ ١ / ٤٨٧ ]
على الفلاح (^١).
[انفرد سلم بن جنادة بهذا اللفظ، وقد رواه زهير، عن وكيع، فالتفت يمينًا وشمالًا حي على الصلاة حي على الفلاح] (^٢).
وقيل: إن أراد أن يسمع فإن الالتفات والدوران يكون حال الأذان، يعني قبل تمام الجملة من الأذان. وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (^٣).
وفي مذهب المالكية أقوال أخرى، منها:
لا يدور إلا بعد الفراغ من الكلمة.
وقيل: إن لم ينقص الدوران من صوته دار كيف يشاء، وإلا بعد الفراغ من الكلمة. وكل هذه الأقوال عند المالكية لا تخصها بجملة معينة من جمل الأذان.
وقيل: لا يدور إلا عند الحيعلتين، وهذا قول ابن الحارث، وهو موافق لقول الجمهور (^٤).
والراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة السابقة من عدم ثبوت الالتفات أصلًا، والصفة فرع عن ثبوت الالتفات.
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٠٢).
(٢) انفرد بذلك سلم بن جنادة (صدوق له أغلاط)، عن وكيع. ورواه مسلم عن زهير بن معاوية (ثقة ثبت) عن وكيع بلفظ: (فالتفت يمينًا وشمالًا حي على الصلاة حي على الفلاح) وهو خلاف ما رواه سلم بن جنادة، فلو كان التصريح بموضع الأذان محفوظًا لكانت رواية زهير أولى بالحفظ من رواية سلم بن جنادة، على أنني قد بينت الاختلاف في رواية وكيع في ذكر موضع الالتفات فيما سبق في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
(٣) جاء في شرح الخرشي (١/ ٢٣٣): «ويؤذن كيف تيسر عليه، وظاهرها كالمؤلف جواز الدوران حالة الأذان، وهو كذلك، وقيل: بعد الفراغ للكلمة، وثالثها إن كان لم ينقص من صوته فالأول وإلا فالثاني، ورابعها لا يدور إلا عند الحيعلة».
(٤) حاشية الدسوقي (١/ ١٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٤٤١).
[ ١ / ٤٨٨ ]
الفرع الرابع في الاستدارة
المدخل إلى المسألة:
• يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد
• المقصود من الأذان هو الإعلام، فإذا توقف إعلام الناس على الاستدارة صارت مطلوبة لا لذاتها.
• ليس في الالتفات والاستدارة تعبد مقصود لذاته، فلا يفعلان إلا لمصلحة تكون أرجح من استقبال القبلة، وهو الإعلام.
• إذا عاد تحصيل الوسيلة بالإبطال على ما كان غاية مقصودة بالعبادة تركت الوسيلة.
• الالتفات في الأذان أقوى من الاستدارة.
[م-٦٢] علمنا خلاف العلماء في حكم الالتفات في الأذان، واختلفوا في الاستدارة، والفرق بينهما: أن الالتفات يكون بلوي العنق، ولا يحول صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وسواء في المنارة وغيرها، بخلاف الاستدارة فإن الجسم كله يتحول عن القبلة، ويكون ذلك في المنارة غالبًا، إذا عُلِمَ ذلك نأتي لأقوال الفقهاء في المسألة:
فالمالكية سبق لنا أنهم لا يرون الالتفات والاستدارة من حد الأذان وصفته، ولكن إن كان ذلك من أجل الإسماع جاز له الالتفات وجاز له الاستدارة.
جاء في تهذيب المدونة: «ولا يدور في أذانه، ولا يلتفت، وليس هذا من حد الأذان، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس» (^١).
_________________
(١) التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ٤٨٩ ]
وأما الجمهور الذين يرون الالتفات صفة في الأذان، فاختلفوا:
فقيل: لا يدور إلا إذا كان لا يتم الإعلام إلا بالاستدارة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مقابل المشهور عند الشافعية، والمشهور عن أحمد، وصوبها في الإنصاف؛ لأنها أبلغ في الإعلام (^١).
وقيل: لا يدور مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والرواية الثانية عند الحنابلة (^٢).
قال النووي في المجموع: «مذهبنا أنه يستحب الالتفات في الحيعلة يمينًا وشمالًا، ولا يدور، ولا يستدبر القبلة، سواء أكان على الأرض، أم على منارة» (^٣).
• والسبب في الاختلاف:
اختلافهم في صحة الرواية التي رواها عبد الرزاق، عن سفيان، عن عون ابن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، فأتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وأصبعاه في أذنيه الحديث (^٤).
[سبق تخريجه] (^٥).
فمن صحح زيادة (يؤذن ويدور) قال بالاستدارة، وكذا قال بها من لم
_________________
(١) المبسوط (١/ ١٣٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، البحر الرائق (١/ ٢٧٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٤١)، الشرح الكبير (١/ ١٩٦)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٢٥٣)، منح الجليل (١/ ٢٠١)، حلية العلماء للقفال (٢/ ٣٧)، المجموع (٣/ ١١٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٤١)، المهذب (١/ ٥٧)، كشاف القناع (١/ ٢٤٠)، الإنصاف (١/ ٤١٦)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٤٩٣)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٧٩).
(٢) المجموع (٣/ ١١٦)، المهذب (١/ ٥٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٠)، الحاوي (٢/ ٤٤)، فتح العزيز (٣/ ١٧٧)، الإنصاف (١/ ٤١٦)، المحرر (١/ ٣٧ - ٣٨)، المغني (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، الروض المربع (١/ ١٢٥).
(٣) المجموع (٣/ ١٠٧).
(٤) المصنف (١٨٠٦).
(٥) انظر: ح (١٦٥).
[ ١ / ٤٩٠ ]
يصححها، إذا توقف إعلام الناس بالأذان على الاستدارة؛ لأن المقصود من الأذان هو الإعلام، وتحصيل المقصود حتى ولو أدى ذلك إلى الإخلال بأدب من الآداب وأنه أولى من العكس؛ والوسائل يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقاصد.
ومن رأى أن الاستدارة صفة في العبادة، لا تشرع إلا بدليل، وزيادة الدوران زيادة ليست محفوظة، قال بالمنع من الدوران مطلقًا حتى مع اتساع المنارة، واتساع البلد.
واليوم مع وجود مكبرات الصوت، لا يحتاج إلى الاستدارة من أجل الإسماع، لأن وضع المكبرات على مختلف الجهات يقوم مقام الاستدارة، وهو الإسماع.
[ ١ / ٤٩١ ]