الدليل الأول:
أن الترجيع لا يصح اعتقاد كونه صفة في الأذان، وإنما كرر النبي ﷺ على
_________________
(١) = وخالفهما إسماعيل بن أبي خالد، فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١٤٨) من طريقه، عن أبي المثنى به، موقوفًا على ابن عمر، بلفظ: أن ابن عمر كان يأمر المؤذن أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ليعلم المارُّ الأذان من الإقامة. وإسماعيل أوثق من أبي جعفر ومن حجاج، ولا مقارنة، قال أحمد في العلل (٥٨٥) قَلَّ ما اختُلِفَ على إسماعيل يعني مقارنة بداود بن أبي هند. وقال أيضًا عنه: ابن أبي خالد يشرب العلم شربًا. العلل (٦٠٣).
(٢) صحيح مسلم (٣٨٥).
[ ١ / ١١٩ ]
أبي محذورة الشهادتين بقصد التعليم، فأخطأ أبو محذورة، واعتقد أنها صفة مقصودة في الأذان.
وسوف تأتي مناقشة هذه الحجة إن شاء الله تعالى في القول التالي.
الدليل الثاني:
أن المقصود من الأذان قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، ولا ترجيع في هاتين الكلمتين، ففي سواهما أولى.
• ويناقش:
بأن الترجيع فيه خفض للصوت، والخفض يناسب ما يخص المؤذن وحده، وهو إعلانه عن نفسه بالشهادة لله بالتوحيد ولنبيه بالرسالة بخلاف حي على الصلاة حي على الفلاح، فهي لا تخص المؤذن، وإنما يراد بها دعوة السامعين إلى الإقبال إلى الصلاة فلم يكن مناسبًا الترجيع فيهما، ولذلك خصت الحيعلتان بالالتفات فيهما دون جمل الأذان؛ لأنه مطلوب أن يسمعهما من كان عن يمين المؤذن وشماله، بعد أن سمع الأذان من كان أمامه.
الدليل الثالث:
أن المقصود من الأذان إعلام الناس بدخول الوقت، وإخفاء الترجيع لا يحصل به هذا المقصود.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
هذا يصح لو كان الخفض لكل جمل الأذان، أو كانت الجمل التي خفض المؤذن صوته بها لم يرجع، فيرفع صوته بها، فيقال: إنه لم يحصل به الإعلام، أما إذا كان الخفض للشهادتين فقط، وقد رجع، ورفع صوته بهما كسائر جمل الأذان فقد حصل الإعلام.
الوجه الثاني:
لا يلزم من خفض الصوت عدم الإعلام، وسيأتي الكلام على صفة الإخفاء، وقد اختار المالكية أنه يخفض صوته بشرط الإسماع وإلا لم يكن آتيًا بالسنة (^١).
_________________
(١) الشرح الكبير (١/ ١٩٣).
[ ١ / ١٢٠ ]
الدليل الرابع:
أن الإقامة وهي إعلام بإقامة الصلاة، وفيها الشهادتان، ولا ترجيع فيها بالاتفاق، فالأذان مثلها.
• ويجاب:
بأن هذا قياس في مقابل النص، فهو قياس فاسد.
• حجة من قال: الترجيع سنة:
الدليل الأول:
(ح-٣٨) استدلوا بما رواه مسلم من طريق عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز،
عن أبي محذورة، أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين. زاد إسحاق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله (^١).
• وأجيب عن هذا:
يتفق أذان بلال وأذان أبي محذورة ﵄ على جميع جمل الأذان عدا موضعين منهما:
الموضع الأول: عدد التكبير في أوله، والمحفوظ من حديث أبي محذورة أن التكبير أربع مرات، وسبق تخريجه في الفصل السابق، وعلى هذا لا خلاف في التكبير بين أذان بلال وأذان أبي محذورة على الراجح.
الموضع الثاني: وجود الترجيع في الشهادتين في حديث أبي محذورة، وليس موجودًا في حديث بلال، وكوننا نحمل حديث أبي محذورة على حديث بلال أولى من إثبات الاختلاف بينهما، وذلك أن ما ورد في أذان أبي محذورة من الترجيع يحتمل:
أن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته على ما أراد النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ:
_________________
(١) صحيح مسلم (٣٧٩).
[ ١ / ١٢١ ]
ارجع وامدد من صوتك، ففهم أنها من الأذان.
ويحتمل أن يكون الترجيع من النبي ﷺ لأبي محذورة جرى على ما كان من عادته ﷺ في تعليم أصحابه حيث كان يكرر الأمر عليهم، خاصة أن تعليم الأذان لأبي محذورة كان عن طريق التلقين، والتلقين يقتضي التكرار حتى يأتي به على وجهه، فظن أبو محذورة أنه أمره بالترجيع.
وذكر بعضهم أن أبا محذورة كان جَهورِيَّ الصوت، وكان في الجاهلية يجهر بسب رسول الله ﷺ، فلما بلغ إلى الشهادتين استحيا فخفض بهما صوته، فدعاه رسول الله ﷺ وقال: ارجع، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ومدَّ بهما صَوْتَكَ غيظًا للكفار.
• ورد هذا الاعتراض من وجوه:
الوجه الأول: أن التنوع في الأذان لا يخرج عن التنوع في كثير من العبادات التي جاءت على وجوه كثيرة، كدعاء الاستفتاح، والتشهد في الصلاة، ونحوهما.
الوجه الثاني: أن دفع الترجيع بهذه الاحتمالات لا يصح:
أولًا: لأن الأصل عدمها، واختلاف هذه الاحتمالات مما يؤكد عدم صحتها.
وثانيًا: لأن النبي ﷺ كان يلقنه الأذان حرفًا حرفًا، وقال: اذهب فأذن به.
وثالثًا: أن أبا محذورة قد أذن به في مكة على عهد النبي ﷺ لأَكْثَرَ من عامين في العصر النبوي، فلو كان خطأً لنزل الوحي على النبي ﷺ بتصويبه.
ورابعًا: أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك، فقد جاء النبي ﷺ إلى مكة بعد ذلك في حجة الوداع، وكان أبو محذورة يتولى الأذان بمكة بالصفة التي علمه النبي ﷺ ذلك، ولو كان الترجيع خطأً لأرشده النبي ﷺ إلى الصواب.
وخامسًا: لا يصح القول بأن الترجيع كان عن سوء فهم من أبي محذورة؛ إذ كيف يقبله عموم الصحابة منه، ولم ينكروا عليه؟ فمثل هذا يكون قدحًا في الصحابة ﵃، فقد كان الصحابة يترددون على مكة، واستمر الأذان من أبي محذورة هو وأولاده من دون تغيير، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، بل إن الترجيع قد انتقل من مكة ليؤذن به بعد ذلك بالمدينة، بعد أن ترك بلال الأذان
[ ١ / ١٢٢ ]
بالمدينة بعد وفاة النبي ﷺ حتى صار الترجيع عمل أهل المدينة ومكة من لدن الصحابة إلى وقت الإمام مالك، كل ذلك يدل على أن الترجيع كان مقصودًا في الأذان، والله أعلم.
الوجه الثالث: على فرض أن يكون الترجيع فُعِل من أجل إغاظة المشركين، فإن الترجيع لا ينتفي بانتفاء سببه، كالرَّمَلِ في الحج.
الدليل الثاني:
أن حديث أبي محذورة مقدم على حديث عبد الله بن زيد لأسباب منها:
أحدها: أن الترجيع في أذان أبي محذورة، قد اشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها.
• ويجاب:
بأن النبي ﷺ لم يأمر بلالًا بالترجيع، فدل على جواز الصفتين.
الثانية: أنه متأخر، فحديث أبي محذورة سنةَ ثمانٍ بعد حُنَيْنٍ، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر.
• ويجاب:
بأن النبي ﷺ قد رجع إلى المدينة بعد تعليمه لأبي محذورة الترجيع، فكان يؤذَّنُ بين يديه بأذان بلال إلى أن مات ﵊، فلم يكن التأخر ناسخًا.
قيل للإمام أحمد: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؟ قال: أليس قد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فأقر بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؟ (^١).
الثالث: أنه كان يؤذن به في المدينة زمن التابعين، وإنما أخذوه عن الصحابة، وعمل أهل المدينة سبب في ترجيح أحد الخبرين على الآخر عند المالكية.
الرابع: ترجيح أحد الخبرين على الآخر لعمل الحرمين، فإنه مظنة الإصابة، حيث كان أصل الترجيع في مكة في العهد النبوي، ثم انتقل إلى المدينة زمن التابعين، فصار عمل الحرمين على الترجيع.
_________________
(١) التمهيد (٣/ ١٥)، معونة أولي النهى (١/ ٤٨٣)، الأوسط (٣/ ١٦)، فتح الباري (٢/ ٨٤).
[ ١ / ١٢٣ ]
• ويجاب عن هذا والذي قبله:
بأن المكان ليس سببًا في الترجيح، فإن كان الترجيح راجعًا لعمل الصحابة فليرجح به في أي مكان كان صحابة رسول الله ﷺ، وحديث عمر في إجابة المؤذن لم يكن فيه ترجيع، وهو في مسلم، وحديث أنس في الصحيحين كذلك.
الخامس: أن الترجيع كان بتعليم النبي ﷺ فكان مقدمًا على أذان بلال والذي كان برؤيا عبد الله بن زيد، والله أعلم.
• ويجاب:
بأن إقرار النبي ﷺ لبلال على أذانه حتى مات معدود من السنَّة أيضًا، فالسنة التقريرية كالسنة الفعلية.
• حجة من قال: الترجيع ركن.
وعمدة هذا القول ثبوت الترجيع في حديث أبي محذورة، وتلقين النبي ﷺ إياه، والأمر به؛ لقوله: اذهب فأذن به، وكونه آخر الأَمْرَيْنِ، وهذا يدل على أن الأذان لا يصح إلا بالترجيع.
• ويناقش:
بأن أذان بلال كان يؤذن به بين يدي النبي ﷺ بعد رجوعه من معركة حنين، ولم يكن بلال يرجع في أذانه، ولو كان ركنًا لما تركه بلال، والله أعلم.
• حجة من قال: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة:
اعتمد هذا على اعتبار الاختلاف بين أذان أبي محذورة وأذان عبد الله بن زيد من تنوع العبادة، فقد صح أن بلالًا كان يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، وليس فيه الترجيع، كما صح حديث أبي محذورة، وفيه الترجيع، وعليه عمل أهل مكة، فثبت أن كلًّا منهما سنة، فإن شاء أذن بهذا، وإن شاء أذن بذاك.
قال ابن تيمية: «الصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ، لا يكرهون شيئًا من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات، ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله لأمته.
وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف، والتفرق حتى يواليَ ويعاديَ ويقاتلَ على
[ ١ / ١٢٤ ]
مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل المشرق، فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا، وكذلك ما يقوله بعض الأئمة -ولا أحب تسميته- من كراهة بعضهم للترجيع، وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله، وأنه كرره ليحفظه، ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة، مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة.
هؤلاء يختارون إقامته، ويكرهون أذانه، وهؤلاء يختارون أذانه، ويكرهون إقامته. فكلاهما قولان متقابلان. والوسط أنه لا يكره لا هذا، ولا هذا ومن تمام السنة في مثل هذا: أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا في مكان، وهذا في مكان؛ لأن هجر ما وردت به السنة، وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، والمستحب واجبًا، ويفضي ذلك إلى التفرق، والاختلاف إذا فعل آخرون الوجه الآخر» (^١).
• الراجح:
الترجيع ثابت في أذان أبي محذورة، وليس بواجب؛ لأنه لم يرد في أذان بلال، وما ثبت في السنة على وجوه متعددة كان الأفضل فعل هذا مرة، وهذا مرة، نشرًا للسنة، وإذا كان البلد لا يعرف إلا صفة واحدة، فمن أحب أن يختار صفة لا يعرفها الناس فَلْيُقدِّم بين يدي ذلك ما يرفع الاستغراب من عامتهم؛ ليعلموا أن ذلك سنة أيضًا، وإذا لم يكن موضعَ ثقة العوام فلا يُقْدِمْ على ذلك، بل ينتظر حتى يصدر هذا القول من شخص يكون محل ثقتهم، فتتحقق المصلحة، وتنتفي المفسدة، والله أعلم.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٤٢).
[ ١ / ١٢٥ ]