الدليل الأول:
(ح-٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثني أبو غسان المسمعي مالك بن عبد الواحد، وإسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، صاحب الدستوائي، حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز،
عن أبي محذورة، أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين. زاد إسحاق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله (^١).
[اختلف فيه على عامر الأحول في عدد التكبير، والمحفوظ من حديث عامر التكبير أربعٌ] (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم (٣٧٩).
(٢) الحديث بهذا الإسناد مداره على عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، وقد سبقت ترجمة عامر الأحول في أدلة القول الأول، ورواه عن عامر جماعة، منهم: الطريق الأول: هشام الدستوائي، وهو أجل من روى هذا الحديث، تفرد عنه ابنه معاذ على اختلاف في عدد التكبير في أوله، ولم يذكر الإقامة. فرواه مسلم (٣٧٩)، عن أبي غسان المسمعي، عن معاذ بن هشام بتثنية التكبير. وتابعه العباس بن يزيد عند الدارقطني (٩٤٩)، وهو صدوق يخطئ. كما تابعه عنده أيضًا عبد الرحمن بن محمد بن منصور، كما في سنن الدارقطني (٩٤٩)، وهو ضعيف، والراوي عنه الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي أخباري، في أخباره مناكير كثيرة كما في اللسان. =
[ ١ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، واختلف على إسحاق: فرواه مسلم، عن إسحاق بن راهويه به بتثنية التكبير. ورواه النسائي في المجتبى (٦٣١١)، وفي الكبرى (١٦٠٧)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (١٦٦٠)، وفي الكبير (٧/ ١٧١) ح: ٦٧٢٩، وفي مسند الشاميين (٢١٦١)، عن إسحاق بن راهويه بتربيع التكبير، فصار إسحاق بن راهويه روي عنه التثنية والتربيع. كما رواه عبد الله بن سعيد (ثقة) كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٩٢)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٨٣٥). وعلي بن المديني (إمام)، كما في مستخرج أبي عوانة (٩٦٤). وعبيد الله بن عمر القواريري (ثقة) كما في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم، ثلاثتهم رووه، عن معاذ بن هشام به، بالتكبير أربعًا. وعلي بن المديني مقدم على غيره، وهو ثبت فيما يرويه عن معاذ، فقد قال عباس العنبري عن علي بن المديني: سمعت معاذ بن هشام بمكة، وقيل له: ما عندك؟ قال: عندي عشرة آلاف، فأنكرنا عليه، وسخرنا منه، فلما جئنا إلى البصرة، أخرج إلينا من الكتب نحوًا مما قال يعني عن أبيه، فقال: هذا سمعته، وهذا لم أسمعه، فجعل يميزها. كما جاء التكبير أربعًا في بعض النسخ من صحيح مسلم، قال القاضي عياض في الإكمال (٢/ ٢٤٤): «وقع في بعض طرق الفارسي الأذان أربع مرات». وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٠٢): «قد يقع في بعض روايات كتاب مسلم هذا الحديث مربعًا فيه التكبير، وهي التي ينبغي أن تُعدَّ فيه صحيحة». وقال ابن عدي عن معاذ بن هشام: وهو ربما يغلط في الشيء بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق. فصار من رواه عن معاذ بن هشام بتربيع التكبير: علي بن المديني، وعبد الله بن سعيد، وعبيد الله ابن عمر القواريري. ورواه عن معاذ بتثنية التكبير، أبو غسان المسمعي (ثقة)، والعباس بن يزيد (صدوق يخطئ). ورواه إسحاق بن راهويه مرة بتثنية التكبير، ومرة بتربيع التكبير. وإذا اعتبرنا أن صحيح مسلم قد اختلفت النسخ بين التربيع والتكبير، فيصير الراجح عن معاذ بن هشام تربيع التكبير لا غير؛ لأنها رواية الأكثر والأحفظ، والله أعلم. هذا ما يخص رواية معاذ بن هشام، عن أبيه. الطريق الثاني: همام، عن عامر الأحول. ورواه عن همام جمع من الرواة، منهم: الأول: أبو داود الطيالسي كما في مسنده (١٣٥٤). الثاني: عفان، كما في مسند أحمد (٣/ ٤٠٩)، (٦/ ٤٠١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢١٣٢)، =
[ ١ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسنن الترمذي (١٩٢)، وأبي داود (٥٠٢)، وابن ماجه (٧٠٩)، ومنتقى ابن الجارود (١٥٥)، ومسند الشاميين للطبراني (٢١٦٠)، والمعجم الكبير (٦٧٢٨)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣٠، ١٣٥)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٧٩٢)، ومستخرج أبي عوانة (٩٦٤)، وصحيح ابن حبان (١٦٨١). الثالث: عبد الله بن المبارك، كما في المجتبى من سنن النسائي (٦٣٠)، وفي الكبرى له (١٦٠٦). الرابع: سعيد بن عامر الضبعي، كما في سنن أبي داود (٥٠٢)، وسنن الدارمي (١١٩٦)، وصحيح ابن خزيمة (٣٧٦)، ومستخرج أبي عوانة (٩٦٤)، وسنن البيهقي (١/ ٤١٦). الخامس: حجاج بن منهال، كما في سنن أبي داود (٥٠٢)، وسنن الدارمي (١١٩٧)، ومسند الشاميين للطبراني (٢١٦٠)، والمعجم الكبير للطبراني (٧/ ١٧٠) ح ٦٧٢٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٥). السادس: عبد الصمد، كما في مسند أحمد (٦/ ٤٠١). السابع: أبو الوليد الطيالسي كما في سنن الدارمي (١١٩٧)، ومسند الشاميين للطبراني (٢١٦٠)، والمعجم الكبير (٦٧٢٨) ومستخرج أبي عوانة (٩٦٤)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٣٧)، وسنن البيهقي (١/ ٤١٥)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣١، ١٣٥). الثامن: موسى بن داود، كما في مستخرج أبي عوانة (٩٦٤)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣٥). التاسع: حفص بن عمر الحوضي، كما في مسند الشاميين للطبراني (٢١٦٠)، والمعجم الكبير (٦٧٢٨)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣١، ١٣٥). العاشر: محمد بن سنان، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٣٠ - ١٣١). الحادي عشر: الدولابي في الكنى والأسماء (٣١١). كلهم رووه عن همام، عن عامر الأحول به. وخالف همام رواية هشام الدستوائي في مسلم في أمرين: المخالفة الأولى: تربيع التكبير في أول الأذان، رواه تارة مفصلًا، وتارة مجملًا بلفظ: علمه الأذان تسع عشرة كلمة، ولا يكون ذلك إلا بتربيع التكبير، وأحيانًا يجمع بين الإجمال والتفصيل، فيقول: علمه الأذان تسع عشرة كلمة، فقال: الله أكبر، ثم ذكر التكبير أربعًا، وهذا هو المحفوظ من حديث عامر بن عبد الواحد، قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٠٢): «والصحيح عن عامر المذكور في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في أول الأذان». المخالفة الثانية: أنه زاد على رواية هشام ذكر الإقامة، وجعل التكبير في الإقامة أربعًا كالأذان، وقد تجنب مسلم رواية الحديث من طريق همام. =
[ ١ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وصفة أذان أبي محذورة لم يختلف عليه فيها، كما اختلف عليه في الإقامة عدا التكبير في أوله، والمحفوظ أنه أربع، وأما الإقامة فإليك صفات الإقامة المروية في أذان أبي محذورة. الصفة الأولى: تثنية الإقامة مع تربيع التكبير. هذه الصفة جاءت في بعض طرق حديث ابن محيريز هذا عن أبي محذورة، وقد رواه عنه ثلاثة: (مكحول، وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد الملك بن أبي محذورة، والأخيران ذكرا الأذان فقط، دون الإقامة). فالطريق الأول: عبد العزيز بن عبد الملك، عن ابن محيريز: رواه الشافعي في مسنده (ص: ٣٠)، وأحمد (٣/ ٤٠٩)، وأبو داود (٥٠٣)، والنسائي في المجتبى (٦٣٢، ٦٣٣)، وفي الكبرى (١٦٠٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٩٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٧٢) ح ٦٧٣١، وابن خزيمة (٣٧٩)، وابن حبان (١٦٨٠)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٣٣) من طرق كثيرة، عن ابن جريج، عن عبد العزيز به. وليس فيه ذكر للإقامة، وانظر ح (٣٠) فقد خرجت هذا الطريق بتفصيل أكثر. والطريق الثاني: عبد الملك بن أبي محذورة، عن ابن محيريز. رواه أبو داود في سننه (٥٠٥) من طريق نافع بن عمر، وهو ثقة، والطحاوي في مشكل الآثار (٦٠٧٩) من طريق النعمان بن راشد، كلاهما عن عبد الملك ابن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، واقتصر على الأذان، ولم يذكر الإقامة. وانظر ح (٣١) فقد خرجت هذا الطريق بتفصيل أكثر. الطريق الثالث: حديث الباب، مكحول، عن ابن محيريز. رواه عامر الأحول، عن مكحول، واختلف على عامر: فرواه هشام الدستوائي، عن عامر بن عبد الواحد، عن مكحول ولم يذكر الإقامة، فهو موافق في الجملة لحديث عبد الملك وعبد العزيز. ورواه همام عن عامر بن عبد الواحد به، بزيادة ذكر الإقامة، وكانت الإقامة مثنى، والتكبير في أولهما أربعًا، ولا أعلم أحدًا وافق عامرًا على تربيع التكبير صريحًا في الإقامة إلا من هذا الطريق. لهذه المخالفة قال أبو عوانة في مستخرجه (١/ ١/ ٢٧٥): «زاد همام في حديثه ذكر الإقامة فتركته؛ لأن هشامًا أحفظ وأتقن منه؛ ولأن إجماع أهل الحرمين على خلاف زيادته». وقد يكون الحمل في الاختلاف ليس على همام، وإنما على شيخه عامر الأحول، وهو خفيف الضبط، وله أوهام، ولم يخرج له مسلم إلا هذا الحديث، من رواية هشام، وترك رواية همام، وهي على شرطه. قال أحمد عن عامر الأحول: في حديثه شيء، وقال أيضًا: ليس بقوي في الحديث. =
[ ١ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال فيه أبو حاتم وابن معين: لا بأس به، وقال الساجي: يحتمل لصدقه. فإذا انفرد عامر الأحول وهو خفيف الضبط بذكر التكبير أربعًا في الإقامة، وأضيف إلى ذلك الاختلاف عليه في ذكرها، فتارة يذكرها كما في رواية همام، وتارة يسقطها كما في رواية هشام عنه، وانضاف إليهما مخالفة غيره له ممن روى حديث ابن محيريز كعبد العزيز بن عبد الملك، وعبد الملك بن أبي محذورة، لا يمكن اعتماد زيادته؛ إذ لا يمكن ترجيح رواية همام عن عامر، على رواية هشام عن عامر، وقد وافق هشامًا كل من عبد العزيز بن عبد الملك وعبد الملك عن ابن محيريز، والله أعلم. ومن القرائن التي تدل على أن الإقامة ليست في حديث ابن محيريز، أن الشافعي روى الأذان مسندًا عن إبراهيم بن عبد العزيز، عن أبيه، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، عن النبي ﷺ، وأما الإقامة فلم يجزم الشافعي بسماعه مسندًا من إبراهيم، وإنما ساقه مساق الشك، فقال: وحسبتني سمعته يحكي الإقامة خبرًا كما يحكي الأذان، وإنما جزم بسماعه لإبراهيم وهو يقيم. أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٠٤)، ومن طريقه الدارقطني (٩٠٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٦١٦). وقال البيهقي في الخلافيات كما في مختصره (١/ ٥٠٩): «لو كان محفوظًا لما تركه مسلم ابن الحجاج …». واعترض عليه ابن دقيق العيد في الإمام كما في نصب الراية (١/ ٢٦٨): «عدم تخريج مسلم له ليس بمقتضٍ لعدم صحته؛ لأنه لم يلتزم إخراج كل الصحيح». اه وهذا يسلم لابن دقيق العيد لو كان مسلم لم يخرج الحديث من أصله، وأما إذا أخرج الحديث وأعرض عن تخريج هذه الزيادة مع كونها على شرطه فإن إعراضه عنها قرينة على أنه لا يراها محفوظةً، والله أعلم. وقد اعتمد أبو عوانة في توهيم همام على أمرين: الأمر الأول: مخالفته لهشام، وهو أحفظ منه، وهذه العلة قد جلاها كلامي السابق. الأمر الثاني: أن العمل في الحجاز على خلاف ما ذكره همام. وبمخالفة العمل الموروث عن أولاد أبي محذورة أعله الشافعي والبيهقي والخطابي وغيرهم، وسوف ننقل كلامهم في الصفة الثالثة الواردة في إقامة أبي محذورة. قال البيهقي كما في مختصر الخلافيات (١/ ٥١٠): «لم يدم عليه أبو محذورة، ولا أولاده». اه. قال ابن دقيق العيد في الإمام كما في نصب الراية (١/ ٢٦٨، ٢٦٩): «هذا داخل في باب الترجيح لا في باب التضعيف … وإذا آل الأمر إلى الترجيح فقد تختلف الناس فيه». =
[ ١ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: «إذ ترك العمل بالحديث لوجود ما هو أرجح منه لا يلزم تضعيفه، ألا ترى أن الأحاديث المنسوخة كلها إذا كانت رواتها عدولًا حكمنا بصحتها، ولم يعمل بها لوجود الناسخ». ويناقش: بأن الحديث إذا كان مخرجه واحدًا، فإن الراجح من الطريقين هو المحفوظ أو المعروف، ومقابله الشاذ أو المنكر. الصفة الثانية الواردة في إقامة أبي محذورة: تثنية الإقامة بما في ذلك التكبير في أوله. رواه حجاج بن محمد كما في مجتبى النسائي (٦٤٣) تحقيق دار التأصيل، والسنن الكبرى (١٧٤٩) تحقيق الدار نفسها، وسنن الدارقطني، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦١٥). وأبو عاصم الضحاك بن مخلد كما في سنن أبي داود (٥٠١)، ومن طريقه البيهقي كما في مختصر الخلافيات (١/ ٥١١)، ومعرفة السنن والآثار (٢/ ٢٦٣). ومن طريق أبي عاصم رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٠)، وابن خزيمة (٣٨٥). وأبو قرة موسى بن طارق كما في أخبار مكة للفاكهي (١٣٠٩)، ثلاثتهم رووه عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، قال فيه: وعلمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله وذكر بقية الإقامة مرتين مرتين، وختمها بلا إله إلا الله. وتابعهم روح بن عبادة بذكر الإقامة مثنى مثنى كما في صحيح ابن خزيمة (٣٨٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦١٤) فرواه عن ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك ابن أبي محذورة به، وليس فيه السائب والد عثمان. ورواه عبد الرزاق (١٧٧٩) ومن طريقه رواه أحمد (٣/ ٤٠٨)، وأبو داود (٥٠١)، والطبراني في الكبير (٦٧٣٤)، وابن خزيمة (٣٨٥)، والبيهقي (١/ ٥٧٩) عن ابن جريج به، وذكر الأذان مفصلًا، واختصر ذكر الإقامة بلفظ: (وإذا أقمت فقلها مرتين: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) فلم يجود عبد الرزاق ذكر الإقامة، وحجاج بن محمد مقدم على غيره ممن روى الحديث، كيف وقد تابعه ثلاثة ثقات. وقد خرجت الحديث وجمعت طرقه في مسألة (جمل الإقامة) بأوسع من هذا، انظر: (ح- ٤٠). وهذا الإسناد ضعيف، فيه عثمان بن السائب مجهول الحال، وقد انفرد بالرواية عنه ابن جريج، كما أن أباه مجهول انفرد بالراوية عنه ابنه عثمان، وقال الذهبي: لا يعرف. وكذلك أم عبد الملك انفرد بالرواية عنها عثمان السائب، ولم يوثقها أحد. =
[ ١ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإن قيل: أليس إسناد عامر أقوى من إسناد عثمان بن السائب؟ فالجواب: بلى، ولكن هذا لو كان عامر لم يختلف عليه في الحديث، ولم يخالفه غيره، أما وقد اختلف عليه، وخالفه غيره، فالترجيح غير وارد بين حديث شاذ، وحديث ضعيف، فالشاذ لا يعتبر به، فضلًا أن يحتج به، بخلاف الضعيف، والله أعلم. فإن قيل: إن الإمام أحمد قد روى عنه أبو بكر الأثرم قال: «من أقام مثنى مثنى لم أعنفه، وليس به بأس؟ قيل لأبي عبد الله: حديث أبي محذورة صحيح؟ قال: أما أنا فلا أدفعه». اه نقلًا من الاستذكار (١/ ٣٧٠)، التمهيد (٢٤/ ٣١). فالجواب أن هذا الكلام ليس نصًّا في تصحيح تربيع التكبير في الإقامة، فقد رويت إقامة أبي محذورة مثنى مثنى بتثنية التكبير كما في طريق عثمان بن السائب المتقدم. الصفة الثالثة الواردة في إقامة أبي محذورة: إفراد الإقامة، وهي توافق حديث أنس (ويوتر الإقامة)، وإن تُكُلِّمَ في أسانيدها إلا أن ما يقويها أنها توافق الجانب العملي المنقول عن أبي محذورة، وأولاده، ومثله أقوى من الاعتماد على مجرد الإسناد. ومن أصح ما ورد في ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١٥٠) أخبرنا غندر، عن شعبة، قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن عابس، قال: سمعت أبا محذورة يقول في آخر أذانه: إن أذانه كان مثنى، وأن إقامته كانت واحدة، وخاتمة أذانه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. وسنده صحيح. ورواه عبد العزيز بن رفيع، واختلف عليه فيه: فرواه عنه جرير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢١٢٦) عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي محذورة أن أذانه كان مثنى وأن إقامته كانت واحدة. ورجاله ثقات، وهو متابع لعبد الرحمن بن عابس. وروى بعضه سليمان بن فيروز الشيباني كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢١٦٦) عن عبد العزيز به. وخالفهما أبو الأحوص كما في المصنف (٢١٤٧) فرواه عن ابن رفيع، قال: حدثني قائد أبي محذورة، أن أذانه كان مثنى، وأن إقامته كانت واحدة، وخاتمة أذانه الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وقائد أبي محذورة غير معروف. ويؤيد ذلك ما قاله الحاكم والبيهقي من أن عبد العزيز بن رفيع لم يدرك أذان أبي محذورة؛ لأنه ولد بعد ذلك بسنتين. ورده ابن التركماني في الجوهر النقي، وقال: يحمل على أنه أذن بعد النبي ﷺ، فسمعه عبد العزيز، ويرجح ذلك أن عبد العزيز لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي محذورة بسند صحيح. فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٢٤٢) حدثنا حفص، عن الشيباني، عن عبد العزيز =
[ ١ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن رفيع، قال: رأيت أبا محذورة جاء، وقد أذن إنسان، فأذن هو وأقام. وقال البيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٦١٥): «وفي دوام أبي محذورة وأولاده على ترجيع الأذان وإفراد الإقامة ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما، ويقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده، وسعد القرظ وأولاده في حرم الله تعالى وحرم رسول الله ﷺ إلى أن وقع التغيير في أيام المصريين، والله أعلم». وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: (١/ ٤١٨): «يجوز أن يكون مسلم ترك حديث همام؛ لاعتقاده أنه غير محفوظ لمخالفته عمل أهل الحجاز». قال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٥٢): «… ولم يزل ولد أبي محذورة، وهم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة، ويحكونه عن جدهم». وقال البيهقي في خلافياته كما في المختصر (١/ ٥١٠): «… لو كان هذا حكمًا ثابتا لما فعلوا بخلافه، روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في المسند عن إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة قال أدركت أبي (يعني عبد العزيز) وجدي (يعني عبد الملك) وهم يؤذنون هذا الأذان الذي أؤذن فقلت: صف لي فذكره بالترجيع قال: ثم يقيم فرادى فذكرها فرادى. قال الشافعي: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز، وسمعته يحدث عن أبيه، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، عن النبي ﷺ معنى ما حكى ابن جريج. قال الشافعي ﵀: سمعته يقيم، يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال الشافعي وسمعته يحكي الإقامة خبرًا كما يحكي الأذان. وروى الحميدي كما في سنن الدارقطني (١/ ٤٤١)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٤٣٨)، أخبرنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: أدركت جدي وأبي وأهلي يقيمون، فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فهنا الإمام إسحاق بن راهويه، والشافعي، والحميدي ينقلون عن إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة أنه أدرك أباه عبد العزيز، وجده عبد الملك بن أبي محذورة، وسمع أهله يفردون الإقامة، ولا يمكن رد مثل هذا الخبر؛ بأن إبراهيم بن عبد العزيز ضعيف؛ لأن مثل هذا النقل العملي يبعد دخول الوهم فيه، خاصة أن الأذان والإقامة تتكرر في اليوم=
[ ١ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خمس مرات، ويحفظه أطفال المسلمين قبل كبارهم، ولذلك لما لم يختلف على أبي محذورة في الأذان، نقله إبراهيم على صفة ما حكاه ابن محيريز، وأما في الإقامة فقد اختلفوا فيها، وهذا الاختلاف يقوي أن المحفوظ عن ابن محيريز أنه لم ينقل لنا صفة الإقامة، فإذا أبعدنا إقامة عامر الأحول للاختلاف عليه، ولمخالفة غيره، بقي الوارد صفتان: الإقامة مثنى مثنى بتثنية الإقامة كلها، نقلها عثمان السائب، عن أبيه، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة. وإسنادها ضعيف. وإيتار الإقامة الموافقة لإقامة بلال ﵁، وهي أسانيد تدور في أغلبها بين ضعيف ومرسل، عدا ما رواه عبد الرحمن بن عابس، عن أبي محذورة، ولكنها مُؤَيَّدة بالجانب العملي المنقول والمتوارث، والذي أدركه الإمام الشافعي، وسمع إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك ابن أبي محذورة يقيم به، ويذكر أنه ورث هذا من أبيه، وجده، وأنهم أخذوا ذلك من أبي محذورة. وسوف يأتي تخريج رواية إبراهيم بن عبد العزيز بإفراد الإقامة والكلام على الاختلاف عليه في أسانيدها، والله أعلم. وقد رجح ابن دقيق العيد رواية عامر الأحول على ما رواه أولاد ابن أبي محذورة؛ لأن رجاله رجال الصحيح، وأما أولاد أبي محذورة فلم يخرج لهم في الصحيح. وهذا القول يَرِدُ عليه ما يلي: أولًا: أن رواية عامر أخرجها مسلم من رواية هشام دون ذكر الإقامة، وأعرض عن رواية همام، وإعراضه عنها لا يجعلها على شرط مسلم. الثاني: أن عامرًا قد تفرد بتربيع التكبير، واختلف عليه في ذكر الإقامة، وخالف غيره ممن روى الحديث عن ابن محيريز فلم يذكرها، فصارت الإقامة في حديث ابن محيريز من قبيل الشاذ، والشاذ لا يعتبر به؛ لأنه من قبيل الخطأ. الثالث: أن ما يقوي رواية أولاد أبي محذورة أنها عمل متوارث متكرر، تعلمه أولاد أبي محذورة، من أبيهم، ونقله الأولاد إلى الأحفاد تلقينًا، ويتكرر في اليوم خمس مرات، ويسمعه سائر المسلمين، وتبديله لو وقع لن يمر على المسلمين بلا إنكار. قال الشافعي: «فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم، والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا، جاز له أن يسألنا عن عرفة، وعن منى، ثم يخالفنا، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به». يعني: إفراد الإقامة، وصدق الإمام الشافعي ﵀، فقد رأينا أطفالنا في أول سن التمييز لا يخطئون في حكاية الأذان، فكيف يُرْمَى بالخطأ أولاد أبي محذورة تعليلًا بعدم الضبط؟! =
[ ١ / ٩٨ ]
الدليل الثاني:
(ح-٣٠) ما رواه أحمد عن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن محيريز أخبره - وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حتى جهزه إلى الشام- قال: فقلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك،
فأخبرني أن أبا محذورة، قال له: نعم خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين، مَقْفَل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه، ونستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلُّهم إَلَيَّ، وصدقوا، فأرسل كلَّهم، وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت، ولا شيء أكره إليِّ من رسول الله ﷺ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى إلَيَّ رسول الله ﷺ التأذين هو نفسه، فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك، ثم قال: أشهد أن
_________________
(١) = الطريق الثالث: سعيد بن أبي عروبة، عن عامر. رواه الطبراني في المعجم الكبير (٦٧٣٠)، وفي مسند الشاميين (٣٥٥٩)، قال: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، ثنا عمرو بن هاشم البيروتي، ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عامر بن عبد الواحد، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، قال: علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. وهذا الإسناد ضعيف، تفرد به عمرو بن هاشم البيروتي عن عبدة بن سليمان، ومثله لا يحتمل تفرده، وشيخ الطبراني ضعيف. الطريق الرابع: سهل بن عبد العزيز، عن عامر، كما في فوائد تمام (١٤١٩) بالتكبير أربعًا. وسهل فيه جهالة، والله أعلم. وهذه المتابعات على ضعفها تخرج همامًا من العهدة، وتجعل الحمل على عامر الأحول كما رجحت، والله أعلم.
[ ١ / ٩٩ ]
لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرَّة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمارها على وجهه مرتين، ثم مر بين يديه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرَّة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ: بارك الله فيك، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال: قد أمرتك به، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك محبة لرسول الله ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ.
[حسن إلا أن المحفوظ فيه تربيع التكبير، ولم يذكر الإقامة] (^١).
_________________
(١) عبد العزيز بن عبد الملك لم يوثقه أحد غير ابن حبان، روى عن عبد الله بن محيريز حديث الأذان، وروى عنه ثلاثة: ابنه إبراهيم، وابن جريج، وأبو سعيد محمد بن سعيد الطائفي، وصحح حديثه الترمذي وابن خزيمة، وفي التقريب مقبول: يعني حيث يتابع، وإلا فهو لين. وقد تابعه مكحول عن عبد الله بن محيريز كما في الدليل السابق، فيكون حديثه حسنًا بمتابعة مكحول له في صحيح مسلم، وأما تصحيح الترمذي وابن خزيمة فقد لا يعني التوثيق المطلق إلا لو كان الحديث لا يروى إلا من جهته، أما إذا روي من طرق كثيرة فربما صححاه بطرقه، وعلى كل حال لو اعتبرناه ثقة فإن موضع الشاهد، وهو تثنية التكبير غير محفوظة؛ لأن الأكثرين رووه على تربيع التكبير، ومنهم حجاج بن محمد حيث رواه عن ابن جريج بتربيع التكبير، وهو من أثبت أصحابه، وكما هو الراجح من رواية مكحول عن ابن محيريز، والله أعلم. هذا من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل فقد اختلف فيه في عدد التكبير: فرواه روح بن عبادة، واختلف عليه فيه: فرواه الدارقطني في سننه (١/ ٢٣٣) من طريق العباس بن محمد، وأبي أمية، ومحمد بن إسحاق وغيرهم عن روح به بتربيع التكبير. وخالفهم إمام أهل السنة، الإمام أحمد، فرواه في المسند (٣/ ٤٠٩) عن روح بن عبادة، عن ابن جريج به، بتثنية التكبير. كما رواه محمد بن بكر، واختلف عليه فيه أيضًا: =
[ ١ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه أحمد (٣/ ٤٠٩) عن محمد بن بكر، عن ابن جريج به، بتثنية التكبير. ورواه ابن حبان (١٦٨٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج به بتربيع التكبير. كما رواه أيضًا جمع بتربيع التكبير منهم: ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٩٢). والشافعي في مسنده (ص: ٣٠)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٣) عن مسلم بن خالد. وأبو داود (٥٠٣) وابن ماجه (٧٠٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٧٢) ح ٦٧٣١، وابن خزيمة (٣٧٩)، من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد. والنسائي في المجتبى (٦٣٢، ٦٣٣) وفي الكبرى (١٦٠٨)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٣٣)، من طريق حجاج بن محمد، كلهم عن ابن جريج به، بالتكبير أربعًا، وهو المحفوظ. وحجاج بن محمد مقدم على كل من خالفه في ابن جريج، كيف وقد تابعه أبو عاصم، ومسلم بن خالد. ولابن جريج طريق آخر يروي فيه حديث أبي محذورة. رواه عبد الرزاق (١٧٧٩) ومن طريقه أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٨)، وأبو داود (٥٠١)، والطبراني في الكبير (٦٧٣٤)، وابن خزيمة (٣٨٥)، والبيهقي (١/ ٣٩٣، ٣٩٤). والنسائي في المجتبى (٦٣٣) وفي الكبرى (١٦٠٩) من طريق حجاج بن محمد. وأحمد (٣/ ٤٠٨) عن محمد بن زكريا. والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦٠٧٧) مختصرًا، وابن خزيمة في صحيحه بتمامه (٣٨٥) والبيهقي (١/ ٤١٧) من طريق روح بن عبادة. وأبو داود (٥٠١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٠، ١٣٤) من طريق أبي عاصم، كلهم (عبد الرزاق وحجاج، ومحمد بن زكريا، وروح، وأبو عاصم) رووه عن ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن النبي ﷺ بنحوه. ورواية روح بن عبادة ومحمد بن زكريا وأبي عاصم عن ابن جريج بتثنية التكبير. ورواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج بتربيع التكبير. ورواه عبد الرزاق بالوجهين: فرواه عبد الرزاق في المصنف بتربيع التكبير. ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد (٣/ ٤٠٨). والطبراني في الكبير (٦٧٣٤)، والبيهقي (١/ ٣٩٣، ٣٩٤) بتربيع التكبير. =
[ ١ / ١٠١ ]
• وأجيب:
بأن أكثر الرواة رووه عن ابن جريج بذكر التكبير أربعًا، ومنهم حجاج بن محمد، وهو من أثبت أصحاب ابن جريج.
الدليل الثالث:
(ح-٣١) ما رواه أبو داود، من طريق نافع بن عمر يعني الجمحي، عن عبد الملك ابن أبي محذورة، أخبره عن عبد الله بن محيريز الجمحي،
عن أبي محذورة، أن رسول الله ﷺ علمه الأذان يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم ذكر مثل أذان حديث ابن جريج، عن عبد العزيز بن عبد الملك، ومعناه (^١).
[رواه مكحول وابنه عبد العزيز، عن ابن محيريز، بتربيع التكبير] (^٢).
_________________
(١) = بينما رواه أبو داود (٥٠١)، وابن خزيمة (٣٨٥) من طريق عبد الرزاق بتثنية التكبير. وهذا الإسناد ضعيف، فيه عثمان بن السائب مجهول الحال، قال ابن القطان: غير معروف، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقد انفرد بالرواية عنه ابن جريج، كما أن أباه مجهول انفرد بالراوية عنه ابنه عثمان، وقال الذهبي: لا يعرف. وكذلك أم عبد الملك انفرد بالرواية عنها عثمان السائب، ولم يوثقها أحد.
(٢) سنن أبي داود (٥٠٥).
(٣) عبد الملك بن أبي محذورة، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: ثقة، وفي التقريب: مقبول: أي حيث يتابع، وهذا الكلام أقعد، حيث لا أعلم أحدًا سبق الذهبي إلى توثيقه، وذكر ابن حبان له في الثقات على قاعدته: أن الأصل في المسلم العدالة، وهو خلاف عمل أهل العلم، وقد صحح حديثه الترمذي، وهو متضمن للتوثيق، لو كان هذا الحديث لا يروى إلا من جهته، وليس كذلك. واختلف فيه على عبد الملك بن أبي محذورة: فرواه نافع بن عمر، وهو ثقة، كما في إسناد الباب والنعمان بن راشد (صدوق سَيِّئُ الحفظ) كما في مشكل الآثار للطحاوي (٦٠٧٩)، كلاهما عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة كما تقدم، وقد وافق النعمان بن راشد نافع بن عمر في إسناد الحديث، وإن خالف في لفظه، والحمل عليه، فهو سَيِّئُ الحفظ. ورواية نافع بن عمر موافقة لرواية مكحول وعبد العزيز بن عبد الملك، عن ابن محيريز، =
[ ١ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسبق تخريجهما. انظر حديث (٢٩، ٣٠). وخالف كل هؤلاء محمد بن عبد الملك، فرواه عن أبيه عبد الملك بن أبي محذورة، عن جده. رواه أحمد (٣/ ٤٠٨) حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، بتثنية التكبير، والتثويب. ورواه أبو داود (٥٠٠)، وابن حبان (١٦٨٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٦٧٣٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٩٤)، من طريق مسدد بن مسرهد، عن الحارث بن عبيد به، بتربيع التكبير، والتثويب في صلاة الصبح. وهذا فيه مخالفتان: المخالفة الأولى: مخالفة في المتن، فقد اختلف فيه على الحارث في عدد التكبير: فرواه سريج بن النعمان، عن الحارث بن عبيد بتثنية التكبير. ورواه مسدد بن مسرهد، عن الحارث بن عبيد، وفيه التكبير أربع مرات. المخالفة الثانية: مخالفة في الإسناد، فنافع بن عمر ثقة، والنعمان بن راشد ضعيف يرويانه عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، كرواية مكحول وعبد العزيز بن عبد الملك. ونافع بن عمر ثقة ثبت لا يقارن بمحمد بن عبد الملك لو انفرد، فكيف وقد توبع. بينما محمد بن عبد الملك يروي الحديث عن عبد الملك، عن أبيه، عن جده. ومحمد بن عبد الملك ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه اثنان: الحارث بن عبيد والثوري، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول الحال، لا نعلم روى عنه إلا الحارث. وفي التقريب: مقبول. قلت: والحارث مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب، قال فيه أبو حاتم والنسائي والذهبي: ليس بالقوي. زاد أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن مهدي: كان من شيوخنا، وما رأيت إلا خيرًا. وقال الساجي: صدوق عنده مناكير. وقال ابن حبان كما في المجروحين: «كان شيخًا صالحًا ممن كثره وهمه حتى خرج عن جملة من يحتج بهم إذا انفردوا». وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤٦): «علته: هي الجهل بحال محمد بن =
[ ١ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عبد الملك بن أبي محذورة، ولا يعلم روى عنه إلا أبو قدامة الحارث بن عبيد، وهو أيضًا ضعيف، قاله ابن معين » ثم نقل كلام أحمد وأبي حاتم وابن مهدي. وتابع محمد بن عبد الملك ضعيفان: الأول: إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك، عن جده عبد الملك بن أبي محذورة، يذكر أنه سمع أبا محذورة، قال: ألقى علي رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا، قال: وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم مرتين. رواه أبو داود (٥٠٤)، والدولابي في الكنى والأسماء (٣١٠)، والطبراني في الكبير (٦٧٣٢)، والطبراني في الأوسط (١١٠٦) عن أبي جعفر النفيلي، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول: ألقى عليَّ رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا: الله أكبر الله أكبر فذكر التكبير أربعًا بالترجيع، والتثويب، ولم يذكر الإقامة. ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني على إثر ح (٧٩٢) عن يعقوب بن حميد، عن إبراهيم بن إسماعيل سمعت أبي وجدي يحدثان عن أبي محذورة أنه كان يؤذن للنبي ﷺ فذكر مثل حديث ابن جريج. فزاد في الإسناد ذكر أبيه. وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك، روى عنه أبو جعفر النفيلي، ويعقوب بن حميد، ولم يذكر المزي في تهذيبه إلا أبا جعفر النفيلي، ولم يوثقه أحد، فهو مجهول. والثاني: تابعه إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، إلا أنه قد اختلف عليه: فقيل: عن إبراهيم، حدثني أبي عبد العزيز وجدي عبد الملك جميعًا، عن أبي محذورة. رواه الترمذي (١٩١)، والنسائي (٦٢٩)، وابن خزيمة (٣٧٨)، والبيهقي (١/ ٤١٤) من طريق بشر بن معاذ، قال: حدثني إبراهيم به، بلفظ: أن النبي ﷺ أقعده وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا، قال إبراهيم: مثل أذاننا. قال بشر: فقلت له: أعد علي، فوصف الأذان بالترجيع، وليس فيه ذكر للتثويب، ولم يذكر الإقامة. ولفظ ابن خزيمة بتثنية التكبير. قال الترمذي: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح. اه ولعله صححه بطرقه. وتابع بشرًا يعقوب بن حميد، فرواه البيهقي في السنن (١/ ٤١٤) من طريقه، قال: حدثنا إبراهيم به، واقتصر على ذكر الإقامة، ولم يذكر الأذان، ولفظه: أنه كان يؤذن للنبي ﷺ فيفرد الإقامة، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فوافقه في الإسناد، وخالفه في اللفظ، فبشر بن معاذ اقتصر على الأذان، ويعقوب اقتصر على الإقامة. ويعقوب بن حميد تُكُلِّمَ فيه، وهو صدوق له مناكير، وغرائب. قال ابن خزيمة: عبد العزيز بن عبد الملك لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه=
[ ١ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن عبد الله ابن محيريز، عن أبي محذورة. اه وفي مسند أحمد ما يؤكد ذلك، فقد رواه أحمد من طريق ابن جريج، عن عبد العزيز بن عبد الملك، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، ثم قال عبد العزيز بن عبد الملك: وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز. فهذا نص بأن عبد العزيز لم يدرك أبا محذورة. ولم يتكلم ابن خزيمة على رواية عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه مع العلم أن عبد الملك رواه أيضًا عن ابن محيريز، عن أبي محذورة كما في رواية أبي داود (٥٠٥) وغيره، فهل هذا إشارة من ابن خزيمة بأن عبد العزيز بن عبد الملك لم يدرك أبا محذورة بخلاف أبيه عبد الملك فإنه حين أدركه، أمكنه السماع منه؟ وقيل: عن إبراهيم بن عبد العزيز، عن جده عبد الملك، عن أبي محذورة. رواه حنبل بن إسحاق كما في سنن الدارقطني (١/ ٤٣٩)، وبشر بن موسى كما في سنن الدارقطني (١/ ٤٣٩)، وسنن البيهقي (١/ ٦١٢)، كلاهما عن الحميدي، عن إبراهيم بن عبد العزيز، قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يحدث عن أبيه أبي محذورة أن النبي ﷺ ألقى عليه هذا الأذان … فذكر الأذان مفصلًّا بتربيع التكبير، والترجيع، ولم يذكر التثويب، ولم يذكر الإقامة. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٤) عن الحميدي. ورواه البخاري أيضًا في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٤)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٥٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٠٠٤)، ورواه الدارقطني في السنن (١/ ٤٤٥) ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (٣٦٥)، من طريق محمد ابن غالب كلاهما (البخاري وابن غالب) عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، كلاهما (الحميدي وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي) روياه عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عن جده عبد الملك، أنه سمع أبا محذورة … وذكره بلفظ: أن النبي ﷺ أمره أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. وهذا ليس اختلافًا في الإسناد السابق، وإنما اقتصر إبراهيم هنا بذكر أحد الإسنادين، نعم يكون الاختلاف مؤثرًا لو كان الإسناد الأول يرويه إبراهيم عن أبيه، عن جده، ثم رواه هنا عن جده، فيكون إسقاطه للواسطة اضطرابًا في الإسناد، وأما إذا كان يرويه عن أبيه وعن جده، عن أبي محذورة، فتارة ينشط فيذكرهما جميعًا، وتارة يقتصر بالرواية على أحد شيوخه لم يكن هذا مؤثرًا، وإن كان هناك اختلاف ففي لفظه: فبشر بن موسى، وحنبل بن إسحاق روياه عن الحميدي، عن إبراهيم ابن عبد العزيز بذكر الأذان فقط. =
[ ١ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعبد الله بن عبد الوهاب، والحميدي في رواية، روياه عن إبراهيم بذكر الأذان والإقامة. وروى الحميدي الإقامة وحدها إلا أنه لم يسنده، فأخرجه الدارقطني (١/ ٤٤١) والبيهقي في السنن (١/ ٦١٢) من طريق بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك ابن أبي محذورة، قال: أدركت جدي، وأبي وأهلي يقيمون فيقولون: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وهذه الرواية وإن كانت غير مسندة، إلا أنها تحكي جانب العمل الموروث المتكرر من لدن عبد الملك ابن أبي محذورة، ومثله لا يتطرق له الوهم لتكرره، ولأنه مؤذن تلقى الأذان من أهل بيته، وهو أقوى من المسند. وتابع إسحاق بن راهويه الحميدي، فأخرجه الطوسي في مختصر الأحكام (١٧٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٤١٤)، عنه، عن إبراهيم، قال: أدركت أبي وجدي يؤذنون هذا الأذان ويقيمون هذه الإقامة، ويقولون: إن النبي ﷺ علمه أبا محذورة. وهذا مرسل. فصار الحميدي يرويه عن إبراهيم تارة بذكر الأذان فقط مسندًا بالترجيع كرواية ابن محيريز، ولا يذكر الإقامة. وتارة يرويه عن إبراهيم، أنه أدرك أباه وجده على إفراد الإقامة، وتابعه على ذلك إسحاق بن إبراهيم بن راهويه. ورواه الحميدي وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي بذكر الأذان والإقامة لكن بلفظ مجمل أن النبي ﷺ أمره أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. وقيل: عن إبراهيم، عن أبيه عبد العزيز بن عبد الملك، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة. رواه الإمام الشافعي كما في الأم (٢/ ١٨٧)، والمسند (٣١)، وسنن البيهقي (١/ ٣٩٣) بذكر الأذان فقط. وهذه توافق رواية ابن جريج، عن عبد العزيز بن عبد الملك. وما يجمع هذه الروايات عن إبراهيم على اختلافها أنه في الأذان يتفق مع ابن محيريز في إثبات الترجيع في الشهادتين. وأما في الإقامة فإن الاختلاف عليه إنما هو في الأسانيد، فتارة يذكرها مسندة عن أبي محذورة، وتارة يرسلها، عن أبيه وعن جده، لا يبلغ به أبا محذورة، إلا أنه في كلها على إفراد الإقامة. وقد توبع على ذلك بسند قوي جدًّا. فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢١٥٠) أخبرنا غندر، عن شعبة، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عابس، قال: سمعت أبا محذورة يقول في آخر أذانه: إن أذانه كان مثنى، وأن=
[ ١ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إقامته كانت واحدة، وخاتمة أذانه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. وسنده صحيح. ورواه عبد العزيز بن رفيع، واختلف عليه فيه: فرواه عنه جرير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢١٢٦) عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي محذورة أن أذانه كان مثنى وأن إقامته كانت واحدة. ورجاله ثقات، وهو متابع لعبد الرحمن بن عابس. وروى بعضه سليمان بن فيروز الشيباني كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢١٦٦) عن عبد العزيز به. وخالفهما أبو الأحوص كما في المصنف (٢١٤٧) فرواه عن ابن رفيع، قال: حدثني قائد أبي محذورة، أن أذانه كان مثنى، وأن إقامته كانت واحدة، وخاتمة أذانه الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وقائد أبي محذورة غير معروف. ولا يستبعد أن يكون عبد العزيز بن رفيع سمعه من أبي محذورة بواسطة قائده، وسمعه من أبي محذورة مباشرة، فهو لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي محذورة بسند صحيح. فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٢٤٢) حدثنا حفص، عن الشيباني، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت أبا محذورة جاء، وقد أذن إنسان، فأذن هو وأقام. قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٤٢٢): «وقد روي عن أبي محذورة: الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة من طرق غير قوية». هذه وجوه الاختلاف على إبراهيم بن عبد العزيز، وقد ضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. اه وأرجح هذه الطرق من حيث الإسناد: ما رواه الشافعي، عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عن أبيه، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة بذكر الأذان فقط. وهي توافق في الإسناد رواية ابن جريج، عن عبد العزيز بن عبد الملك. وهذان الطريقان يتفقان مع رواية مكحول عن ابن محيريز من جهة الإسناد. ورواية مكحول في صحيح مسلم. والخلاصة: أن الأذان في حديث أبي محذورة لم يختلف عليه فيه في ذكر الترجيع، واختلف عليه في التكبير في أوله، والصحيح التربيع، وأصح من روى ذلك مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة. وتابعه على ذلك عبد العزيز بن عبد الملك، وعبد الملك، عن ابن محيريز به بذكر الأذان فقط. وأما تثنية التكبير فقد صح عندي من عمل أهل المدينة زمن التابعين، ولا أخاله إلا مأخوذًا =
[ ١ / ١٠٧ ]
الدليل الرابع:
(ح-٣٢) ما رواه البخاري ومسلم،
عن أنس ﵁، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فَأُمِر بلالٌ أن يَشْفَعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة.
وفي رواية لهما: وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (^١).
وجه الاستدلال:
قوله: (أن يشفع الأذان) معناه: أن يأتي به مثنى، فإذا كبر أربعًا فقد خالف الخبر.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول: أن لفظ الشفع يشمل التثنية، والتربيع؛ لأن التكبيرات الأربع هي شفع أيضًا.
الجواب الثاني: أن قوله: (أن يشفع الأذان) المقصود أن يشفع أكثر الأذان لا كله، وأن يوتر الإقامة: أي بعض الإقامة لا كلها، وأن اللفظة التي في خبر أنس إنما هي من أخبار ألفاظ العام التي يراد بها الخاص، إذ الأذان وتر لا شفع؛ لأن المؤذن إنما يقول: لا إله إلا الله، في آخر الأذان مرة واحدة، لا يختلفون في ذلك. وكذلك المقيم يثني في الابتداء الله أكبر، فيقوله مرتين، وكذلك يقول: قد قامت الصلاة مرتين، ويقول أيضًا: الله أكبر الله أكبر مرتين، والله أعلم.
_________________
(١) = من الصحابة رضوان الله عليهم. وأما الإقامة فالصحيح أنها غير محفوظة من حديث ابن محيريز. وإفراد الإقامة ثابت عن أولاد أبي محذورة، سمع الشافعي إبراهيم بن عبد العزيز يقيم بها كإقامة بلال، وأخبره بأنه أدرك أباه عبد العزيز وجده عبد الملك يقيمون بها. وتابع الشافعي على ذلك الحميدي وإسحاق بن راهويه، وهذا جانب عملي موروث يبعد أن يدخله الوهم مع تكرار الأذان والإقامة. وروي عنه تثنية الإقامة من طريق عثمان بن السائب، عن أبيه وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، وإسناده ضعيف، والله أعلم.
(٢) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦)، ومسلم (٣٧٨).
[ ١ / ١٠٨ ]
الدليل الخامس:
(ح-٣٣) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري،
عن ابن المسيب قال: كان المسلمون يهمهم شيء يجمعون به لصلاتهم، فقال بعضهم: ناقوس، وقال بعضهم: بوق، فأري عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام أن رجلًا مر به معه ناقوس فقال له عبد الله: تبيع هذا؟ فقال الرجل: وما تصنع به؟ قال: نضرب به لصلاتنا، قال: أفلا أدلك على خير؟ قال: بلى قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وذكر الأذان جاعلًا التكبير في أوله مرتين، ولم يذكر الإقامة (^١).
[رجاله ثقات] (^٢).
• وأجيب:
بأن هذا مرسل، والمرسل ضعيف.
• ورد هذا:
قال البيهقي في الخلافيات: «لا أعلم خلافًا بين أئمة أهل النقل أن أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب» (^٣).
ومرسل سعيد إذا اعتضد كان حجة، وقد روى الشعبي وابن أبي ليلى ومعاذ ابن جبل رؤيا عبد الله بن زيد، وذكروا فيها تثنية الأذان (^٤).
الدليل السادس:
(ث-٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة،
_________________
(١) المصنف (٤٧٧١) ..
(٢) وتابع معمرًا يونس وشعيب بن أبي حمزة على إرساله وتثنية التكبير، وخالفهم ابن إسحاق، فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد بتربيع التكبير، والواحد من أصحاب الزهري مقدم على ابن إسحاق، فكيف وقد خالف جماعتهم؟ ورواية ابن إسحاق عن الزهري فيها كلام. وانظر تخريجه ضمن تخريج حديث عبد الله بن زيد رقم (٢٧)، والله أعلم.
(٣) الخلافيات (١/ ٨٠٥) ..
(٤) انظر تخريجها ضمن تخريج حديث عبد الله بن زيد رقم (٢٧).
[ ١ / ١٠٩ ]
عن أنس، قال: الأذان مثنى، والإقامة واحدة.
[رواه قتادة عن أنس موقوفًا وبالمعنى، ورواه أبو قلابة عنه مرفوعًا، وبلفظ: أُمِر بلالٌ أن يَشْفَعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامةَ، وهو لفظ الصحيحين].
وجه الاستدلال:
أن قوله: (الأذان مثنى) يشمل التكبير وغيره.
الدليل السابع:
(ح-٣٤) ما رواه أبو عوانة من طريق سعيد بن المغيرة الصياد قال: حدثنا عيسى ابن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى والإقامة فرادى (^١).
[المعروف أنه موقوف] (^٢).
• ويجاب عن الأثرين:
أجاب النووي عن ذلك بما نقله عن أصحابه: بأنه يستحب للمؤذن أن يجعل كل تكبيرتين بنفس واحد (^٣)، ليصبح -والله أعلم- التكبير في الأذان مثنى صورة، وإن كان بالعدد أربعًا.
قال ابن حجر: «وهذا إنما يتأتى في أول الأذان، لا في التكبير الذي في آخره،
_________________
(١) مستخرج أبي عوانة (٩٥٩).
(٢) ورواه عيسى بن يونس، واختلف عليه فيه: فرواه سعيد بن المغيرة الصياد كما في مستخرج أبي عوانة (٩٥٩)، ومسند البزار (٥٧٤١)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٣٩) وفوائد تمام (٣٠٩)، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة مرة مرة. وخالفه علي بن خشرم، كما في المنتقى لابن الجارود (١٦٤)، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن شعبة، عن أبي جعفر، عن أبي المثنى، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى … وذكر الحديث. وانظر تخريجه في: (ح-٣٦)، فقد ترجح لي أن المعروف من حديث ابن عمر ﵄ الوقف، والله أعلم.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٧٩).
[ ١ / ١١٠ ]
وعلى ما قال النووي، ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس» (^١).
لأنه لو جمع التكبيرتين في آخر الأذان بنفس واحد لكان التكبير في آخره مفردًا، وهذا الاستحسان يحتاج إلى نقل، وإذا لم يثبت النقل فلا حاجة إلى القول به، ويكون المراد الأذان مثنى بالنسبة لغالبه كما يروى في إقامة بلال أنه يوتر الإقامة مع تثنية التكبير في أوله وآخره، وتثنية قد قامت الصلاة.
وجواب آخر:
أن قوله الأذان مثنى لفظ مجمل، وحديث أبي محذورة، بأن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة جملة، وحديث عبد الله بن زيد في تربيع التكبير أحاديث مفصلة، والمفصل مقدم على المجمل، فتحمل التثنية إما على غالب جمل الأذان، وإما على أن التكبيرتين كانتا بنفس واحد.
الدليل الثامن:
الآثار وردت مختلفة، فيها التكبير أربع، وفيها تثنية التكبير، فرجعنا إلى العمل ليفصل هذا الاختلاف، فرأينا أهل المدينة يعمل خلفهم عن سلفهم على التكبير مرتين، ينقله التابعون ممن أدركهم مالك وعاصرهم، عن الصحابة، لا يزيدون عليها، وينقلونه نقلًا متواترًا يقطع العذر، وهم عدد كثير، لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر بالأمس من الأذان، ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد تبديله، أو تغييره، لهذا سقط معه حكم الزائد عن مرتين، ولا يقدم على هذا النقل غيره مما هو آحاد، ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان والإقامة والصاع والمد ونحوها المعول فيه على نقل أهل المدينة؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (^٢).
وناظر مالك بعض من احتج عليه في الأذان بأذان بلال بالكوفة، فقال مالك: ما أدري ما أذان يوم ولا ليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده إلى اليوم لم يحفظ عن أحد إنكار لهذا الأذان، ولا نسبته إلى التغيير.
_________________
(١) فتح الباري، ط: السلفية (٢/ ٨٣).
(٢) انظر المنتقى للباجي (١/ ١٣٤)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٣١).
[ ١ / ١١١ ]
قال الباجي معلقًا: «وهذا لعمري من أقوى الأدلة، ومما لا يعارض بأخبار الآحاد؛ لأن الأذان في مسجد رسول الله ﷺ أمر متصل في وقت كل صلاة» (^١).
• وأجيب:
بأن تثنية التكبير والترجيع لم يكن من أذان أهل المدينة، جاء في مسائل ابن هانئ للإمام أحمد، «قيل له: فإن بالمدينة من يؤذن بأذان أبي محذورة كثيرًا فقال: ما كان يؤذن بها إلا أهل مكة، وهذا محدث بالمدينة، فإن فعله إنسان لم أعنفه» (^٢).
• حجة من قال: إن شاء كبر أربعًا، وإن شاء كبر مرتين:
صح عن النبي ﷺ تثنية التكبير وتربيعه، وأن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يشرع فعلها على جميع تلك الوجوه، ولا يكره شيء منها؛ إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة الاستفتاح، والقراءات، والتشهدات، ونحو ذلك، كما أ ن المتوضئ بالخيار، إن شاء توضأ مرة مرة، وإن شاء مرتين مرتين، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته، ولأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، والمستحب واجبًا، ويفضي إلى التفرق والاختلاف، فمن تمام السنة أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة.
• الراجح:
صح تربيع التكبير من حديث أبي محذورة، جاء مجملًا علمه الأذان تسع عشرة كلمة، وجاء مفصلًا.
وأما تثنية التكبير فإن أصح ما ورد فيه كونه من عمل أهل المدينة زمن التابعين، وإنما تلقاه التابعون عن الصحابة، والعهد قريب، والنقل مثله نقل مستفيض يصلح مثله للاحتجاج، كما نقلوا لنا مقدار الصاع النبوي ونحوه، فجاز عندي الصفتان، والله أعلم.
_________________
(١) إحكام الفصول (١/ ٤٩٠)، وانظر البيان والتحصيل (١٧/ ٣٣١).
(٢) مسائل ابن هانئ (١٨٩).
[ ١ / ١١٢ ]