الدليل الأول:
أذان بلال ليس فيه ذكر للترجيع، وهو الأصل في مشروعية الأذان، وهو الأذان الذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا إلى أن مات ﵊، وما يختاره الله لرسوله ﷺ فهو مقدم على غيره، بل إن أكثر الأحاديث في صفة الأذان ليس فيها ترجيع كما سيأتي في الأدلة التالية إن شاء الله تعالى.
• ويناقش:
بأن الترجيع، وإن لم يَأْتِ في حديث بلال، فقد ثبت في حديث أبي محذورة، وقد لقنه إياه رسول الله ﷺ بنفسه، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥) ما رواه البخاري ومسلم،
عن أنس ﵁، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة.
وفي رواية لهما: وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (^٣).
_________________
(١) قال القاضي حسين: إن الإمام البيهقي نقل عن الشافعي أنه إذا ترك الترجيع لا يصح أذانه. انظر المجموع شرح المهذب (٣/ ٩١، ٩٢)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٨١)، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٥).
(٢) الأوسط (٣/ ١٦).
(٣) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦) ومسلم (٣٧٨).
[ ١ / ١١٥ ]
وجه الاستدلال:
قوله: (أن يشفع الأذان) معناه: أن يَأْتِيَ به مثنى، والترجيع يعني ذكر الشهادتين أربع مرات.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن الاحتجاج في صفة أذان بلال، لا يلغي ما ثبت في حديث أبي محذورة.
الوجه الثاني:
أن الترجيع لا ينافي الشفع، فإذا كان تربيع التكبير لا ينافي الشفع، لم يُنَافِ ذلك في الشهادتين؛ لأن غاية ما في الترجيع أنه تربيع للشهادتين.
الدليل الثالث:
(ح-٣٦) ما رواه أحمد، عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر -يعني المؤذن- يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث
عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (^١).
[رواه أبو جعفر المؤذن وابن أَرْطَاةَ، عن أبي المثنى مرفوعًا، وخالفهما إسماعيل ابن أبي خالد، فرواه عن أبي المثنى، عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ] (^٢).
_________________
(١) المسند (٢/ ٨٥)، وقول شعبة: لا أحفظ غير هذا: يعني أنه لم يسمع منه إلا هذا الحديث، هكذا عند أبي داود وغيره.
(٢) في إسناده أبو جعفر، وقيل: أبو إبراهيم الكوفي. وقد اختلف في اسمه: فقيل: محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى. وقيل: محمد بن مسلم بن مهران بن المثنى. ويقال: محمد بن مهران. ويقال: محمد بن المثنى. وقيل: غير ذلك. والراجح في اسمه: أنه محمد بن إبراهيم بن مسلم، ومسلم هذا جده: هو أبو المثنى شيخه =
[ ١ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في هذا الحديث، وبعضهم ينسبه إلى جده فيقول في اسمه محمد بن مسلم. قال ابن رجب في الفتح: «كذا ذكره ابن حبان وأبو أحمد الحاكم وابن عقدة، والدارقطني وغيرهم». اه وانظر تاريخ الإسلام (٩/ ٦٠٧). قال أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٦٧): «أبو جعفر المؤذن: اسمه محمد بن مسلم بن مهران، كوفي روى عنه أبو إسحاق». وانظر سؤالات البرقاني (٤٥٧). وثقه ابن معين وقال ابن معين مرة والدارقطني: ليس به بأس. اه قال البرقاني: «قلتُ للدارقطني: محمد بن مسلم بن مهران بن المثنى، قال بصري، يحدث عن جده، لا بأس بهما». سؤالات البرقاني (٤٥٧). وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٧١)، وقال: يخطئ. وقال أبو زرعة كما في الجرح والتعديل (٨/ ٧٨): هو واهي الحديث. وقال أبو زرعة نقلًا من البدر المنير (٣/ ٣٣٠): «كوفي لا أعرفه إلا في هذا الحديث». ولينه ابن مهدي، انظر المغني في الضعفاء. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ١٩٣): «… قال عمرو بن علي: روى عنه أبو داود الطيالسي أحاديث منكرة في السواك وغيره، ولم يرضه يحيى القطان». وقال ابن عدي: ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبين فيه صدقه من كذبه. فإذا كان يخطئ على قلة أحاديثه فهو ضعيف، ولهذا اختلف عليه في وقفه ورفعه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وجده أبو المثنى: اسمه مسلم بن المثنى، ويقال: ابن مهران، روى عن ابن عمر، روى عنه ابن ابنه أبو جعفر: مؤذن مسجد العربان، وإسماعيل بن أبي خالد، وحجاج بن أرطاة. وقال أبو زرعة: ثقة. وسبق لنا أن الدارقطني قال عنه: لا بأس به. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال ابن حجر وأبو زرعة: ثقة. تخريج الحديث: الحديث رواه شعبة، واختلف عليه فيه: فأخرجه أبو داود الطيالسي (١٩٢٣). وأخرجه أحمد (٢/ ٨٥) وأبو داود (٥١٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٣٧٤)، وابن حبان (١٦٧٤)، والحاكم من طريق محمد بن جعفر. وأخرجه أحمد (٢/ ٥٨) والنسائي في المجتبى (٦٦٨) وفي الكبرى (١٦٤٤)، والدولابي في الكنى والأسماء (١٧٢٥) عن حجاج بن محمد. =
[ ١ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه أحمد (٢/ ٨٧) والدارقطني (١/ ٢٣٩) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤١٣)، عن عبد الرحمن بن مهدي. وأخرجه النسائي في المجتبى (٦٢٨) وفي الكبرى (١٦٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه بإثر ح (٣٧٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان. وأخرجه الدارمي (١١٩٣) عن سهل بن حماد. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٦٤) من طريق أبي عامر العقدي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٦٧٧) وابن المنذر في الأوسط، من طريق آدم بن أبي إياس. وأخرجه ابن المنذر في الأوسط من طريق خالد بن الحارث. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤١٣) من طريق أبي النضر، كلهم (أبو داود الطيالسي، وغندر، وحجاج، وابن مهدي، والقطان، وأبو عامر، وخالد بن الحارث، وأبو النضر) رووه عن شعبة، عن أبي جعفر، عن أبي المثنى عن ابن عمر مرفوعًا. وخالفهم سلم بن قتيبة، كما في التاريخ الكبير (١/ ٢٤)، فرواه عن محمد بن المثنى (أبي جعفر) حدثنا جدي، عن ابن عمر يفرد الإقامة. وهذا موقوف، والتخليط من أبي جعفر، وليس الترجيح بين سلم بن قتيبة وبين من خالفه. ورواه عيسى بن يونس، واختلف عليه فيه: فأخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٦٤) عن علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن شعبة، عن أبي جعفر به، كرواية الجماعة. وخالفه سعيد بن المغيرة الصياد كما في مستخرج أبي عوانة (٩٥٩)، ومسند البزار (٥٧٤١)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٣٩) وفوائد تمام (٣٠٩)، فرواه عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة. والمحفوظ من رواية عيسى بن يونس ما وافق رواية الجماعة، والله أعلم. وإن كان ابن عبد الهادي في التنقيح: قد صحح إسناد رواية عيسى بن يونس عن عبيد الله بن عمر. والله أعلم. وكما اختلف فيه على أبي جعفر، اختلف فيه أيضًا على جده أبي المثنى: فرواه أبو جعفر، عن أبي المثنى، عن ابن عمر، كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة ورواه حجاج بن أرطاة، عن أبي المثنى، كان بلال يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. وهذا مرسل؛ لأن بلالًا لم يؤذن إلا في حياة النبي ﷺ. =
[ ١ / ١١٨ ]
وإذا كان الأذان مرتين مرتين لم يكن في الأذان ترجيع.
• ويناقش:
بأن هذا يصف الأذان بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ، وهو لا يلغي ما ثبت في مكة بعد فتحها.
الدليل الرابع:
(ح-٣٧) ما رواه مسلم من طريق حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه،
عن جده عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة (^١).
• ويجاب:
بأنه لا منافاة بين هذا الحديث، وبين حديث أبي محذورة، فحديث عمر ﵁ في إجابة المؤذن مُنَزَّل على صفة أذان بلال، وهو لا يبطل ما ثبت في أذان أبي محذورة، وليس أحدهما بأرجح من الآخر، فيجوز هذا، ويجوز ذاك.