الأولى: وظيفة الوقت، أي الإعلام بدخول الوقت لعامة المصلين، حتى لمن لا يحضر الصلاة، كالمريض، والمرأة، ونحوهما.
الثانية: وظيفة الصلاة، أي الدعوة إلى الاجتماع لفعلها، وهو معنى قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
جاء في شرح غريب ألفاظ المدونة: «(حي على الصلاة) قال أهل الفقه فيها وشيوخ الحديث: هلمَّ إلى، وليس كذلك، وإنما معناها: جِئْ حثيثًا: أي سريعًا، ومن قلت له: هلمَّ إلي، فجاء مبطئًا، أو مسرعًا فقد أطاعك، ومن قلت له: حي إِلَيَّ فجاء مبطئًا فقد عصاك، فليس المعنى إلا جِئْ حثيثًا» (^١).
وفي الحديث: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب، فهناك منادٍ، وهو المؤذن، وهناك مُنَادَى يجيب نداء المؤذن، وهو المصلي.
الثالثة: إظهار شعار الإسلام، والتعريف بأن الدار دار إسلام.
وأما الأذان في السفر، وفي الفائتة فليس له إلا وظيفة واحدة، وهو حق الصلاة، ويلحق بالمسافرين الجماعات المعدودة، والتي لا تنتظر غيرها، والمجتمعة خارج المدن.
ولهذا قال الماوردي في الحاوي في تعريف الأذان: إعلام بدخول وقتها، وحضور فعلها (^٢)، إشارة منه لوظيفتي الأذان.
والأذان في التنزيل نداء للصلاة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩].
_________________
(١) شرح غريب ألفاظ المدونة (ص: ٢٢).
(٢) الحاوي الكبير (٢/ ٤٠).
[ ١ / ٢٠ ]
وقوله: (بألفاظ مخصوصة) فالأذان ذكر مقيد، لا يجوز الزيادة عليه، ولا إبدال ألفاظه بألفاظ أخرى، حتى ولو كانت بمعناه، أو أحسن.
ومنه تعرف أن زيادة: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله محدثة، واستدراك على الشرع، واتهام للصحابة رضوان الله عليهم بأنهم لم يتأدبوا مع رسول الله ﷺ، وكذا كل زيادة تزاد على الأذان معه، أو قبله، أو بعده مما لا يجوز فعله، وسوف يأتي مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وعرَّف الأذانَ بعضُ المالكية والشافعية:
بأنه الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة (^١).
زاد الزركشي من شخص مخصوص (^٢).
إشارة إلى اشتراط أن يكون المؤذن مسلمًا، ذكرًا، بالغًا، عدلًا، لا كافرًا، ولا صَبِيًّا، ولا امرأةً، ولا فاسقًا، وسوف يأتي بيان الخلاف في بعض هذه الشروط إن شاء الله تعالى.
وعرَّف الحنابلة الأذان:
بأنه إعلام بدخول وقت الصلاة أو قربه لفجر، بذكر مخصوص (^٣).
فقوله: (أو قربه) ليدخل في ذلك الأذان الأول لصلاة الصبح، مع ما قيل فيه أكان للصلاة، أم لإيقاظ النائم، ورجوع القائم؟ فلما كان النداء لغير الصلوات المفروضة كالأذان لصلاة الكسوف له صفة مخصوصة، لا تشبه أذان الصلوات المفروضة، وكان الأذان قبل الفجر موافقًا في صفته لأذان الصلوات المفروضة مشتملًا على دعوة الناس لفعل الصلاة بقوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، وقع الخلاف بين أهل العلم في صحة الأذان للصبح قبل الوقت، وسيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انظر الفواكه الدواني (١/ ١٧١)، منح الجليل (١/ ١٩٦)، البيان للعمراني (٢/ ٥٤)، المجموع (٣/ ٧٥)، حاشية الجمل (١/ ٢٩٥) ..
(٢) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٤٩٩).
(٣) التنقيح المشبع (ص: ٧٥)، الإقناع (١/ ٧٥)، غاية المنتهى (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٢١ ]
والتعريف المختار أن يقال: الأذان: هو التعبد لله بالإعلام بألفاظ مخصوصة على أمر مخصوص.
فقولي: (التعبد لله): إشارة إلى أن الأذان عبادة من العبادات، لا تصح من الكافر.
وقولي: (على أمر مخصوص): يشمل الإعلام بدخول الوقت إن كانت الصلاة مؤداة في الحضر، أو الإعلام بالصلاة لفعلها إن كانت الصلاة مقضية أو في السفر، لهذا فضلت أن يقال: على أمر مخصوص ليسع الأمرين، الوقت والصلاة، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢ ]