هذه المسألة فرع عن حكم الكلام في الأذان، والذي جعلني أفردها في مسألة مستقلة، أن رد السلام يختلف عن مجرد مطلق الكلام في الأذان، ذلك أن الكلام الأصل فيه الإباحة، ورد السلام الأصل فيه الوجوب، فإذا سُلِّم على المؤذن، فهل يرد السلام قيامًا بالواجب، أو يسقط الوجوب مراعاة لتوالي جمل الأذان؟
[م-٣٢] اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول:
يكره رد السلام، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والمنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعد (^١).
على خلاف بينهم:
فقيل: لا يرد مطلقًا، لا قبل الفراغ من الأذان، ولا بعده، وهو الأصح عند الحنفية (^٢).
وقيل: يرد في نفسه، وهو قول أبي حنيفة (^٣).
وقيل: يرد بعد الفراغ من الأذان، وبه قال محمد بن الحسن، وهو مذهب المالكية، حتى قال أصحاب مالك: يرد السلام، ولو لم يكن المُسَلَّم عليه حاضرًا (^٤).
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٩٩).
(٢) انظر فتح القدير (١/ ٢٤٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٧)، المحيط البرهاني (١/ ٣٥٢)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٩١)، البحر الرائق (١/ ٢٧٢). وقال ابن رجب كما في فتح الباري (٥/ ٢٩٩): «والمنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعد أنه يكره، وهو قول مالك وأبي حنيفة».
(٣) انظر المراجع السابقة.
(٤) انظر قول محمد بن الحسن في: فتح القدير (١/ ٢٤٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٧). وانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٤٢٧). =
[ ١ / ٣٠١ ]
القول الثاني:
لا يكره رد السلام، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، إلا أن الشافعية قالوا: تركه أولى (^١).
وما كان خلاف الأولى فهو ملحق بالمكروه؛ إلا أن المكروه ورد فيه نهي مخصوص، وخلاف الأولى لم يرد فيه نهي مخصوص، كترك السنن المؤكدة، وذكر الله على غير طهارة، ونحو ذلك.
القول الثالث:
يجب رد السلام، وتشميت العاطس، وهو اختيار ابن حزم (^٢).
• وجه من قال بالكراهة:
أن السلام على المؤذن منهي عنه؛ لأن المُسَلِّم على المؤذن يعرِّضه لأحد أمرين: إما أن لا يرد، ورد السلام الأصل فيه الوجوب.
وإما أن يرد، والكلام في الأذان يخل بنظام الأذان، خاصة إذا كَثُر المُسَلِّمُون فقد يظن من سمع المؤذن أنه لا يقصد به الأذان، لهذا نَهَيْنَا عن السلام على المؤذن ابتداءً، وكرهنا الرد على المُسَلِّم.
• دليل من قال: يجب رد السلام وتشميت العاطس:
الدليل الأول:
جاءت نصوص من الشرع تأمر برد السلام وتشميت العاطس، وهي مطلقة،
_________________
(١) = واختلف المالكية هل له أن يرد بالإشارة، وهو مشتغل بأذانه؟ فقيل: له ذلك كالمصلي. وقيل: ليس له ذلك بخلاف المصلي؛ لأن المصلي ممنوع من الكلام، فعوض عنه بالإشارة، والمؤذن غير ممنوع من الكلام، وإنما نهي عنه لما فيه من إفساد النظام، فلم يكن ممنوعًا في الأصل، فلم يعوض عنه بالإشارة. وانظر التلقين (١/ ٤٣٩).
(٢) أسنى المطالب (١/ ١٢٨)، تحفة المحتاج (١/ ٤٧٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٣)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧)، المجموع (٤/ ٦١١)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (١/ ٧٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٣).
(٣) المحلى، (٣٢٦).
[ ١ / ٣٠٢ ]
أو عامة، والمطلق والعام على إطلاقه وعمومه حتى يَرِدَ من الشارع ما يقتضي التخصيص أو التقييد، ولا يخصص كلام الشارع ولا يقيده إلا نص مثله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
(ح-١١٥) وروى البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم (^١).
ومن أخرج أحدًا من هذه النصوص فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن المفضول الذي يخشى فوته مقدم على الفاضل الذي لا يخشى فوته، كما قدمت تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة، على سماع الخطبة، وتحية المسجد سنة عند الجمهور، وسماع الخطبة واجب.
وكما يقدم رد السلام على قارئ القرآن على توالي القراءة، فكذلك يقدم رد السلام على توالي الأذان.
الدليل الثالث:
رد السلام لا يخل بالإعلام، لكونه يسيرًا، فلا ينافي توالي كلمات الأذان.
• دليل من قال: لا يكره رد السلام ولا يجب:
أما كونه لا يكره؛ فلأن رد السلام، وتشميت العاطس يختلف عن الكلام المباح التي لا تدعو له حاجة أو مصلحة، فالكلام إذا دعت له حاجة أو مصلحة فإنه مثل ذلك يرفع الكراهة.
ولم يجب عليه الرد في مثل هذه الحالة، لاشتغاله بالأذان، والمشغول لا يشغل.
• الراجح:
الأمر في هذا واسع؛ لأنه لا نص فيه، لكن ينبغي ألا يُسَلَّم على المؤذن ابتداءً؛
_________________
(١) البخاري (٦٢٢٤).
[ ١ / ٣٠٣ ]
لأن المشغول لا يشغل، فإذا سلم عليه فليرد بعد الأذان إن كان المُسَلَّم عليه لا يفوت، وإن خشي فواته رد عليه، ورد السلام بالكلام لا يكره؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وهو يسير، لا يخل بنظم الأذان، وينبغي أن يكون رد السلام بصوت منخفض عن صوت الأذان حتى لا يلتبس بالأذان، والله أعلم.
[ ١ / ٣٠٤ ]