﷽
الحمد لله رب العالمين حمدًا يكافئ نعمه قديمها وحديثها، تليدها وطريفها، ظاهرها وباطنها، حمدًا يوافي مننه، ويوجب مزيده.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
وأصلي وأسلم على خاتم رسله المبعوث رحمة للعالمين، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. أما بعد.
فإن الاشتغال بالعلم الشرعي فضل عظيم من الله ﷾، يهبه لمن يشاء من عباده.
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥].
وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠].
قال تعالى: ﴿قُلْ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
وقال ﷺ: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. متفق عليه (^١).
وقال الإمام أحمد: العلم مواهب من الله. ليس كل أحد يناله (^٢).
وما وهبه الله فلا راد لفضله. قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
وإذا كان العلم من فضائل الله التي لا تحصى، ومن أياديه التي لا تستقصى
_________________
(١) صحيح البخاري (٧١)، وصحيح مسلم (١٠٠ - ١٠٣٧).
(٢) طبقات الحنابلة لأبي يعلى (١/ ٣٢٣).
[ ١ / ٥ ]
كان واجبًا على طالب العلم القيام بحقه، والعمل بمقتضاه، والتمسك بما تدل عليه النصوص من كتاب وسنة، وعدم معارضتها بآراء العقول، وتقليد الرجال.
فلا هداية إلا بالاتباع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ونفى الله ﷾ الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي ﷺ ولم يرض به، ولم يسلم له تسليمًا.
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وحذر من مخالفة أمره، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وإذا كان الله قد أمر رسوله بأن يقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [يونس: ١٥] باستخدام النفي والإثبات.
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
فالأصل أن ما كان فرضًا في حق النبي ﷺ، فهو فرض في حق أتباعه من باب أولى إلا بدليل يدل على الاختصاص.
والنص حاكم على الخلاف، وليس العكس قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
والخلاف إنما عقد للوصول إلى حكم الله قطعًا أو ظنًّا، وليس للتخير بين أقوال الرجال، ولا بتقديم الأيسر من الأقوال.
فلا يجوز أن يكون الخلاف حجة للتفلت من استحقاق النص؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
فقوله: (في شيء) نكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء من كبار المسائل
[ ١ / ٦ ]
وصغارها مما لم يقع عليها إجماع. والآية تعطي الخلاف شرعية؛ لعدم النهي عن التنازع المشروع، وترسم المنهج الشرعي في التعامل معه، وذلك بالرد إلى النص من كتاب أو سنة، إلا أن وجود النص الشرعي لا يستلزم ثبوته، فقد يوجد النص، ولا يصح، وثبوته لا يعني التسليم بدلالته على الحكم، فالاختلاف في دلالة النص من أكثر أسباب الخلف فيه، وكلا المتنازعين قد رد إلى النص بحسب فهمه واجتهاده.
فالنص: خطاب الشارع من كتاب وسنة.
ودلالة النص: عمل المجتهد، والنص معصوم، والفهم غير معصوم، وهناك من لا يستطيع أن يفرق بينهما، ويعتقد أن فهمه: هو خطاب الشارع، ويقول لك: هل ابن عمر معصوم؟ وهل الإمام أحمد معصوم؟
ويقال له: وهل فهمك للنص معصوم؟ فإن كانت المقاربة بالرجال فنحن أوثق لديننا بتقديم فهم ابن عمر وفهم الإمام أحمد للنص على فهم بعض المعاصرين، فلا تجعلوا فهمكم حجة بمنزلة النص.
فحديث: (لا صلاة بحضرة طعام) لا نزاع في ثبوته.
ومثله حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
والحديثان دلالتهما اللغوية واحدة، فالظاهرية لا يفرقون بين الدلالتين، ويسوون بينهما في الحكم، ويحكمون ببطلان الصلاة بحضرة الطعام، وترك القراءة.
والجمهور فرقوا في الدلالة، فصححوا الصلاة بحضرة الطعام، بخلاف ترك القراءة خاصة للمنفرد والإمام.
ولا يصح للظاهرية أن يتهموا جمهور الفقهاء بأنهم لم يأخذوا بدلالة النص.
وحين ترى دلالة ما أنها مرجوحة، وفي نفس الوقت ترى أن هذه الدلالة قد توافق عليها عالمٌ في أقصى المشرق مع عالم في أقصى المغرب دون مواطأة، فهذا يعني أن هذه الدلالة محتملة، وترجيحك لضعفها لا يلغي احتمال صوابها، فكيف إذا وجدت أن هذا الفهم قد تكرر من المجتهدين على اختلاف أماكنهم، وتعاقب دهورهم؟ وهؤلاء لا يختلف أحد في إمامتهم، ولا في امتلاكهم لأدوات الاجتهاد، ولا في تعظيمهم للنصوص.
[ ١ / ٧ ]
ومما يدل على أن هذه الأقوال الخلافية محتملة أنك تجد أحيانًا أن الإمام أحمد أو الإمام مالكًا قد روي عنه أنه قال بجميع هذه الأقوال في المسألة، فلولا أن هذه الأقوال تحتملها الأدلة لما تنقل إمام واحد بينها حتى رويت عنه كلها، وليس هذا يعني أن الحق فيها كلها؛ فإن الصواب واحد، وما عداه خطأ.
ولا يعني ذلك: أننا نتخير منها ما نشاء بلا مرجح، وليس من المرجحات طلب الأيسر على المكلف؛ لكونه أيسر، ولكن لاحتمال الأدلة لكل قول من هذه الأقوال حفظ عن الإمام أنه قال بكل قول منها في مدة من اجتهاده، ثم انتقل عنه لغيره، ورجوع الإمام عنه لا يستلزم ضعفه، فقد ينتقل من الراجح إلى المرجوح أو العكس، وتقديم أصحاب الإمام بعض الروايات على بعض لا يلزم أن يكون هو المقدم في حكم الله تعالى، والأصح أن احتمال هذه الأدلة لهذه الأقوال كان سببًا في الأخذ بها من المجتهد حتى حفظ عنه أنه رويت عنه كل هذه الأقوال المختلفة.
ومما يدل على أن هذه الأقوال تحتملها الأدلة: أن المسائل الخلافية أكثر مسائل الفقه، وهي تعد بالآلاف، والصواب في كل مسألة منها واحد على الصحيح، وما عداه من الأقوال فهو في حكم الله خطأ، وذلك يعني: أن الأئمة وقعوا في آلاف الأخطاء، فلو كانت هذه الأخطاء لا تحتملها الأدلة، أو تركوا في كل هذه المسائل الالتزام بالنص لحط ذلك من قدرهم، ولنال ذلك من إمامتهم، ولكن حين كان القطع بالصواب غير ممكن التمس العذر للمخطئ منهم، وكان المجتهد مكلفًا بالأخذ بما يراه راجحًا، وتقديره يختلف من مجتهد لآخر، وكان ما يجب على أحد المجتهدين يخالف ما يجب على المجتهد الآخر إذا بذل وسعه وتحرى إصابة الحق.
أردت أن يكون هذا التنبيه بين يدي الكتاب حتى يلتمس طالب العلم العذر في بعض المسائل الخلافية إذا كان الترجيح فيها لم يكن موافقًا لما يراه أو يتمناه، أو مخالفًا لما أخذه عن شيخه، أو لكونه مخالفًا لما جرى عليه العمل وألفه في بلده منذ نعومة أظفاره، فالعمل ليس من أدلة الشرع، والعمل في مكان يعارضه العمل في مكان آخر، فلا يمكن أن يكون العمل مرجعًا للرد إليه، والعمل الذي جرى فيه الخلاف في الاحتجاج به هو عمل أهل المدينة زمن التابعين، والجمهور لا يعدونه حجة،
[ ١ / ٨ ]
والاحتجاج به عند أصحاب الإمام مالك مشروط فيما سبيله النقل، وليس الاجتهاد، كمسألة الأذان، والصاع، وعدم وجوب الزكاة في الخضراوات (^١).
وغالب الترجيحات في هذا الكتاب موافقة لما عليه جمهور الفقهاء من غير أن يكون ذلك سببَ الترجيح، وإنما الترجيح يعود إلى قوة الدليل حسب ظن الباحث، وعلى كل حال إذا رأيت أننا خالفنا رأيك فالتمس العذر بأننا وافقنا جماهير العلماء في كثير من مسائل الكتاب، ولئن خالفناك من غير قصد فقد وافقناك في المنهج باتباع الدليل، وهذا هو الأَسَدُّ. والله أعلم.
ومسائل العلم: منها ما يتعذر على العلماء كلهم الوصول إلى مراد الله منها بالاجتهاد، فيحتاج الأمر إلى توقيف، فهذه قد تولى الله بيانها أو رسوله من خلال النصوص، فلا يترك الله عباده دون أن يبين لهم ما يتقون.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].
وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فالأول كالمواريث، ودلالتها نصية. والثاني: كعدد الركعات في الصلوات الخمس فقد بينت السنة ما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦].
ومنها ما يكون بالإمكان الوصول إلى مراد الله منها، فهذه قد ترك الله الاجتهاد فيها للعلماء؛ ليتوصلوا إلى مراد الله منها، وكانت دلالة النصوص فيها ليست قطعية لحكم إلهية، من أجل بذل الجهد والتعبد في معرفة مقصود الشارع، وليرفع الله بها درجات بعض العلماء على بعض، وليخص الله بعضهم بالفتح من عنده بحسب الجد والإخلاص، فيفيض الله على بعض العلماء ما لا يفتح به على آخرين؛ رحمة وفضلًا وتوسعة وتيسيرًا على الخلق، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر، ولتتمحص العبودية لله والاتباع لرسوله على ما تشتهيه النفس أو تنزع له من شدة أو تفلت، أو تقديم لقول شيخ أو إمام أو سلطان أو عمل بلد،
_________________
(١) الإشارة في معرفة الأصول والوجازة (ص: ٢٨١)، شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٣٣٤).
[ ١ / ٩ ]
وقد يمتحن الله بعض الناس إذا خالف إمامهم سنة من السنن، أيتبعون إمامهم، أم يتبعون السنة؟ كما قال عمار عن عائشة: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم؛ لتتبعوه أو إياها. رواه البخاري (^١).
وقد يترك العالم النص الصحيح الصريح لوجود ما يراه معارضًا له من نصوص أخرى صحيحة، والآخر قد لا يسلم له هذه المعارضة، فإذا ترك العالم النص الصحيح الصريح لمعارض يراه لم يكن ذلك خروجًا عن الرد إلى النص.
وقد عقد الأصوليون بابًا في منهج التعامل مع الأدلة التي ظاهرها التعارض.
وقد يكون النص عامًّا، فيأخذ عالم بعمومه، ويأتي عالم آخر فيخصصه بعمل بعض فقهاء الصحابة إذا لم يعارضه صحابي آخر، ولا يعد هذا التخصيص خروجًا عن الرد إلى النص، فالعام مظنة للتخصيص، وهناك عمومات في الكتاب والسنة كثيرة لا يراد عمومها أصلًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
فليس المراد في الآية عموم الكافرين، وإنما من سبق له في علم الله الشقاء.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. فظاهر الآية: ولم يلبسوا إيمانهم بأي ظلم؛ لأن قوله: (بظلم) نكرة في سياق النفي فيعم، وقد فهم الصحابة من الآية العموم، فقالوا كما في الصحيح: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فبين النبي ﷺ أن عموم الآية ليس مرادًا، وقال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك.
كما أن فهم الصحابة للنص مقدم على فهم غيرهم.
قالت أم عطية كما في الصحيحين: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) (^٢).
فقول أم عطية: (ولم يعزم علينا) هذا الفهم الذي تتحدث عنه أم عطية ﵂ خارج الدلالة اللفظية، ولا يحيط به إلا من شاهد التنزيل، وسمع الخطاب من النبي ﷺ، فالصحابة رضوان الله عليهم أعلم من غيرهم بدلالات الألفاظ،
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٧٧٢).
(٢) صحيح البخاري (١٢٧٨)، وصحيح مسلم (٣٥ - ٩٣٨).
[ ١ / ١٠ ]
حيث تلقوا الأوامر الشرعية من النبي ﷺ، بلا واسطة، وهي منقبة للصحابة وحدهم، بخلاف غيرهم فهو يتعامل مع النص بحسب ما تقتضيه الدلالة اللفظية فقط، وشتان بين هذا وذاك، وقد تجد بعض الجدليين يناقشك بالمثال: في حكم اتباع النساء للجنائز، وينسى التقعيد، وهو الأهم.
يقول الطاهر بن عاشور في توكيد هذا الأصل: «يقصر بعض العلماء ويتوحّل في خضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه رأيه إلى اللفظ مقتنعًا به، فلا يزال يقلَّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لُبَّه، ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق، وإنّ أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها مقام التشريع، وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرّفات الرسول ﷺ ولا على استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول ﷺ وأعماله وعمل الصحابة، ومن صحبهم من التابعين. هنالك يتبيّن لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، وليتضح لهم ما يستنبط من العلل تبعًا لمعرفة الحكم والمقاصد. وفي هذا المقام ظهر تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين المقتصرين في التَفَقُّه على الأخبار» (^١).
ولا أريد أن أستعرض أسباب الخلاف بين العلماء فقد ألفت فيها كتب، المهم أن المسائل التي حفظ فيها الخلاف من لدن السلف لا يصح حمل الناس فيها على قول واحد، ووجود الخلاف فيها ليس مسوغًا للتخير بينها تخير تشهٍ، بلا مرجح شرعي، فالخلاف ليس من أدلة الشرع.
قال ابن عبد البر في التمهيد «وقد أجمع المسلمون أن الخلاف ليس بحجة، وأن عنده يلزم طلب الدليل والحجة؛ ليبين الحق منه» (^٢).
وقال أيضًا في جامع بيان العلم وفضله: «الاختلاف ليس بحجة عند أحد
_________________
(١) مقاصد الشريعة الإسلامية (٣/ ٨١).
(٢) التمهيد، ت: بشار (١/ ٣٥٦).
[ ١ / ١١ ]
علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده» (^١).
وهناك من يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف؛ لأن الإنكار يختص بالمنكر، ولا منكر في المسائل الخلافية؛ إذ كيف يكون المخالف قد ارتكب منكرًا، وهو يجب عليه شرعًا التزام ما يراه راجحًا، ولو خالفه كان مستحقًا للإثم، وهل يرد الوجوب والتحريم على شيء واحد، فيكون المجتهد مأمورًا باتباع اجتهاده، ويكون غيره مأمورًا بإنكار ذلك عليه؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «المجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفتٍ وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى اللَّه ما استطاع، كان هذا هو الذي كلفه اللَّه إياه، وهو مطيع للَّه مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ولا يعاقبه اللَّه البتة … وهو مصيب؛ بمعنى: أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه» (^٢).
وهذا لا يفتح باب الإعذار للمجتهد ليتكلم ويرجح قبل أن يبحث، وينظر في الأدلة، ويتحرى طاقته للوقوف على أقرب الأقوال إلى الحق، فالأمر خطير جد خطير (^٣).
وهناك من يقول يشرع الإنكار في مسائل الخلاف؛ إلا أنه يقول مع ذلك: إن المنكر عليه لا إثم عليه فيما فعله، ولا تضييق عليه في اجتهاده.
وظاهر هذا القول تشريع الإنكار في كل مسائل الخلاف، فإن كان هذا الظاهر
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٢).
(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢١٦).
(٣) ذكر الله عتابه للنبي ﷺ على اجتهاده في أكثر من موضع من كتابه، مما يدل على أنه ليس كل اجتهاد مظنة الثواب، منها: الموضع الأول: في أسرى بدر، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨]. والموضع الثاني: في العفو عن المتخلفين عن الجهاد، قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. ولا يكون العفو إلا في موضع المؤاخذة، ويلزم منه بطريق الاقتضاء وجود الخطأ، فلو كان كل خطأ في الاجتهاد مظنة الثواب لما جاءت الآية بالعفو.
[ ١ / ١٢ ]
مرادًا -ولا إخاله- فإنه لا يختص بأحد المخالفين بل يجب عليه ما يجب على مخالفه، وتصبح كل مسائل الاجتهاد موضعًا للإنكار من الطرفين، فأنكر عليك، وتنكر عليَّ.
وأحسب أنهم يقصرون الإنكار على من يرونه قد خالف نصًّا صريحًا، أو إجماعًا، أو قاعدة شرعية مُسَلَّمة، بمعنى: حصر الإنكار على القول الضعيف البيِّن الضعف، وإنكار مثل هذا قد يحتمل.
على أنه قد يتوجه سؤال: من هو المؤهل ليكون حكمًا على اجتهادات طلبة العلم، ليقول: إن هذا القول ظاهر الضعف يجب إنكاره، وذاك قوي لا يجوز إنكاره، والمسألة خلافية بين الأئمة المتقدمين؟
فالعوام لا دخل لهم بهذا، بل ولا كثير من الخواص، كيف وأنت ترى بعض الخاصة ينكرون أقوالًا يراها الأئمة الأربعة؛ لاعتقادهم أنها مخالفة للنص، وهو وحده الذي يرى أن اجتهاداته لا تخرج عن النص.
والناس ثلاثة: مفرط متساهل يتطلب الأيسر؛ لكونه أيسر، وهذا لا اعتبار به.
ومتشدد يحمل الناس على الأشق في كل خلاف؛ لمجرد كونه أفضل أو أحوط، وحمل الناس على العزيمة فيما لهم فيه رخصة ليس من حق المجتهد. ودعوى أن الناس قد يتساهلون، فإذا كان الله قد وسع على عباده فلماذا أنت تضيق عليهم باسم المصلحة المتوهمة، فهذا القسم من الناس أيضًا ملحق بالأول.
وبينهما وسط، يفرق بين الاختيار للنفس: (إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)، وبين الاختيار للخلق: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف).
ولحديث عائشة: (ما خيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا). متفق عليه (^١).
يقول قتادة بن دعامة: «﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، قال: هؤلاء أصحاب نبيِّ الله ﷺ، لو أطاعهم نبيُّ الله ﷺ في
_________________
(١) رواه البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٧٧ - ٢٣٢٧) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٣ ]
كثير من الأمر لعَنِتوا، فأنتم -واللهِ- أسخف قلوبًا، وأطيش عقولًا، فاتّهَم رجلٌ رأيَه، وانتصح كتاب الله؛ فإنّ كتاب الله ثِقة لِمَنْ أخذ به وانتهى إليه، وإنّ ما سوى كتاب الله تغرير» (^١). اه
وإذا كان هذا في حق أفضل البشر بعد الأنبياء، وأكملهم ديانة، وفقهًا، وورعًا، ورأيًا، وحرصًا، لو يطيعهم رسول الله ﷺ في كثير من اجتهادهم، ليس في مسألة أو مسألتين لعنتوا، والعنت المشقة والإثم، وإذا كان هذا في حق من حبب الله لهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فما بالك ببعض صالحي عصرنا، ولقد كنت أعاني من بعض الأميين لا أقوال العوام، ممن لا يعرف الكتابة ينتقد ويصوب لطلبة العلم، ولو أن طالب العلم نزل عند رغبتهم، والتمس موافقتهم في كل ما يكتب، لوقعنا فيما حذرت منه الآية: سنة الله، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، فالله المستعان.
ملحوظة:
أنجز من المشروع الفقهي ٤٨ مجلدًا، تفصيلها كالتالي:
بلغت مسائل مشروع الصلاة ١١٥٠ مسألة في ١٠٤٤٦ صفحة، في ثمانية عشر مجلدًا.
وبلغت مسائل مشروع المعاملات المالية: ٢١٣٣ مسألة في ١١٨٥٥ صفحة، في عشرين مجلدًا.
وبلغت مسائل مشروع كتاب موسوعة أحكام الطهارة ٩٣٢ مسألة في ٥٥٧٠ صفحة، في عشرة مجلدات.
ليكون المجموع: ٤٢١٥ مسألة في ٢٧٨٧١ صفحة، ولله الحمد، وهذا القدر من المشروع ربما يبلغ نصف المشروع الفقهي.
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري (٢٢/ ٢٩١) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وسنده صحيح. ونسبه في الدر المنثور (٧/ ٥٥٩) لعبد بن حميد وابن جرير. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٩٣٠) مختصرًا عن معمر، عن قتادة. ورواية معمر عن قتادة فيها كلام، لكن لم ينفرد به. والله أعلم.
[ ١ / ١٤ ]
فإذا علمت أن مسائل زاد المستقنع أشهر متون الحنابلة المختصرة تبلغ ٢٤٠٠ مسألة (^١).
فإن ذلك يعني أن ما يعادل نصف المشروع تقريبًا يزيد على مسائل الزاد بما يقارب الضعف، ولله الحمد، وقد ذهب التعب، ومضت الأيام بقدرها.
وإنما حرصت في نهاية هذه المقدمة أن أختمها بذكر عدد المسائل والصفحات ليعذر المطلع فإذا وقع على وهم، أو على خطأ هنا أو هناك، فإن مشروعًا بهذا العدد يقوم به شخص واحد بحثًا وصفًّا وطباعة لعمل مكلف جدًّا ويصعب معه التحفظ من عدم السهو والخطأ إن لم يكن ذلك مستحيلًا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
فمع تنوع مادة المشروع من فقه وحديث وأصول وقواعد وتراجم في عمر يمتد لسبعة وعشرين عامًا فلا بد من الوقوع في السهو والخطأ، وربما بحثت المسألة أكثر من مرة، وربما ترجمت للراوي أكثر من مرة لأكتشف بعد ذلك أني قد بحثته فلطول العهد لا أذكر ذلك، وربما وجدت البحث القديم أَسَدُّ من الجديد، وأحيانًا العكس؛ ليعلم الإنسان قدر ضعفه، والمحب يعذر، والشانئ يفجر، وليت الذي لا يرى في هذا المشروع إلا ما يكره قد شمر عن ساعد الجد، وقدم للأمة ما هو أحسن وأسد لنشكره عليه، وندعو به له، وإنك تجد في البلد في كل زاوية منه من يصلح سيارتك، ولا تجد في بلاد كثيرة من يصنعها، فليس كل من أحسن التنقير لو تعرض للتأليف أحسن التدبير، والناقد بصير، فإذا كان المضمون سمينًا، فلا يضيرك الشكل، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ولو طبق ميزانهم على جميع الكتب قديمها وحديثها لن يرضى عنها بعض الناس؛ لأنه ما من كتاب إلا وتجد عليه بعض الملحوظات إلا كتاب الله ﷾، ولو جرب هذا التأليف لعلم ما يكابده المؤلف، وما أهون تصور الشيء، وما أصعب تطبيقه.
لا يعرف الشوقَ إلا من يكابده … ولا الصبابةَ إلا من يعانيها!
_________________
(١) يقول الشيخ سلطان العيد في كتابه: المدخل إلى زاد المستقنع (ص: ٩١): «وقد تم ترقيم مسائل الزاد على طريقة ترقيم مسائل الدليل، فظهر أن عدد مسائل الزاد (٢٤٠٠)».
[ ١ / ١٥ ]
ولقد كان أحد الإخوة يشكو إليَّ من بعض الأخطاء المطبعية، فكتب مطوية فأعياه تدقيقها، فعذر بعد ما جرب. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو دفعت بالكتب إلى دور النشر لجوَّدوه، ولحملوا عني مؤنة صفه وتدقيقه، ولكنهم ليسوا جمعية خيرية، وأنا أتطلب بيع الكتاب بأقل من سعر التكلفة عن طريق بعض المحسنين، وأبادر بنشر الكتاب على الشبكة، وعلى البرامج الحاسوبية؛ ليصل إلى من يستفيد منه ممن لا يصل إليهم الكتاب، وقد أوقفت جميع حقوقي في جميع كتبي.
وعلى من ضيع وقته أن يستدركه فيما بقي، فالأيام وعاء، ولا عزاء للنوَّم، ولا لمن آثر السمر في الاستراحات، وقطع بالثرثرة أعز الأوقات، حتى مضى عمره عليه حسرات، فلما سُقِطَ في يديه أصبح يقلب من الحسرة كفيه، وهيهات هيهات أن يتدارك ما فات.
وإياك والنصائح المضللة أن تفت في عضدك، فهناك من يقول لك: لا تكتب إلا بعد الخمسين حتى تبلغ في العلم مبلغ الراسخين، فتكون كتابتك أنفع، وعلمك أشمل، ووهمك أقل، وليس للرسوخ في العلم مكيال يعرف به مقداره، ولا تقدم العمر وحده هو من يبلغك مناله، بل هذا الناصح لم ينتبه أنه ربما تربص بك إلى بداية الضعف والوهن، وما عساك أن تنجز فيما بقي من عمرك، بل اكتب في شبابك وقوتك فالكتابة دربة كلما أكثرت منها رسخ قلمك، وتراكمت خبرتك، ولا مانع من عدم التسرع في الطبع، ولكن لا تترك الكتابة إن كانت الكتابة من همك ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
وقد بدا الوهن يدب إلى عظامي، ويوشك زيت التجلد أن ينفد، فالظهر والركب كلها تشتكي من طول الجلوس على البحث، وأصبحت العوائق مخوفة، وأصبحت لا أهوي جالسًا ولا أقوم منه واقفًا إلا ويقوم منه شاهد على ضعف البدن، وكلها إشارات بتصرم القوة، وخور العزم، وهذا أمر متوقع وما حدث في أوانه لا يستغرب، وأسأل الله لي وللقارئ الكريم حسن الخاتمة.
وقد أرسلت نموذجًا من المشروع في بدايته إلى أحد الفضلاء ممن أثق بعقله،
[ ١ / ١٦ ]
وأطمئن إلى نصحه؛ كراهة الندم إذا استبد المرء برأيه، ولم يستشر إخوانه.
فكتب لي كتابًا كان نقده تعريضًا لا تصريحًا، وكان مشفقًا علي من شرط الكتاب، وخائفًا علي من الانقطاع وأن يكون حالي كالمنبت لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع، وأختار لك من خطابه.
(بسم الله الرحمن الرحيم. عافاك الله أيها الفحل الهمام. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته، من المولع بحبك، العائش على أمل المؤانسة والمجالسة وما وراءهما …
ما سطرته براعتك هو عين التحقيق، وغاية التدقيق، سلمت براجمك، وحفظ الله لك سائر قواك … والحمد لله الذي جعل بيننا من تلين له صعاب المسائل، ويعبد له فيها عسيرات المسالك … أيها الشيخ الحبيب النابغة لو أكملت شرح الزاد على هذا المنول [كان الشيخ يعتقد أن النموذج شرح لزاد المستقنع] لكان فتحًا علميًا لا يكاد يوجد له نظير، ولدار حوله الطلبة والباحثون وأطافوا به إطافة العطاش بالماء المنير، على أنه سيكون كثير الأجزاء، واسع الأرجاء، وهذا يمكن تذليله وتطويعه على كل حال، ثم إن عيب مثل هذه الأعمال الموسوعية هو طول النفس في أولها، ثم ينقطع أو يتخفف من التزاماته العلمية بعد ذلك، ولا يخفى عليك الأمثلة … إلخ خطابه).
وأريد أن أقول للشيخ: إن آخر هذا المشروع أوسع من أوله، فكان مشروع المعاملات المالية ٢١٣٣ مسألة في عشرين مجلدًا، بينما مشروع الصلاة نصف هذه المسائل في ثمانية عشر مجلدًا.
والهدف من عرض هذه النصائح لعلها تنفع شابًا ذا همة عالية، طوقه التردد، وحبسه خوف النقد، واحتقار النفس، فمنعه من اقتحام الكتابة مع شوقه الشديد، واستعداده لبذل كل ما يستطيع بذله من مال وصحة وراحة في سبيل الوصول إلى غايته. وربما جاءني شاب يحمل وريقات من نموذج بحثه، فأفصل في حسناته، وأجمل في عثراته خشية أن يصده نقدي عن مأربه، وطمعًا أن يكون وراء هذه الوريقات عبقرية فذه حبسها عن الظهور ضعف البدايات فما إن يلج العلم من بابه، ويتبين له معالمه، ويهتدي إلى مصطلحاته، ويكتسب ملكة لغته، حتى يبز أقرانه،
[ ١ / ١٧ ]
ويظهر نبوغه على كثير من شيوخه هذا ما تحدثني به نفسي إذا قدم لي من يظن في أخيه أنه قد يرشده ويسدده.
وعلى كل حال فاعلم أيها الشاب أنه لا عمل كامل، وكل خطأ ارتكبته فهو وسيلة لمعرفة الصواب، وسينفع الله بك العباد، فلا تحقرن نفسك، وكل كبارنا اليوم كانوا بالأمس في سن الشباب، يرجون ما ترجوه، ويحذرون ما تحذره، وصبروا على النصب والتعب، وأخلصوا لله في الطلب، وكان سعيهم بين نجاح وإخفاق حتى أصبحوا بيننا اليوم علامات كالنجوم يهتدي بها السائرون.
يقول هشام بن عروة بن الزبير: كان أبي يجمعنا فيقول: يا بني، كنا صغار قوم وإنَّا اليوم كباره، وإنكم اليوم صغار، وستكونون كباره إن بقيتم، وإنه لا خير في كبير لا علم له. والله أعلم.
[ ١ / ١٨ ]