[م-٦٥١] السجود هو الخضوع لله، وهو على نوعين:
خضوع كوني لحكم الله وقهره وإرادته القدرية، وهذا يقع من جميع المخلوقات قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥].
وخضوع شرعي، وهو التذلل لله والخضوع له بوضع أعلى ما في الإنسان على الأرض تعبدًا له سبحانه، عند وجود أسبابه الشرعية، كالصلاة، ومواضع سجود التلاوة والشكر وذلك لتجدد النعم واندفاع النقم.
والساجد أذل ما يكون لربه، وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة، وبأن السجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي غاية الذل مع كمال الحب، يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا (^١).
وقد ورد فضل السجود في الكتاب والسنة، من ذلك:
أن الله ﷾ أطلق السجود على كامل الصلاة، لأهميته منها.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمعنى: إذا سجدوا: أي إذا أكمل الذين معك صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها (^٢).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد (١/ ٢٢٩).
(٢) انظر: تفسير السعدي (ص: ١٩٨).
[ ١٠ / ١٨٠ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥].
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
(ح-١٧٩٠) وروى الشيخان من طريق عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة من حديث طويل في صفة البعث والشفاعة، وفيه: (… كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود …). الحديث (^١).
(ح-١٧٩١) ومنها ما رواه مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،
حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (^٢).
فهذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي ﷺ إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.
(ح-١٧٩٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: عليك بكثرة
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٠٦)، وصحيح مسلم (٢٩٩ - ١٨٢).
(٢) صحيح مسلم (٢٢٦ - ٤٨٩).
[ ١٠ / ١٨١ ]
السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (^١).
فدل على أن السجود من أعظم أسباب نيل المطلوب وهو رفع الدرجات، وفي زوال المرهوب، وهو تكفير السيئات.
الدليل الثالث:
(ح-١٧٩٣) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (^٢).
فالمصلي قريبٌ من الله في كل حالاته وأقرب (أفعل التفضيل) ما يكون، وهو ساجد، وفي هذا دليل على فضل السجود لله ﷾.
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨).
(٢) صحيح مسلم (٢١٥ - ٤٨٢).
[ ١٠ / ١٨٢ ]