المدخل إلى المسألة:
• خص القيام بالقراءة، والركوع بتعظيم الرب، والسجود بكثرة الدعاء.
• القيام أفضل من السجود بذكره، والسجود أفضل بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة المنفكة عن الفاعل.
• يختار الفاعل من طول القيام أو كثرة السجود ما كان أنفع لقلبه، وأنشط على العبادة، فإن الله لا يمل حتى تملوا.
• كون السجود لا يقع إلا عبادة، بخلاف القيام فمنه العادة، ومنه العبادة لا يقتضي تفضيل السجود؛ فإن التسبيح والتهليل والذكر لا يقع إلا عبادة، والقيام بالصلاة أفضل منه.
• أفضل الصلاة طول القنوت، أي دوام الطاعة، فهو بمعنى حديث عائشة: أحب الأعمال إلى الله أدومها.
[م-٦٥٢] قال ابن رشد: «لا اختلاف في أن الكثير من الصلاة أفضل من القليل، وإنما اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء مدة الصلاة» (^١).
فقيل: طول القيام أفضل، وهو قول الإمام أبي حنفية، وأحد القولين عن محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، وأحد القولين عند المالكية، واستظهره ابن رشد في التحصيل، وهو رواية عن أحمد (^٢).
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٧)، والبيان والتحصيل (١/ ٣٧٩).
(٢) سأل محمد بن الحسن أبا حنفية كما في الأصل (١/ ١٥٩)، فقال: «طول القنوت والقيام في التطوع أحب إليك أم كثرة السجود؟ قال: طول القيام أحب إلي، وأي ذلك فعل فحسن». وانظر: تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي (ص: ٤٠٩) بدائع الصنائع (١/ ٢٩٥)، فيض القدير (٢/ ٤٢)، البحر الرائق (٢/ ٥٩)، المبسوط (١/ ١٥٨)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦٨)، النهر الفائق (١/ ٢٩٩)، البيان والتحصيل (١/ ٣٧٩)، مواهب الجليل (٢/ ٨١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٣١٩)، المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٥٠)، إكمال المعلم (٣/ ٨٨، ٨٩)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٧)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٤٢)، المجموع (٣/ ٢٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٨)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٤)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٢٠)، المغني (٢/ ١٠٣)، الإنصاف (٢/ ١٩٠)، الفروع (٢/ ٤٠٢).
[ ١٠ / ١٨٣ ]
قال الكاساني: «قال أصحابنا: طول القيام أفضل» (^١).
وجاء في كنز الدقائق: «وطول القيام أحب من كثرة السجود» (^٢).
وقيل: كثرة السجود أفضل، وهو أحد القولين عن محمد بن الحسن، وأحد القولين في مذهب المالكية، واستظهره الدردير في الشرح الكبير، وهو رواية عن أحمد، قال في الإنصاف: والصحيح من المذهب: أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام (^٣).
جاء في مختصر خليل: «وهل الأفضل كثرة السجود، أو طول القيام، قولان» (^٤)، فأطلق الخلاف، قال الدردير في شرحه: «ولعل الأظهر الأول» (^٥).
وقال أبو يوسف من الحنفية: إذا كان له ورد من الليل بقراءة من القرآن
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ٢٥٩).
(٢) كنز الدقائق (ص: ١٧٧).
(٣) نقله صاحب المجتبى عن محمد بن الحسن، انظر: البحرالرائق (٢/ ٥٩)، مراقي الفلاح (ص: ١٤٨)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٢)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٧٣). وانظر في مذهب المالكية: منح الجليل (١/ ٣٥٠)، شرح الخرشي (٢/ ١٦)، التاج والإكليل (٢/ ٣٩٥)، البيان والتحصيل (١/ ٣٧٩). وانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (٢/ ١٩٠)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٩٠)، المغني (٢/ ١٠٣)، المحرر (١/ ٨٦)، الفروع (٢/ ٤٠٢).
(٤) مختصر خليل (ص: ٣٩).
(٥) الشرح الكبير (١/ ٣١٩).
[ ١٠ / ١٨٤ ]
فالأفضل أن يكثر عدد الركعات، وإلا فطول القيام أفضل (^١).
وقيل: كثرة الركوع والسجود أفضل في النهار، وطول القيام أفضل في الليل، اختاره بعض المالكية، وبعض الحنابلة، وبه قال إسحاق بن راهويه واستثنى رجلًا له جزء يحييه بالليل يأتي عليه بالليل، فكثرة الركوع والسجود أحب إِلَيَّ؛ لأنه يأتي على جزئه، وقد ربح الركوع والسجود (^٢).
وقيل: هما سواء، وبه قال أشهب من المالكية، وهو رواية عن أحمد (^٣).
وتوقف الإمام أحمد في رواية، فقد سئل، فقال: فيه حديثان، ولم يَقْضِ فيه بشيء، يشير إلى حديث جابر، وحديث كعب، وسيأتي الاستدلال بهما (^٤).
والتوقف ليس من أحكام الشرع، فالمتوقف هو ملتبس عليه الأمر، فلم يحرر في المسألة قولًا، وله أسباب كثيرة، وفي هذه المسألة قد يكون التوقف لتعارض الأدلة.
وقيل: يتبع المصلي ما كان أنفع لقلبه، وهو يختلف من شخص لآخر، اختاره بعض شيوخ المالكية (^٥).
هذه مجمل الأقوال في المسألة:
• دليل من قال: طول القيام أفضل:
الدليل الأول:
(ح-١٧٩٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ٥٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٥٩).
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣١٩)، التاج والإكليل (٢/ ٣٩٥)، نقله ابن مفلح في الفروع (٢/ ٤٠٢)، والمرداوي في الإنصاف (٢/ ١٩٠)، عن الشيخ عبد القادر في الغنية وابن الجوزي في المذهب ومسبوك الذهب (٢/ ٤٠٢)، وانظر: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٦٦١).
(٣) النوادر والزيادات (١/ ٥٢٦)، المحرر في فقه الإمام أحمد (١/ ٨٦)، الفروع (١/ ٨٦)، الإنصاف (٢/ ١٩٠).
(٤) انظر: مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٦٥٩، ٦٦٠)، كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ٧٦).
(٥) شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٣).
[ ١٠ / ١٨٥ ]
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: أفضل الصلاة طول القنوت (^١).
ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (^٢).
وجه الاستدلال:
قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (^٣).
فهو نص في محل النزاع، حيث دل أفعل التفضيل على تفضيل القيام على غيره من أركان الصلاة.
• ونوقش:
بأن القيام هو أحد الأقوال في تفسير القنوت، ولم يتفق العلماء على هذا التفسير، وأصل القنوت دوام الطاعة، قال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]. فتناول القنوت حال السجود كما تناول حال القيام.
فيكون حديث جابر بمعنى حديث عائشة: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (^٤).
قال تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]: أي مطيعون، سواء، أكانت طاعة اختيار كالطاعة الشرعية أم كانت طاعة كونية قدرية، بمعنى الخضوع لحكمه وقهره.
وقال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لا يصح أن يفسر القنوت بالقيام؛ لأن التقدير سيكون، وقوموا لله قائمين.
وقد قيل في تفسيرها: قوموا لله في صلاتكم مطيعين له فيما أمركم به فيها، ونهاكم عنه، وممن قال ذلك مجاهد والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء ومقاتل (^٥).
ونظيرها، قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، يعني من المطيعين (^٦).
قال تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، أي الطائعين والطائعات.
_________________
(١) صحيح مسلم (١٦٤ - ٧٥٦).
(٢) صحيح مسلم (١٦٥ - ٧٥٦).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٦).
(٤) البخاري (٦٤٦٥)، وصحيح مسلم (٢١٨ - ٧٨٣).
(٥) تفسير الطبري تحقيق شاكر (٥/ ٢٢٨)، تفسير مجاهد (ص: ٢٣٩)، تفسر مقاتل.
(٦) تفسير مقاتل (١/ ٢٠١).
[ ١٠ / ١٨٦ ]
وقيل: القنوت: السكوت، لحديث زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت (^١).
• ورد هذا:
(ح-١٧٩٥) بأن أبا داود روى في سننه، فقال: حدثنا ابن حنبل يعني أحمد، حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير،
عن عبد الله بن حبشي الخثعمي، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام (^٢).
[المحفوظ مرسلًا، بلفظ (طول القنوت)] (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٤٥٣٤)، وصحيح مسلم (٣٥ - ٥٣٩).
(٢) سنن أبي داود (١٣٢٥).
(٣) رواه جماعة عن حجاج بلفظ: (طول القنوت) وهو في المسند بلفظ: (طول القنوت) فلعل من رواه بلفظ: (طول القيام) رواه بالمعنى بحسب تفسيره للقنوت، والحديث فيه أكثر من علة: العلة الأولى: تفرد بوصله علي بن عبد الله البارقي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله ابن حبشي الخثعمي، ولا يحتمل تفرده، كما أنه تفرد بلفظ: (طول القيام). وهو صدوق له أوهام، والحديث في مسند أحمد (٣/ ٤١١)، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٠٨٥)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٢١٠)، بلفظ: (طول القنوت). وقد رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤) من طريق الإمام أحمد، وفيه: (طول القيام). ورواه عبد الوهاب الوراق بن الحكم الرقي كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٥٢٦)، وفي الكبرى (٢٣١٧). وأحمد بن عبيد الله بن إدريس أبو بكر النرسي كما في فوائد مكرم البزاز (١١١). وأحمد بن إبراهيم الدورقي في إحدى روايتيه، في قيام الليل لمحمد بن نصر كما في المختصر (ص: ١٢٩). وإسحاق بن منصور (الكوسج) كما في معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٦٥)، وعبد الله بن الحكم (هو القطواني) كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤٠٨٥)، خمستهم رووه عن حجاج بن محمد به بلفظ: (طول القنوت). وقد رواه زهير بن حرب مختصرًا ليس فيه جملة البحث، كما في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥). =
[ ١٠ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه جماعة عن حجاج بلفظ: (طول القيام)، إليك بعضهم: الأول: أحمد بن عبد الله بن أبي السفر، كما في سنن الدارمي (١٤٦٤)، الثاني: علي بن ميمون أبو الحسن العطار كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٥٢٠)، واختصره مقطعًا في كتاب الجهاد (٢٦، ٤٠، ٢٣٤). الثالث: أحمد بن إبراهيم الدورقي في إحدى روايتيه كما في تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر (٣٠٧)، الرابع: علي بن معبد كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٩٩). الخامس: أحمد بن الوليد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٤)، و(٤/ ٣٠٢)، و(٩/ ٢٧٦)، السادس: إسحاق بن أبي إسحاق أبو يعقوب الصفار كما في معجم ابن الأعرابي (١١٨٨). السابع: هارون بن عبد الله كما في معجم الصحابة للبغوي (١٦٩٦)، واختصره النسائي في المجتبى وليس فيه جملة البحث (٤٩٨٦). الثامن: زياد بن أيوب مقرونًا بهارون بن عبد الله كما في معجم الصحابة للبغوي (١٦٩٦)، وغيرهم، كل هؤلاء رووه بلفظ (طول القيام). العلة الثانية: أن البارقي قد خالفه من هو أوثق منه، فرواه مرسلًا فقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٤٨٤٤) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عبيد بن عمير يحدث، قال: قيل: أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده، وأهريق دمه، قيل: فأي الصلوات أفضل؟ قال: طول القنوت وذكر الحديث مرسلًا. وعمرو بن دينار مقدم على البارقي، وقد رواه عنه ابن عيينة، وهو من أثبت أصحابه، ورواه بلفظ (طول القنوت). ورواه صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه عبيد بن عمير مرسلًا. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٦٤٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٦٢٠). قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: وهذا الأقوى. وهذه متابعة لرواية عمرو بن دينار على إرساله، إلا أ ن عبد الله لم يسمعه من أبيه، وقف على ذلك عمران بن حدير. فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٤٣)، عن عمران بن حدير، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه -ولم يسمعه من أبيه- عن النبي ﷺ بنحوه. وهذا فيه علتان: الإرسال والانقطاع. قال أبو حاتم كما في العلل (١٩٤١): « قد صح الحديث عن عبيد بن عمير عن النبي ﷺ مرسلًا، واختلفوا فيمن فوق عبيد بن عمير، وقصر قوم مثل جرير بن حازم وغيره، فقالوا: عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن النبي ﷺ، لا يقولون: عبيد، وحديث عمران بن حدير أشبه؛ =
[ ١٠ / ١٨٨ ]
الدليل الثاني:
ولأن طول القيام هو فعل النبي ﷺ، حيث كان يقوم من الليل حتى تتورم
_________________
(١) = لأنه بين عورته». العلة الثالثة: الاختلاف في إسناده، فرواه البارقي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي، الخثعمي. ورواه عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، عن النبي ﷺ مرسلًا. ورواه الزهري، وبديل بن ميسرة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه عبيد بن عمير مرسلًا. وكل هذه قد تقدم تخريجها. ورواه جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد، عن النبي ﷺ. ليس فيه عبيد بن عمير، علقه ابن أبي حاتم في العلل (١٩٤١)، وقال: قصر قوم مثل جرير بن حازم وغيره، فقالوا: عن عبد الله ابن عبيد بن عمير، عن النبي ﷺ، لا يقولون: عبيد. ورواه سويد أبو حاتم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن قتادة الليثي. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٤٥، ٨٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٩٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨١٢٣)، وفي الكبير (١٧/ ٤٨) ح ١٠٣، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٥٧)، وابن بشران في الأمالي (٦٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٢٦٢)، وأبو يعلى في المعجم (١٢٩)، وعنه ابن زيدان في مسنده (٤٠)، وابن بشران في الفوائد (٧٥١)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٢٩)، وقال: (طول القنوت). وسويد هو ابن إبراهيم الجحدري أبو حاتم الحناط، ضعفه النسائي ويحيى بن معين، وقال يحيى في رواية: أرجو ألا يكون به بأس. وقال الدارقطني كما في سؤالات البرقاني: لين يعتبر به. وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين. قال الحافظ: صدوق سَيِّئُ الحفظ، له أغلاط. وتابع سويدًا أبو بدر الحلبي، رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٤٩)، ومن طريقه أبو موسى المديني في اللطائف (٥٦٥)، والحاكم في المستدرك (٦٦٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٥٧)، من طريق بكر بن خنيس، عن أبي بدر، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده. قال الحاكم: أبو بدر الراوي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، اسمه بشار بن الحكم، شيخ من البصرة، وقد روى عن ثابت البناني غير حديث. اه وضعف الحديث الذهبي. وضعفه الهيثمي بسبب بكر بن خنيس.
[ ١٠ / ١٨٩ ]
قدماه، ولا يزيد على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة (^١).
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: «في الأخبار المروية في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل دليل على اختياره طول القيام، وتطويل الركوع والسجود، لا على كثرة الركوع والسجود، وذلك أن أكثر ما صح عن النبي ﷺ أنه صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة بالوتر، وقد صلى إحدى عشرة ركعة، وتسع ركعات وسبعًا فطول فيها القراءة والركوع والسجود جميعًا، فذلك دليل على تفضيل التطويل على كثرة الركوع والسجود» (^٢).
الدليل الثالث:
ولأن قراءة القرآن تكثر بطول القيام، وله بكل حرف عشر حسنات، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح، ولأن القيام ركن، والقراءة ركن، فيجتمع في طول القيام ركنان، وفي الركوع والسجود ركن وسنة.
الدليل الرابع:
أن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما.
• ونوقش:
بأن هذا التفضيل راجع إلى الأذكار، فالسجود في نفسه أفضل من القيام وإن كان ذكر القيام أفضل.
• دليل من قال: كثرة السجود أفضل من طول القيام:
الدليل الأول:
(ح-١٧٩٦) ما رواه مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،
حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال:
_________________
(١) صحيح البخاري (١١٤٧)، وصحيح مسلم (١٢٥ - ٧٣٨).
(٢) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٢٢).
[ ١٠ / ١٩٠ ]
أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (^١).
وجه الاستدلال:
بأن هذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي ﷺ إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.
• ويناقش:
بأن كثرة السجود كناية عن كثرة الصلاة ولا يلزم منه تقصير القيام، جمعًا بينه وبين ما اختاره النبي ﷺ لنفسه حيث كان يطيل القيام، ولا يتجاوز إحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة ﵂، وجمعًا بينه وبين حديث جابر ﵁، أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٩٧) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (^٢).
• ويناقش:
ترتب هذا الثواب على السجود لا يلزم منه أن يكون أفضل من القيام، فإن هذا الثواب قد ترتب على من خرج إلى المسجد متطهرًا لا يخرجه إلا الصلاة، علمًا أن المشي إلى الصلاة من الوسائل وليس مقصودًا لذاته:
ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال رسول الله ﷺ: إذا توضأ، فأحسن
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٢٦ - ٤٨٩).
(٢) صحيح مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨).
[ ١٠ / ١٩١ ]
الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (^١).
وفي رواية للبخاري: لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (^٢).
ولا شك أن أجر القيام في الصلاة أعظم من أجر المشي إليها.
الدليل الثالث:
(ح-١٧٩٨) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (^٣).
• ونوقش:
بأن هذا الفضل للسجود من حيث سماع الدعاء، ولهذا قال: فأكثروا من الدعاء، فالقيام خص بالقرآن، والركوع خص بكثرة التعظيم للرب، والسجود خص بكثرة الدعاء لحظ العبد، وليس تخصيصه بالدعاء بأشرف من تخصيص القيام بقراءة القرآن، ومناجاة الرب بكلامه.
الدليل الرابع:
أن السجود لا يقع إلا عبادة، فلا يباح بحال إلا لله، ويجب في الفرض والنفل، والقيام منه ما هو عبادة، ومنه ما ليس كذلك، فيباح في غير الصلاة للوالدين وللعالم، ويسقط في النفل مع القدرة عليه، فما تمحض للعبادة كان أشرف.
• ونوقش:
كون السجود لا يقع إلا عبادة، لا يعني تفضيله على عبادة القيام، فالتسبيح
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٤٧)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٦٤٩).
(٢) البخاري (٤٧٧) ..
(٣) صحيح مسلم (٢١٥ - ٤٨٢).
[ ١٠ / ١٩٢ ]
والتهليل وسائر الأذكار لا يقع إلا عبادة، ولا يعني تفضيلها على القيام في الصلاة.
• دليل من قال: تفضيل طول القيام بالليل وكثرة السجود بالنهار.
الدليل الأول:
أن صلاة الليل قد خصت باسم القيام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢].
(ح-١٧٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن زياد هو ابن علاقة،
أنه سمع المغيرة، يقول: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا (^٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٠١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره،
أنه سأل عائشة ﵂، كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٧)، وصحيح مسلم (١٧٣ - ٧٥٩).
(٢) صحيح البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٨٠ - ٢٨١٩).
(٣) صحيح البخاري (١١٤٧)، وصحيح مسلم (١٢٥ - ٧٣٨).
[ ١٠ / ١٩٣ ]
فذكرت عائشة محافظة النبي ﷺ على العدد، وكان القيام يتفاوت، فربما قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة كما في حديث حذيفة في مسلم (^١).
وربما قرن بين النظائر من المفصل، عشرين سورة، سورتين في كل ركعة كما في حديث ابن مسعود ﵁ (^٢).
مما يدل على أن النبي ﷺ كان يتطلب طول القيام في صلاة الليل، تبعًا لنشاطه، وحافظ على العدد، فلم يتطلب كثرة السجود، وأما في النهار فكان يخفف السنن.
• دليل من قال: القيام أفضل إلا لمن كان له ورد من الليل:
قالوا: لأن القيام في صلاته لا يختلف إذا قدره في ورد معين، ويربح كثرة الركوع والسجود.
• دليل من قال: هما سواء:
في كل منهما فضيلة تخصه، فالقيام أفضل بذكره، والسجود أفضل بهيئته، فاستويا في الفضيلة.
• دليل من قال: يتبع المصلي ما هو أنفع لقلبه:
كُلٌّ من طول القيام وكثرة السجود عمل حسن، فإذا كان المصلي يرى في طول القيام أنه أنفع لقلبه، وذلك بتلذذه بترتيل القرآن، وتدبره، والوقوف عند آية الرحمة، ليسأل، وعند آية العذاب ليستعيذ، فطول القيام في حقه أفضل، وإذا كان ما معه من القرآن قليلًا، ويتلذذ بإظهار التذلل والافتقار، وكثرة الإلحاح بالدعاء فالسجود في حقه أفضل، والله أعلم.
• الراجح:
القيام أفضل من السجود من حيث الذكر، والسجود أفضل من القيام بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة، وأما من حيث ما يفعله المتنفل ويختاره لنفسه،
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).
(٢) صحيح البخاري (٧٧٥)، وصحيح مسلم (٨٢٢).
[ ١٠ / ١٩٤ ]
فأرى أن يتبع ما هو أنفع لقلبه، وأنشط على العبادة؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن كانت السنة جارية بأنه إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، والله أعلم.
[ ١٠ / ١٩٥ ]