المدخل إلى المسألة:
• الرفع من الركوع مقصود لغيره.
• كونه مقصودًا لغيره لا ينافي ركنيته.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته.
• القول بأن الرفع يأخذ حكم الاعتدال؛ لأنه وسيلة إليه، يجعل الرفع ملحقًا بالأركان كالاعتدال.
• جاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته.
• حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خُرِّجَ مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة.
• لا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي في حكم من لم يُصَلِّ؛ لقوله ﷺ: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ.
[م-٦٣٤] علمنا في مسألة سابقة حكم الركوع والسجود والاعتدال قائمًا من الركوع، والاعتدال جالسًا من السجود، ونريد أن نقف في هذا البحث على حكم الرفع من الركوع وحكم الرفع من السجود، هل يعطى حكم الركوع والاعتدال، أو هو حركة للانتقال ليس مقصودًا لذاته؟
[ ١٠ / ٤١ ]
[م-٦٣٥] في هذه المسألة اختلف الفقهاء إلى أقوال بل حتى أصحاب المذهب الواحد تجد عندهم اختلافًا في حكمه، وإليك تفصيلها بحسب كل مذهب.
القول الأول: مذهب الحنفية. وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الرفع من الركوع سنة، نص عليه من أصحاب المتون صاحب كنز الدقائق، فلو انحط من ركوعه ساجدًا صحت صلاته.
وأما الرفع من السجود فلا بد منه؛ لأنه لا يتصور أن يقوم بسجدتين دون أن يرفع من الأولى، والواجب من الرفع قيل: أن يكون إلى الجلوس أقرب منه إلى السجود، وقيل: يكفي القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، وعلى كلا القولين، لا يجب الاعتدال، لا من الركوع، ولا من السجود في الأصح عند الحنفية.
فإن تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع لم يجب الرفع على أحد القولين (^١).
قال القدوري في التجريد: «فإن سجد على وسادة، ثم أزيلت، فَانْحَطَّ إلى الأرض جاز ذلك عن السجدة الثانية من غير رفع» (^٢).
وقال الزيلعي: «وتكبير السجود والرفع منه … لأن التكبير عند الرفع منه سنة، وكذا الرفع نفسه فالمقصود الانتقال، وقد يتحقق بدونه، بأن يسجد على الوسادة، ثم تنزع ويسجد على الأرض ثانيًا، ولكن لا يتصور هذا إلا عند من لا يشترط الرفع حتى يكون أقرب إلى الجلوس» (^٣).
وقال أبو البركات في كنز الدقائق: وسننها -أي الصلاة- رفع اليدين للتحريمة … وتكبير الركوع والرفع منه …» (^٤).
قال في مراقي الفلاح: «ويسن الرفع من الركوع على الصحيح» (^٥).
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧١)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٥)، مراقي الفلاح (ص: ٩٩).
(٢) التجريد للقدوري (٢/ ٥٣٣).
(٣) تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، وانظر: البحر الرائق (١/ ٣٢١).
(٤) كنز الدقائق (ص: ١٦٠).
(٥) مراقي الفلاح (ص: ٩٩).
[ ١٠ / ٤٢ ]
• حجة هذا القول:
أن الرفع من الركوع ومن السجدة الأولى الغرض منه تحصيل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين، والراجح في المذهب أن الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين سنة (^١)، فكذلك الانتقال إليهما، لأن الرفع وسيلة، وليس مقصودًا بذاته، والوسائل لها حكم الغايات، وإنما يكون الرفع ركنًا إذا كان الانتقال إلى ركن، وكذلك يكون واجبًا إذا كان الانتقال إلى واجب.
• ونوقش هذا:
هذا الكلام يصح لو كان الاعتدال سنة، فيكون للوسيلة حكم الغاية، إلا أننا لا نسلم أن الاعتدال من الركوع ومن السجود سنة، لقيام أدلة نقلية في غاية الصحة، تبين أنهما من أركان الصلاة، وإذا كانا من أركان الصلاة كان الانتقال يأخذ حكم الانتقال من ركن إلى ركن، فهو جزء من الأركان لأنه وسيلة إليه، ولا يحصل إلا به.
الثاني من الأقوال في مذهب الحنفية:
أن الرفع من الركوع واجب، وإذا تركه سهوًا جبره بسجود السهو، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، ورجحه ابن الهمام وابن نجيم (^٢).
جاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى القاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو» (^٣).
فَتَرَتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون (^٤).
_________________
(١) جاء في الهداية (١/ ٥١): «ثم القومة والجلسة سنة عندهما». وانظر: تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠١)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧٥)، النهر الفائق (١/ ٢٠٢).
(٢) البحر الرائق (١/ ٣١٧، ٣٢٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٣٣)، مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).
(٣) البحر الرائق (١/ ٣١٧).
(٤) انظر: منحة الخالق على البحر الرائق (٢/ ١٠٢).
[ ١٠ / ٤٣ ]
وفي وجوب السهو، أهو لترك الرفع، أم من أجل ترك الاعتدال من الركوع، وهو ما يسميه الحنفية (القومة)؟
وللجواب على ذلك نقول: إن الرفع يأخذ حكم الاعتدال من الركوع والسجود، وقد ذهب المتأخرون من الحنفية كابن الهمام وابن نجيم إلى القول بوجوب القومة والجلسة.
قال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما (أي الطمأنينة فيهما) فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال وَمَنْ بَعْدَهُ من المتأخرين» (^١).
وإذا كان الاعتدال من الركوع والسجود واجبًا، فالرفع واجب تبعًا؛ لأنه وسيلة إليه، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (^٢).
قال ابن نجيم: «ومقتضى الدليل وجوب الطمأنينة في الأربعة (يعني: الركوع والسجود، والاعتدال من الركوع ومن السجود) ووجوب نفس الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته والقول بوجوب الكل هو مختار المحقق ابن الهمام، وتلميذه ابن أمير حاج، حتى قال: إنه الصواب، والله الموفق للصواب» (^٣).
إذا عرفنا كيف تخرج القول بوجوب الرفع من الركوع ومن السجود، نأتي إلى دليل القائلين بالوجوب من الحنفية.
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).
(٢) الانتقال عند الحنفية يقسمونه إلى قسمين: انتقال من ركن إلى ركن، كالانتقال من الركوع إلى السجود، فهذا فرض. يقول الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢١٠): «وإذا اطمأن قائمًا ينحط للسجود؛ لأنه فرع من الركوع، وأتى به على وجه التمام، فيلزمه الانتقال إلى ركن آخر، وهو السجود؛ إذ الانتقال من ركن إلى ركن فرض؛ لأنه وسيلة إلى الركن». اه وقال الكاساني أيضًا (١/ ٢٠٩): «إذا اطمأن راكعًا رفع رأسه … فيحتاج فيه إلى بيان المفروض والمسنون. أما المفروض: فقد ذكرناه وهو الانتقال من الركوع إلى السجود؛ لما بينا أنه وسيلة إلى الركن، فأما رفع الرأس وعوده إلى القيام، فهو تعديل الانتقال، وإنه ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد، بل هو واجب، أو سنة عندهما». وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٩٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١).
(٣) البحر الرائق (١/ ٣١٧)، وانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).
[ ١٠ / ٤٤ ]
• دليل القول بالوجوب:
الدليل الأول:
أن الركوع والسجود فرض (ركن) لأنه ثبت بدليل قطعي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وأما الاعتدال من الركوع والجلسة من السجود فثبتت بدليلي ظني، وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته، قال ﷺ: (… ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا … ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (^١).
الدليل الظني لا يفيد الركنية، وإنما يفيد الوجوب.
• ورد هذا:
بأنه سبق لي مناقشة الحنفية على هذا التفريق عند الكلام على ركنية الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال منهما، فارجع إليه إن شئت منعًا لتكرار الكلام.
الدليل الثاني:
جاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، وتقدم تخريجه، واقترن ذلك بمواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وعدم الإخلال به، ولو مرة واحدة، مما يدل أن الاعتدال من الركوع والاعتدال من السجود ملحقان بالواجبات، لا بالسنن، وإذا كان الاعتدال واجبًا كان الرفع واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• وأجيب:
بأن الرسول ﷺ قال للمسيء: (ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ) دليل على أن ترك ذلك ليس من باب الواجبات، لأنه يجبرها سجود السهو، ولا من باب السنن، لأن تركها لا يلحق بالعدم، فالحكم بالعدم لا يكون إلا بانعدامها أصلًا، وذلك
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٢٥١)، ورواه مسلم بنفس الإسناد وأحال على لفظ يحيى بن سعيد (٤٦ - ٣٩٧).
[ ١٠ / ٤٥ ]
لا يكون إلا بترك الركن.
الثالث من الأقوال في مذهب الحنفية:
أن الرفع من الركوع والسجود فرض (أي ركن) وروي ذلك عن أبي حنيفة، وحكاه الطحاوي عن الأئمة الثلاثة، وقال أبو يوسف: الركوع والسجود والاعتدال منهما كلها فرائض (أركان) (^١).
قال الزيلعي في تبيين الحقائق: «روي عن أبي حنيفة أن الرفع منه فرض، والصحيح الأول (يعني أنه سنة)؛ لأن المقصود الانتقال، وهو يتحقق بدونه، بأن ينحط من ركوعه» (^٢).
فإن قيل: كيف يكون الرفع والاعتدال من الركوع، والاعتدال من السجود من أركان الصلاة، وهذه لم تثبت إلا بدليل ظني؟ فإن هذا مخالف لأصول المذهب عند الحنفية.
• أجيب:
بأن الحنفية قد اختلفوا في المراد بالركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فذهب أبو حنيفة ومحمد أن معناهما لغوي، وهو معلوم، فلا يحتاج إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الرفع منهما والاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز؛ لأن الظني لا ينسخ القطعي، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.
وعند أبي يوسف معنى الركوع والسجود شرعي، وهو غير معلوم، فيحتاج إلى البيان، وقد جاء حديث المسيء في صلاته فخرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (إنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا للآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤، ٤٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧١)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٠).
(٢) تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).
[ ١٠ / ٤٦ ]
الصلاة؛ لكونها وقعت بيانًا للآية، وإذا كان الاعتدال من الركوع ومن السجود من جملة الفروض (أي الأركان) كان الرفع من الركوع ومن السجود انتقالًا من ركن إلى ركن، فيأخذ الرفع حكم الركن؛ لأنه وسيلة إليه.
يقول الكاساني في بدائع الصنائع: «الانتقال من ركن إلى ركن فرض؛ لأنه وسيلة إلى الركن» (^١).
وعلى هذا اختلفت أحكام الحنفية في الرفع من الركوع ومن السجود تبعًا لاختلافهم في حكم الاعتدال منهما.
فمن قال: الاعتدال منهما سنة، جعل الرفع سنة؛ لكونها انتقالًا من ركن إلى سنة، ومن جعل الاعتدال منهما واجبًا، جعل الرفع واجبًا؛ لكونه انتقالًا من ركن إلى واجب فالانتقال وسيلة، يأخذ حكمه من حكم الموضع الذي ينتقل إليه.
هذه أقوال المسألة في مذهب السادة الحنفية، وأدلتهم على كل قول، مع مناقشتها، والله أعلم.
القول الثاني: مذهب المالكية وفيه قولان:
الأول: يرى أن الرفع من فروض الصلاة (أي من أركانها)، وتبطل بتعمد تركه، وإن تركه سهوًا رجع محدودبًا حتى يصل إلى حالة الركوع، ثم يرفع، ويسجد لسهوه، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ابن القاسم (^٢).
قال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل: «من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد؛ ومن خر من ركعته ساجدًا، فلا يعتد بتلك الركعة … وأحب إليَّ للذي خر من الركعة ساجدًا قبل أن يرفع رأسه، أن يتمادى في صلاته ويعتد بها، ثم يعيد الصلاة» (^٣).
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).
(٢) قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٢٤٦): «والرفع من الركوع واجب … فإن انحط ساجدًا، وهو راكع فلا يجزئه على الظاهر من المذهب …». وانظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٩)، النوادر والزيادات (١/ ١٨٣، ٣٥٦)، التلقين (١/ ٤٢)، البيان والتحصيل (٢/ ٥٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٥)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٥٧)، الخرشي (١/ ٢٧٢)، شرح التلقين (١/ ٦٢٥).
(٣) البيان والتحصيل (٢/ ٥٣، ٥٤).
[ ١٠ / ٤٧ ]
جاء في الجامع لابن يونس: والصواب أن الرفع فرض (^١).
وقال ابن رشد في المقدمات: «أما الرفع من الركوع فالاختلاف فيه في المذهب، روى عيسى عن ابن القاسم أنه لا يعتد بتلك الركعة التي لم يرفع منها رأسه، واستحب أن يتمادى ثم يعيد …» (^٢).
فالرفع من الركوع عند فقهاء المالكية فرض، والاعتدال منه سنة على المشهور من المذهب -وسبق تحرير الخلاف في الطمأنينة- فصار الرفع أوكد عندهم من الاعتدال علمًا أن الرفع وسيلة للاعتدال.
وقد قال المالكية: إذا قرأ آية سجدة، فانحط لها بنية السجود، فلما وصل إلى حد الركوع ذُهِلَ عنها ونوى الركوع:
فقال مالك: يعتد بالركوع، بناء على أن الحركة للركن غير مقصودة، ولا سهو عليه لنقص الحركة، ولا لزيادتها خلافًا لابن القاسم فهو يرى أن الحركة للركن مقصودة تابعة للركن، فإذا قصد بالحركة غير الركن لم يعتد بالركن (^٣).
وهذا إنما يضعف القول بأن الاعتدال سنة، ولا يعود بالضعف على القول بركنية الرفع فهو الأقوى؛ لأنه وسيلة إلى الاعتدال، فيأخذ حكمه، وإذا كنت قد رجحت أن الاعتدال ركن، فالرفع ركن مثله، والله أعلم.
• دليل المالكية على ركنية الرفع من الركوع:
جاء الأمر بالرفع من الركوع في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته معللًا الأمر له بالإعادة بقوله: (ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ)، ولا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي وكأنه لم يفعل، وصلاته في حكم العدم، وقد قال له النبي ﷺ حين طلب التعليم بما أخل به، قال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، وتقدم تخريجه،
_________________
(١) الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٢٠، ٤٢١).
(٢) المقدمات والممهدات (١/ ١٦١).
(٣) شرح الخرشي مع حاشية العدوي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٤٨٦، ٤٨٩).
[ ١٠ / ٤٨ ]
وقد اقترن ذلك بمواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وعدم الإخلال به، ولو مرة واحدة، كل ذلك يدل على ركنية الرفع من الركوع.
القول الثاني في المذهب المالكي:
أن الرفع سنة، فلو خَرَّ من ركعته ساجدًا فإن كان ساهيًا سجد قبل السلام؛ لتركه السنة، وإن كان متعمدًا استغفر الله، ولا إعادة عليه، وهي رواية علي بن زياد عن مالك، وهو في مقابل المشهور (^١).
قال ابن ناجي في شرح الرسالة: «اختلف المذهب في الرفع من الركوع فقيل فرض وهو نقل الأكثر وقيل سنة حكاه ابن رشد» (^٢).
• حجة هذا القول:
الدليل الأول:
أن القرآن ذكر الركوع والسجود ولم يذكر الرفع. قال تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فالذي تضمنه القرآن ما يقع عليه اسم الركوع والسجود، والزائد عليه تطوع.
قال خليل في التوضيح: «ومقابل الأشهر رواية عن مالك يرى أن الرفع سنة، ووجهه: التمسك بظاهر القرآن في الأمر بالركوع والسجود، ولم يذكر الرفع، وهو بعيد» (^٣).
• ويناقش:
بأن حديث المسيء في صلاته قد أمره النبي ﷺ بالرفع من الركوع والسجود، وقد خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة لما تقدم من قوله: (إنك لم تُصَلِّ)، فكان الأمر بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ مجملًا، وحديث المسيء في صلاته مبينًا لما يجب فعله في الصلاة (^٤).
_________________
(١) البيان والتحصيل (٢/ ٥٥)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦١)، النوادر والزيادات (١/ ٣٥٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٠).
(٢) شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٤٤).
(٣) التوضيح شرح جامع الأمهات (١/ ٣٥٧).
(٤) انظر: التبصرة للخمي (١/ ٢٨٥).
[ ١٠ / ٤٩ ]
الدليل الثاني:
أن الرفع وسيلة، والركوع متميز عن السجود فلا حاجة إلى الرفع بخلاف الرفع من السجود فهو للفصل بين السجدتين، فلو ذهب صارت السجدتان واحدة.
• ويناقش:
بأن الوسائل لها أحكام الغايات، فإذا كان الاعتدال ركنًا على الصحيح، فالرفع وسيلة إليه، وكونه وسيلة لا يعني عدم وجوبه، فالوضوء وسيلة لفعل الصلاة، وهو شرط فيها.
القول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة وفيه قولان:
الأول: أن الرفع والاعتدال ركنان، ذكره الحاوي من الشافعية، ونص عليه ابن قدامة، والزركشي في شرح الخرقي، وابن مفلح في الفروع وابن النجار في منتهى الإرادات (^١).
قال الماوردي في الحاوي في بيان فرائض الصلاة: « الخامس: الركوع. السادس: الطمأنينة فيه. السابع: الرفع من الركوع. الثامن: الاعتدال فيه …» (^٢).
وقال ابن قدامة في الكافي: «الرفع والاعتدال الركن السادس والسابع» (^٣).
وقال الزركشي في شرح الخرقي: «أما الرفع من الركوع والاعتدال عنه ففرضان» (^٤).
وقد صرح الشافعية بأن الرفع من الركوع مقصود، ولهذا اشترطوا ألا يقصد بالرفع شيئًا آخر، فلو قصد بالرفع شيئًا آخر غيره حتى إذا بلغ الاعتدال نواه لم يصح عندهم، وليس هذا خاصًّا بالرفع من الركوع، بل يشمل كل حركات الانتقال، سواء أكانت الحركة في الرفع من الركوع، أم في الهُوِيِّ إلى الركوع أم إلى السجود، أم في
_________________
(١) المجموع (٣/ ٥١٢، ٤١٦، ٤٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٢)، المهذب (١/ ١٥٥)، حلية العلماء للشاشي (٢/ ٩٩). فتح العزيز (٣/ ٤١٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٥٣)، البيان للعمراني (٢/ ٢١١). وقد ذكر ابن مفلح في الفروع (٢/ ٢٤٦) أن الرفع ركن خلافًا لأبي حنيفة، وأن الاعتدال ركن وفاقًا للشافعي. وانظر: المبدع (١/ ٤٤٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، المغني (١/ ٣٦٥)، منتهى الإرادات (١/ ٢٣٦).
(٢) الحاوي الكبير (٢/ ١٢٢)، وكذلك فعل في الإقناع له (ص: ٤٢).
(٣) الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، وانظر العمدة في الفقه (ص: ٢٦).
(٤) شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٨).
[ ١٠ / ٥٠ ]
الرفع من السجود، فالحركة للركن مقصودة (^١).
قال النووي: «الرفع إلى الاعتدال من الركوع مقصود، ولهذا قال الأصحاب: يشترط ألا يقصد صرفه عن ذلك» (^٢). أي لا ينوي غيره.
وعلى القول بأن الرفع مقصود فإن ذلك يعني أن غيره لا يقوم مقامه، فهو مقصود ليس لذاته، بل لغيره، للفصل بين الأركان (^٣).
وحتى على القول بأن الرفع غير مقصود، فهو لا ينافي الركنية، فقد صرح الشافعية بأن الاعتدال غير مقصود لنفسه، وفي الوقت نفسه هو ركن عندهم بلا خلاف.
قال النووي في الروضة في الاعتدال عن الركوع: «وهو ركن لكنه غير مقصود لنفسه» (^٤). لعلهم يقصدون أنه مقصود لغيره.
وقال في شرح المهذب: «الاعتدال من الركوع فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به بلا خلاف عندنا» (^٥).
_________________
(١) قال النووي في المجموع (٣/ ٤٠٨): «لو قرأ في قيامه آية سجدة، فهوى ليسجد، ثم بدا له بعد بلوغه حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع، بل يجب أن يعود إلى القيام، ثم يركع، وهذا لا خلاف فيه، ولو سقط من قيامه بعد فراغ القراءة فارتفع من الأرض إلى حد الراكعين لم يجزه بلا خلاف». وفي حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٥٨): «فلو انحنى لتناول شيء، ولم يخطر بباله الركوع، ثم قصده وهو راكع، لم يجزئه، كالرفع منه، كما يأتي. وكذا يقال في السجود، وفي الرفع منه، ونحو ذلك». وقال في الفروع (٢/ ٢٠٦): «ولو انحنى لتناول شيء ولم يخطر بباله الركوع لم يجزئه». وانظر: الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٣).
(٢) المجموع شرح المهذب (٤/ ٧٥). قال في تحفة المحتاج (٢/ ٥٩): «(و) يلزمه أنه (لا يقصد به) أي الهُوِيِّ (غيره) أي الركوع لا أنه يقصده نفسه؛ لأن نية الصلاة منسحبة عليه». فبين أنه يجب عليه ألا ينوي به غير الركوع، لا أنه يجب عليه أن ينوي الركوع، فنية الركوع منسحبة عليه.
(٣) انظر: نهاية المحتاج (٢/ ٢٢٥).
(٤) الروضة (١/ ٢٥١)، وهو بحروفه في أصل الروضة، انظر: فتح العزيز (٣/ ٣٩٩).
(٥) المجموع (٣/ ٤١٦).
[ ١٠ / ٥١ ]
والذي يترتب على القول بأن الاعتدال غير مقصود، اعتباره وهو في الاعتدال كأنه لم يفرغ من الركوع؛ لأن الذي هو فيه تبع له (^١).
الثاني من القولين:
أن الرفع داخل في الاعتدال، وواجب له، اختاره الرافعي، وبعض الحنابلة.
قال في فتح العزيز: «واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الأمرين المذكورين (يقصد الرفع والطمأنينة)، بل له واجب ثالث: أن لا يقصد بالارتفاع شيئًا آخر، حتى لو رأى حية في ركوعه، فاعتدل فزعًا منها لم يعتد به» (^٢).
فأدخل الارتفاع من الركوع من واجبات الاعتدال، واشترط ألا يقصد بالرفع غيره، فأما نية الرفع نفسه فليست بشرط؛ لأن نية الصلاة كافية.
وفي منهاج الطالبين ذكر من الفروض: الركوع والاعتدال، ولم يذكر الرفع (^٣)، فلماذا أهمله؟ هل لأن الرفع داخل في الاعتدال لاستلزامه له، كما يفهم من كلام الرافعي السابق؟
وقد راجعت شراح المنهاج كتحفة المحتاج، ونهاية المحتاج، ومغني المحتاج فلم يذكر أحد منهم النص على ركنية الرفع من الركوع.
ولم يذكر أبو الخطاب الحنبلي في الهداية، ولا ابن قدامة في المقنع، ولا أبو البركات في المحرر، ولا الحجاوي في الزاد، ولا البلباني في أخصر المختصرات لم يذكروا الرفع من الركوع.
قال في الهداية: «وأركانها خمسة عشر: وذكر منها: الركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال عنه» (^٤).
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين (١/ ٣٧٠).
(٢) فتح العزيز (٣/ ٤١٠).
(٣) قال في منهاج الطالبين (ص: ٢٦، ٢٧): «الخامس: الركوع، وأقله أن ينحني السادس: الاعتدال قائمًا مطمئنًّا».
(٤) الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، وانظر: المقنع (ص: ٥٣)، والشرح الكبير على المقنع (١/ ٦٤٠)، المبدع شرح المقنع (١/ ٤٤١)، الممتع شرح المقنع (١/ ٣٩١)، وأخصر المختصرات ط الركائز (ص: ٩١).
[ ١٠ / ٥٢ ]
وقال أبو البركات في المحرر: «والفرض من ذلك: القيام … والركوع، والاعتدال عنه» (^١).
وقد نص في الإقناع على أن الرفع داخل في الاعتدال، قال الحجاوي في الإقناع: «والركوع … والاعتدال بعده، فدخل فيه الرفع» (^٢).
وقال البهوتي في كشاف القناع شارحًا: «(فدخل فيه) أي في الاعتدال عن الركوع (الرفع منه) لاستلزامه له، هكذا فعل أكثر الأصحاب، وفرق في الفروع والمنتهى وغيرهما بينهما، فعدوا كُلًّا منهما ركنًا؛ لتحقق الخلاف في كل منهما» (^٣).
فصار الخلاف عند الحنابلة كالخلاف عند الشافعية، منهم من يرى أن الرفع ركن مستقل بنفسه، ومنهم من يرى أن الرفع داخل في الاعتدال، وكونه داخلًا في الاعتدال فإنه يأخذ حكمه، وهو الركنية.
• الدليل على ركنية الرفع من الركوع:
سبق لنا الاستدلال على ركنية الرفع عند الاستدلال للقول الثالث في مذهب الحنفية، وما يرد عليه من نقاش، فأغنى ذلك عن إعادته.
فصارت الأقوال في الرفع من الركوع ثلاثة: قيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن، وهو أرجحها.
_________________
(١) المحرر (١/ ٦٨).
(٢) الإقناع (١/ ١٣٣).
(٣) كشاف القناع (١/ ٣٨٧).
[ ١٠ / ٥٣ ]