المدخل إلى المسألة:
• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.
• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.
• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول ﷺ: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
[م-٦٨٨] اختلف الفقهاء في حكم الاعتدال من السجود،
فقيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد (^١).
_________________
(١) قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٦٤): «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور في المذهب السنية، وروي وجوبهما». اه وقوله: (وتعديلهما) أي تسكين الجوارح فيهما، حتى تطمئن مفاصله. انظر التعريفات الفقهية لمحمد عميم (ص: ٥٨). وانظر: المبسوط (١/ ١٨٩)، فتح القدير (١/ ٣٠١، ٣٠٢)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥١)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧). قال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل (٢/ ٥٣، ٥٤): من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد قال محمد بن رشد: قوله … يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائمًا في الرفع من الركوع، وجالسًا في الرفع من السجود ساهيًا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوط، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة. اه وحكى عياض كما في التاج والإكليل (٢/ ٢٢١): قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان في الاعتدال، أحدهما: أنه من السنن. وانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٤)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ٢٢٣)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين، وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف» (^١).
وقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها …» (^٢).
وقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).
(٢) البيان والتحصيل (١/ ٣٥٤).
(٣) المبسوط (١/ ١٨٩)، قال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٩٣): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة … والاعتدال والطمأنينة على الأصح …». وقال خليل في التوضيح (١/ ٣٢٧): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه». وقال في أسهل المدارك (١/ ٢٠٥): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام». وقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٤١): «فإن تركه -يعني الاعتدال- ولو سهوًا بطلت على الأصح». وانظر: التفريع لابن الجلاب (١/ ٧٢)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٤)، الشامل في فقه مالك (١/ ١٠٢)، كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨١)، منح الجليل (١/ ٢٥١). الأم للشافعي (١/ ١٢٤، ١٣٥)، الوسيط (٢/ ٨٦)، فتح العزيز (٣/ ٢٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٩١٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٧)، المغني (٢/ ٣)، المحرر (١/ ٦٨)، شرح الزركشي (٢/ ٣)، المبدع (١/ ٤٤١)، الإقناع (١/ ١٣٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧).
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض … ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال» (^١).
وقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض» (^٢).
وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا (^٣).
وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو (^٤).
قال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب» (^٥).
وقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب
_________________
(١) التاج والإكليل (٢/ ٢٢٠)، وانظر: التمهيد (١٩/ ٧)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٧).
(٢) المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).
(٣) قال في التلقين (١/ ٤٣): «والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه، والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب، وكذلك في الجلسة بين السجدتين». وانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، شرح التلقين (١/ ٥٢٦).
(٤) البحر الرائق (١/ ٣١٧)، مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، فتح القدير (١/ ٣٠٢).
(٥) فتح القدير (١/ ٣٠٢).
[ ١٠ / ٣٩١ ]
السنية، وروي وجوبهما، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) ومن بَعْدَهُ من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب» (^١).
فتبين من عرض الأقوال أنها ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب.
وقد سبق لي أن ذكرت مسألة الاعتدال من السجود مع مسألة الاعتدال من الركوع، لأن أدلتهما والخلاف فيهما واحد، فارجع إليها إن شئت، إنما اقتضى عند المرور على موضعها من البحث التذكير بها مخافة أن يظن من يراجع هذا الموضع فقط من الكتاب أن الكتاب قد غفل عنها، والله الموفق.
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).
[ ١٠ / ٣٩٢ ]