المدخل إلى المسألة:
• تسمية جلسة الاستراحة تسمية اصطلاحية فقهية، وليست تسمية شرعية.
• الصحيح في جلسة الاستراحة على القول بمشروعيتها أنها صفة في النهوض إلى القيام، وليست جلسة، كما أن تقديم الركبتين في الجلوس في أحد القولين صفة في الهوي.
• تسميتها جلسة أثار اعتراض بعض الفقهاء بأنها جلسة خالية من الذكر والتكبير على خلاف سائر جلسات الصلاة.
• لم يصح في جلسة الاستراحة إلا حديث مالك بن الحويرث، قال أحمد: ليس لهذا الحديث ثانٍ.
• قد يترك العالم القول بالحديث مع صحته لمعارض يراه أقوى عنده، كتردد الفعل بين التعبد وداعي الحاجة.
تعريف جلسة الاستراحة:
إذا قام المصلي إلى القيام، وكان في وتر من صلاته استوى قاعدًا قبل أن ينهض، ثم قام.
وهي جلسة خفيفة، لا ذكر فيها، وتسميتها بجلسة الاستراحة تسمية اصطلاحية، وليست شرعية، حيث لا أعلم نصًّا صحيحًا في تسميتها.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
وموضعها في كل ركعة يقوم منها، لا يعقبها تشهد كالركعة الأولى والثالثة من الفريضة.
[م-٦٩٤] وقد اختلف العلماء في مشروعيتها:
فقيل: لا تشرع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمعتمد في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (^١).
جاء في البحر الرائق: «جلسة الاستراحة مكروهة عندنا» (^٢).
وقيل: تستحب مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها الخلال، وقال: إن أحمد رجع عن الأول، وبه قال ابن حزم (^٣).
وقيل: تشرع عند الحاجة لمرض أو كبر، وهو قول للشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).
_________________
(١) كره الحنفية جلسة الاستراحة كراهة تنزيه، انظر: البحر الرائق (١/ ٣٤٠)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣)، الأصل للشيباني (١/ ٧)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٧)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٦)، تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٤٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٣)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٨)، كفاية الطالب مع حاشية العدوي (١/ ٢٧٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، الثمر الداني (ص: ١١٥)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٨)، لوامع الدرر (٢/ ١٠٥)، القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، جامع الأمهات (ص: ٩٨)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٠)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٦)، المغني (١/ ٣٨٠)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٧٤)، الإنصاف (٢/ ٧١)، الإقناع (١/ ١٢٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٢٠).
(٢) البحر الرائق (١/ ٣٤٠).
(٣) المهذب للشيرازي (١/ ١٥٦)، نهاية المطلب (٢/ ١٧٠)، فتح العزيز (٣/ ٤٨٧)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٨). وروي عن أحمد: أنه يجلس جلسة الاستراحة، اختاره الخلال، وقال: إن أحمد رجع عن الأول، انظر: الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، المغني (١/ ٣٨٠)، الإنصاف (١/ ٧٢).
(٤) المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٠).
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
• دليل من قال باستحباب جلسة الاستراحة:
الدليل الأول:
(ح-١٩٢٤) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال:
أخبرنا مالك بن الحويرث الليثي، أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا (^١).
الدليل الثاني:
(ح-١٩٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،
عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي ﷺ أحدهم أبو قتادة بن رِبْعِيٍّ، يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ قالوا له: ما كنت أقدمنا صحبة، ولا أكثرنا له تَبَاعَةً، قال: بلى. قالوا: فَاعْرِضْ. قال: كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر … وذكر حديثًا طويلًا في صفة صلاة النبي وفيه: ثم هوى ساجدًا، وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله، وقعد عليها، حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك … (^٢).
[الحديث صحيح في الجملة وزيادة جلسة الاستراحة شاذة من حديث عبد الحميد بن جعفر] (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٢٣).
(٢) المسند (٥/ ٤٢٤).
(٣) روى الحديث عن أبي حميد الساعدي كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل، أما رواية محمد بن عطاء، فرواها عنه اثنان: أحدهما: محمد بن عمرو بن حلحلة، وليس فيها ذكر جلسة الاستراحة. والثاني: عبد الحميد بن جعفر، وقد زاد فيه (جلسة الاستراحة)، وعبد الحميد بن جعفر أحسن أحواله أن يكون صدوقًا يخطئ، أتكون زيادته من زيادة الثقة، أم تكون زيادته شاذة، لعلتين: التفرد، والمخالفة؟. أما التفرد؛ فلأنه لم يتابعه أحد على ذكر هذا الحرف من حديث أبي حميد. وأما المخالفة فقد شاركه بالرواية عن شيخه محمد بن عمرو بن حلحلة، وهو أوثق منه، وروى الحديث بتمامه، ولم يذكر هذا الحرف، وأخرج البخاري رواية محمد بن عمرو بن حلحلة، ولم يخرج رواية عبد الحميد بن جعفر؛ لأن عبد الحميد ليس على شرطه، وترك تخريجه الإمام مسلم مع كونه على شرطه، وقد روى مسلم لعبد الحميد بن جعفر ما يقارب عشرين حديثًا، بعضها في الشواهد والمتابعات، وترك تخريج هذا الحديث. وأما رواية عباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي، فرواها عنه اثنان أيضًا: فليح بن سليمان صدوق، كثير الخطأ، ومحمد بن إسحاق، ولم يذكرا عن عباس بن سهل في روايتهما جلسة الاستراحة. وليس عبد الحميد بن جعفر ممن تحتمل له المخالفة والتفرد، ولعل من صحح الحديث من الأئمة أراد بذلك في الجملة أي فيما توبع عليه عبد الحميد بن جعفر دون ما تفرد به مخالفًا لغيره، والله أعلم، فليس النزاع في صحة حديث أبي حميد الساعدي، وقد رواه البخاري في صحيحه، وإنما الاجتهاد في النظر فيما زاده عبد الحميد دون غيره، مخالفًا لرواية صحيح البخاري، ومخالفًا لكل من رواه، فالبحث في الحديث لا يُطوَّع للفقه، وإنما الفقه تابع وثمرة للبحث الحديثي، وقد سبق تخريج الحديث في أكثر من مناسبة، انظر ح (١١٨٥، ١٦٣١). وقد قال الإمام أحمد بن حنبل كما في فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٢) في حديث مالك بن الحويرث .. «وهو صحيح، إسناده صحيح، وقال أيضًا: ليس لهذا الحديث ثانٍ». وهذه العبارة تشعرك بأمرين: أولًا: أن حديث مالك بن الحويرث حديث غريب، وتضعيف كل ما روي في جلسة الاستراحة من غير حديث مالك بن الحويرث، والإمام أحمد من أهل الاستقراء، فإذا نفى وجود حديث آخر في جلسة الاستراحة فهو ذهاب منه إلى تضعيف كل ما ورد فيها عدا حديث مالك بن الحويرث، والله أعلم.
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
الدليل الثالث:
(ح-١٩٢٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الله ابن نمير، حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: وعليك السلام، ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، فارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ. فقال في الثانية، أو في التي
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء … وذكر الحديث، وفيه: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.
قال البخاري: «وقال أبو أسامة، في الأخير: حتى تستوي قائمًا» (^١).
[ذِكْرُ جلسة الاستراحة في حديث المسيء في صلاته ليس بمحفوظ، وقد أشار إلى تعليلها البخاري] (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٢٥١).
(٢) رواه ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. واختلف على ابن نمير فيه: فرواه إسحاق بن منصور كما في صحيح البخاري (٦٢٥١) عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر به، وذكر سجدتين، وجلسة الاستراحة، كما في حديث الباب. وأشار البخاري إلى تعليلها بمخالفة أبي أسامة حماد بن أسامة، عن ابن نمير به، فإنه وإن حفظ فيه ذكر سجدتين، إلا أنه نفى جلسة الاستراحة، وهو المحفوظ. وهي في صحيح البخاري بتمامها (٦٦٦٧) وفيه: ( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). فذكر السجدتين، ونفى جلسة الاستراحة بقوله: (حتى تستوي قائمًا)، ورواه مسلم من هذا الوجه في صحيحه إلا أنه اختصرها (٤٦ - ٣٩٧). ورواه ابن أبي شيبة كما في سنن ابن ماجه (١٠٦٠) عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر به، فذكر سجدة واحدة، ولم يذكر جلسة الاستراحة، قال فيه: ( ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا ثم ارفع رأسك حتى تستوي قاعدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). والحديث في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٥٩) بمثله إلا أنه قال: (… ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، أو قال: قاعدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). بالشك، والأقرب لفظ ابن ماجه لأنه ذكر سجدة واحدة. وكذا رواه الحسن بن علي الحلواني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٤)، والسنن الصغرى له (١/ ١٣٨) أخبرنا عبيد الله بن نمير به، بذكر سجدة واحدة، ولم يذكر الاستراحة. هذا الاختلاف على ابن نمير. وقد رواه عن عبيد الله بن عمر عدا ابن نمير وأبي أسامة جماعة مختصرًا ومطولًا، ولم يذكروا جلسة الاستراحة، منهم: عيسى بن يونس، والحسن بن عيسى كما في صحيح ابن خزيمة (٤٥٤)، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، كما في حديث أبي الفضل الزهري (٣٠٢)، وأنس بن عياض، كما في سنن أبي داود (٨٥٦)، وعبد الرحيم بن سليمان وعقبة بن خالد كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٨٤). كما رواه يحيى بن سعيد القطان في البخاري (٧٥٧، ٧٩٣، ٦٢٥٢)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فزاد في إسناده أبا سعيد المقبري، ولم يذكر جلسة الاستراحة، فلا شك أن ذكر جلسة الاستراحة شاذة في الحديث، والوهم قد يكون من إسحاق بن منصور الراوي عن ابن نمير؛ لأن ابن أبي شيبة رواها عن ابن نمير، فلم يذكرها. والله أعلم.
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
قال ابن رجب: «هذه اللفظة -يعني الجلوس بعد السجدتين- قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا، فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما، وهذا هو الأشبه؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي ﷺ علمه شيئًا من سنن الصلاة المتفق عليها، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة؟ هذا بعيد جدًّا، ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين. قال: والصحيح عنه أنه قال بعد ذكر السجدتين (ثم ارفع حتى تستوي قائمًا)» (^١).
• أجاب القائلون بعدم الاستحباب:
جلسة الاستراحة مترددة بين كون النبي ﷺ فعلها للحاجة، وبين كون النبي ﷺ فعلها على وجه التعبد، ومع التردد فالأصل عدم المشروعية، ويؤيد الاحتمال الأول أمران:
إحداهما: كون وفود العرب إنما وفدت على النبي ﷺ في آخر عمره.
الثاني: كون أكثر الأحاديث التي وصفت صلاة النبي ﷺ لم تذكر جلسة الاستراحة، وبأن أكابر الصحابة المختصين بالنبي ﷺ لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس بسنة (^٢).
ولم تصح جلسة الاستراحة إلا من حديث مالك بن الحويرث.
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٥).
(٢) انظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٨).
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
قال أحمد كما في المغني: «أكثر الأحاديث على هذا». أي على الترك (^١).
وقال أحمد عن حديث مالك بن الحويرث: ليس لهذا الحديث ثانٍ، نقلها ابن رجب في فتح الباري، وسبق العزو إليه.
ويقول ابن القيم: «… سائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث.
ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل من وصف صلاته ﷺ، ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قدر أنه فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة» (^٢).
(ح-١٩٢٧) وقد روى أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن محمد ابن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز،
عن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني إذا رفعت (^٣).
[حسن] (^٤).
_________________
(١) المغني (١/ ٣٨٠).
(٢) زاد المعاد (١/ ٢٣٣، ٢٣٤).
(٣) مسند أحمد (٤/ ٩٨).
(٤) الحديث مداره على ابن عجلان، ورواه عن ابن عجلان جماعة منهم: سفيان بن عيينة، كما في مسند أحمد (٤/ ٩٨)، ومسند الحميدي (٦١٣)، وسنن ابن ماجه (٩٦٣)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٩٤)، وعبد الله بن إدريس كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧١٥١)، ويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٤/ ٩٢)، وسنن أبي داود (٦١٩)، وسنن ابن ماجه (٩٦٣)، ومنتقى ابن الجارود (٣٢٤)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٩٤)، وصحيح ابن حبان (٢٢٢٩)، والليث بن سعد كما في سنن الدارمي (١٣٥٤)، وصحيح ابن حبان (٢٢٣٠)، والحلية لأبي نعيم (٥/ ١٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٣٣). وحماد بن مسعدة كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٩٤)، ويحيى بن أيوب كما في شرح مشكل الآثار (٥٤٢١)، وسليمان بن بلال كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٦) ح ٨٦٢، وفي مسند الشاميين له (٢١٥٩)، والحلية لأبي نعيم (٥/ ١٤٧). ووهيب بن خالد، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٦) ح ٨٦٢، وفي مسند الشاميين له (٢١٥٩) بكر بن مضر، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٦) ح ٨٦٢، وفي مسند الشاميين له (٢١٥٩). أسامة بن زيد كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٧) ح ٨٦٣، وفي الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٨٨)، كلهم رووه عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن معاوية ﵁.
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
(ث-٤٦٥) روى مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛
أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له؟ فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (^١).
[صحيح] (^٢).
فلولا أن المغيرة بن حكيم راجع ابن عمر لاعتقد أن فعل ابن عمر من سنة الصلاة.
• ونوقش:
كون هذه الجلسة لم تذكر في أكثر الأحاديث فإن ذلك لا ينفيها، وليس من شروط قبول السنة أن تذكر أكثر الأحاديث، فالسكوت عنها ليس نفيًا لها، وقد ذكرها أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ، كانوا يسمعون عرضه لصفة صلاة النبي ﷺ، وصدقوه على عرضه، والقول بأن النبي ﷺ فعلها للحاجة هذا اتهام لهؤلاء الصحابة بأنهم لا يفرقون بين ما فعله النبي ﷺ بدافع الحاجة، وما فعله على وجه التعبد، وهب أن مثل هذا قد يجوز على مالك بن الحويرث لقصر مدة إقامته في المدينة، فكيف يجوز هذا على عشرة من أصحاب النبي ﷺ، ومعهم أبو حميد الساعدي.
قال في المجموع: «قول الإمام أحمد بن حنبل إن أكثر الأحاديث على هذا
_________________
(١) الموطأ (١/ ٨٩).
(٢) سبق تخريجه، انظر: (ث ٤٦٢).
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
معناه: أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتًا، لا نفيًا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أن أكثر الأحاديث تنفيها؛ لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجل من أن يقول شيئًا على سبيل الإخبار عن الأحاديث، ونجد فيها خلافه، وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها، ولا نفيها لم يلزم رد سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة» (^١).
• ويجاب:
بأنك قد علمت بأن حديث أبي حميد الساعدي لا يثبت، ولو ثبت لكان القول بمشروعيتها متعينًا.
وأما فعل ابن عمر فالظاهر أنه في الإقعاء بين السجدتين، وليس في القيام من الركعة الأولى والثالثة، والله أعلم.
• دليل من قال: لا تشرع جلسة الاستراحة:
الدليل الأول:
(ح-١٩٢٨) ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ … وذكر الحديث، وفيه: … ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).
فقال له بعد السجود الثاني ارفع حتى تستوي قائمًا، فلم يذكر له جلسة الاستراحة.
• وأجيب:
بأن حديث المسيئء قد اقتصر فيه النبي ﷺ على تعليمه الواجبات، فلم يذكر
_________________
(١) المجموع (٣/ ٤٤٤).
(٢) صحيح البخاري (٦٦٦٧)، ورواه مسلم من هذا الوجه في صحيحه إلا أنه اختصره (٤٦ - ٣٩٧).
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
له شيئًا من السنن حتى المتفق عليها، وهذا بَيِّنٌ ولولا أنه احتج به بعض الفقهاء ما ذكرته، والله أعلم.
الدليل الثاني:
احتجوا بما وقع في حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائمًا (^١).
قال ابن الملقن: «احتج به بعض الشراح من المالكية لمذهبه .. قال: فيكون هذا في حال الصحة، وذاك في حال الضعف جمعًا بين الحديثين، فإنه أولى من اطِّرَاحِ أحدهما.
فتعقبه قائلًا: وهذا كلام فقيه صرف، فالحديث الذي استدل به لنفيها لا يعرف مخرجه البتة» (^٢).
• وأجيب:
الاستدلال بهذا الحديث دليل على أن تركها دليل على عدم وجوبها ولم يقل به أحد، لا على عدم مشروعيتها.
الدليل الثالث:
(ح-١٩٢٩) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم،
عن معاذ بن جبل، قال: كان النبي ﷺ إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة أذنيه، فإذا كبر أرسلهما، ثم سكت … وذكر الحديث، وفيه: وكان يمكن جبهته
_________________
(١) قال في البدر المنير (٣/ ٦٧٣): هذا الحديث غريب جدًّا، لا أعلم من خرجه من هذا الوجه، وتبع الرافعي في إيراده صاحب الشامل، والمهذب … وقال النووي في شرح المهذب: إنه غريب، لكن ذكره في فصل الضعيف من خلاصته، وقال الشيخ تاج الدين الفزاري: لم أقف على حالته». وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٦٢٤): «هذا الحديث بَيَّض له المنذري في الكلام على المهذب، وذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف، وذكره في شرح المهذب، فقال: غريب، ولم يخرجه. وظفرت به في سنة أربعين في مسند البزار في أثناء حديث طويل في صفة الوضوء والصلاة». اه
(٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٢٨، ١٢٩).
[ ١٠ / ٤٤١ ]
وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم، لا يعتمد على يديه الحديث (^١).
[ضعيف جدًّا] (^٢).
الدليل الرابع:
(ث-٤٦٦) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال:
رأيت ابن الزبير، إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه (^٣).
[صحيح] (^٤).
الدليل الخامس:
(ث-٤٦٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
كان عبد الله ينهض على صدور قدميه من السجدة الآخرة وفي الركعة الأولى والثالثة (^٥).
[صحيح] (^٦).
قال البيهقي: هو عن ابن مسعود صحيح، ومتابعة السنة أولى.
_________________
(١) المعجم الكبير (٢٠/ ٧٤) ح ١٣٩.
(٢) تفرد به الخصيب بن جحدر، وقد كذبه الشعبي ويحيى القطان.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٨٣)، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٧).
(٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٨٤) حدثنا وكيع، عن هشام به، بنحوه.
(٥) مصنف عبد الرزاق (٢٩٦٧).
(٦) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٧٩) حدثنا أبو خالد الأحمر، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦) ٩٣٢٨، من طريق زائدة، ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٧) ح ٩٣٢٩، من طريق أبي عوانة، ثلاثتهم عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد به. وعمارة هو ابن عمير التيمي ثقة ثبت. ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦) ح ٩٣٢٧، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض، ولا يجلس، قال: ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثانية. وهو في حديث سفيان بن عيينة رواية المروزي (٢١).
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
الدليل السادس:
(ث-٤٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان،
عن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد، من أصحاب النبي ﷺ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس (^١).
[صحيح].
وأجابوا عنه بما أجيب عن أثر ابن مسعود، وهو أنه لا حجة في الموقوف إذا عارض المرفوع.
الدليل السابع: من القياس.
قالوا: هذه الجلسة لو كانت مستحبة لكان لها ذكر مسنون، فلما أجمعنا على أنه لا ذكر لها دَلَّ على أنها غير مستحبة.
ولأن التكبيرات ثنتان وعشرون، فإن قلنا بجلسة الاستراحة لزم إما الزيادة عليها إن قلنا: بالتكبير عند الرفع منها.
أو يلزم ترك التكبير عند الرفع، مع أن المعهود من صلاته ﷺ هو التكبير في كل خفض ورفع.
• فيجاب:
لا يستدل بالقياس مع وجود الأثر، فالسنة مقدمة على ظاهر القياس. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تسميتها بجلسة من قبل الفقهاء أحدث مثل هذا النظر، ولا تعرف التسمية من جهة الشرع، لهذا يمكن اعتبارها صفة في النهوض، فالقيام إلى الركعة الثالثة على القول بمشروعية الاستراحة أن يستوي جالسًا قبل أن ينهض ثم يقوم هذه صفة القيام إلى الركعة، لا أنه يقصد في نهوضه جلسة تعتبر زيادة في جلسات صلاته، فلا تعد من جلسات الصلاة.
• دليل من قال: تسن للحاجة:
هذا القول عمل بأدلة الفريقين، فَحَمَلَ أدلة القول بأن الجلسة لا تستحب على
_________________
(١) المصنف (٣٩٨٩).
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
زمن القوة والشباب، وَحَمَلَ حديث مالك بن الحويرث على وقت الحاجة إذا كبر الرجل أو مرض.
• ويناقش:
بأن جلسة الاستراحة فيها كلفة ومشقة، فكون الكبير يشرع في القيام من حين النهوض أسهل عليه، نعم التفريق في صفة النهوض، أيعتمد على يديه، أم يعتمد على ركبتيه؟ في التفريق بين الكبير والشاب له وجه بخلاف جلسة الاستراحة، فإن فيها مشقة، فهي إما مشروعة مطلقًا، أو ليست مشروعة، فتترك، والله أعلم.
• الراجح:
الذي أميل إليه هو عدم مشروعية جلسة الاستراحة، وحديث مالك بن الحويرث قد يكون النبي ﷺ فعل هذه للحاجة إليها، فإن اعترض بأن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي، عند البخاري، وهو شاب.
• فيجاب عنه:
أن قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي): إن حملنا الحديث على الرؤية البصرية، فهي تدل على جواز هذه الهيئة مطلقًا، وعلى استحبابها عند الحاجة.
ولهذا الفقهاء يقولون: لا يتعين جلسة معينة في الصلاة لا يجزئ غيرها إلا أنه لا يفعل الإقعاء المكروه، فأي جلسة جلسها في الصلاة صحت صلاته، ومن ذلك جلسة الاستراحة، لهذا لم يكن من الواجب على النبي ﷺ تنبيه مالك بن الحويرث أنه لا يجلس إلا لو كانت هذا الجلسة لا تجوز إلا بقيد الحاجة، ولا أحد قال بهذا.
وإن حملنا الحديث على الرؤية العلمية: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أي كما علمتم من صلاتي فالذي علمناه من صلاته أنه كان لا يجلس في أول الأمر عندما لم يكن محتاجًا، وجلس في آخر عمره عندما احتاج إلى ذلك، فنصلي كما علمناه من صلاته، في شبابه وكبره، والله أعلم.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]