المدخل إلى المسألة:
• جواز التشهد بكل ما ثبت وصح عن النبي ﷺ.
• يكفي اختيار نوع واحد من أنواع التشهد الثابت عن النبي ﷺ للقيام بسنة التشهد.
• التفضيل بين هذه الألفاظ مع ثبوتها كلها ليس مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول ﷺ لبعضها على بعض، فكلها صدرت من الرسول ﷺ، والتسوية بينها من العدل المأمور به، وليس شيء من السنة مهجورًا.
• تفاوت الصحة في الإسناد أو في العمل إنما يكون مرجحًا عند التعارض، أما إذا لم تتعارض السنن فيكفي صحة الحديث للقول بصحة التشهد.
• يلزم من التزام نوع واحد هجر للسنن الباقية، وذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات، بخلاف التنوع فإن فيه إحياء لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابة للسنة من جميع وجوهها.
[م-٧٠٣] اختلف الفقهاء في الأفضل من ألفاظ التشهد على أقوال منها:
القول الأول:
اختار الحنفية والحنابلة تشهد عبد الله بن مسعود ﵁ (^١).
قال الزركشي في شرح الخرقي: «ولو تشهد بغيره مما ثبت عنه ﷺ، كتشهد
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣١٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٥)، البحر الرائق (١/ ٣٤٢)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢٢٧)، الإنصاف (٢/ ٧٧)، المغني (١/ ٣٨٤)، الفروع (٢/ ٢٠٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٨٢)، المبدع (١/ ٤١١)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٧١)، الإقناع (١/ ١٢٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥٧).
[ ١٠ / ٥٠٦ ]
ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري وغيرهم جاز، نص عليه» (^١).
• واستدلوا لذلك:
(ح-١٩٦٠) بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،
عن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^٢).
وقد فضل الحنفية والحنابلة تشهده لما يلي:
الأول: أنه أصح حديث ورد في التشهد، حيث رواه الشيخان في الصحيحين.
قال ابن رجب في الفتح: «لم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد» (^٣).
قال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد، قال: «هو عندي حديث ابن مسعود، روي من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها، وقال: ولا أعلم في التشهد أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا» (^٤).
الثاني: أن أكثر العلماء قدموه على غيره، قال الترمذي: «حديث ابن مسعود قد روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن النبي ﷺ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين» (^٥).
_________________
(١) شرح الزركشي (١/ ٥٨٢).
(٢) صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).
(٣) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٣١).
(٤) فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣١٥).
(٥) سنن الترمذي (٢/ ٨١).
[ ١٠ / ٥٠٧ ]
قال البغوي: «قال أهل المعرفة بالحديث أصح حديث روي عن رسول الله ﷺ في التشهد حديث ابن مسعود، واختاره أكثر أهل العلم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي» (^١).
الثالث: أنه ورد فيه صيغة الأمر، (قولوا التحيات …)، وهو أوكد من صيغة الفعل المجردة.
الرابع: أن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه، بخلاف غيره.
الخامس: أن ابن مسعود تلقاه عن النبي ﷺ تلقينًا من فِيِ رسول الله ﷺ كلمة كلمة، وورد أن النبي ﷺ علمه وكفه بين كفيه (^٢).
القول الثاني:
اختار المالكية تشهد عمر بن الخطاب ﵁ (^٣).
(ث-٤٧٥) لما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري،
أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٤).
[صحيح، وهو موقوف على عمر ﵁] (^٥).
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (٣/ ١٨٣).
(٢) انظر فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣١٥).
(٣) المدونة (١/ ٢٢٦)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٣٠٧)، التلقين (١/ ٤٣)، بداية المجتهد (١/ ١٣٨)، الذخيرة (٢/ ٢١٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، شرح التلقين (٢/ ٥٤١)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٥٢).
(٤) موطأ مالك (١/ ٩٠).
(٥) رواه مالك بن أنس كما في الموطأ رواية يحيى (١/ ٩٠)، ورواية أبي مصعب الزهري (٤٩٩)، ورواية محمد بن الحسن الشيباني (١٤٦)، والجامع لابن وهب (٤١١)، والشافعي في المسند (ص: ٢٣٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٠٤، ٣٨٠٥)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٦١)، ومستدرك الحاكم مقرونًا بيونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث (٩٧٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٠٥). وابن جريج، عن الزهري، كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦٨)، وسقط من الإسناد الزهري. ومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٩٩٢)، وعمرو بن الحارث مقرونًا بمالك كما في مشكل الآثار (٣٨٠٤)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٦١)، ومستدرك الحاكم (٩٧٩). ويونس بن يزيد كما في مستدرك الحاكم (٩٧٩). وابن إسحاق كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٠٥)، كلهم عن ابن شهاب الزهري به.
[ ١٠ / ٥٠٨ ]
قال ابن العربي عن تشهد عمر: «وهو أولى؛ لأن عمر كان يعلمه الناس على المنبر، فصار كهيئة الإجماع» (^١).
قال أبو الوليد الباجي في شرح الموطأ: «والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: أن تشهد عمر بن الخطاب يجري مجرى الخبر المتواتر؛ لأن عمر بن الخطاب علمه للناس على المنبر بحضرة جماعة الصحابة وأئمة المسلمين، ولم ينكره عليه أحد، ولا خالفه فيه، ولا قال له: إن غيره من التشهد يجري مجراه، فثبت بذلك إقرارهم عليه، وموافقتهم إياه على تعيينه، ولو كان غيره من ألفاظ التشهد يجري مجراه لقال له الصحابة أوأكثرهم: إنك قد ضيقت على الناس واسعًا، وقصرتهم على ما هم مخيرون بينه وبين غيره، وقد أباح النبي ﷺ في القرآن القراءة بما تيسر علينا من الحروف السبعة المنزلة، فكيف بالتشهد، وليست له درجة القرآن أن يقصر الناس فيه على لفظ واحد، ويمنع ما تيسر مما سواه، ولما لم يعترض عليه أحد بذلك، ولا بغيره، علم أنه التشهد المشروع، هذا الذي ذهب إليه شيوخنا العراقيون في التشهد.
وقال الداودي إن ذلك من مالك ﵀ على وجه الاستحسان وكيفما تشهد المصلي عنده جائز، وليس في تعليم عمر الناس هذا التشهد منع من غيره» (^٢).
وقد فضل الحنابلة في دعاء الاستفتاح ما جهر به عمر موقوفًا عليه، وقدموه على ما ثبت في الصحيحين مرفوعًا، فهذا نظيره.
_________________
(١) عارضة الأحوذي (٢/ ٨٤).
(٢) المنتقى للباجي (١/ ١٦٧).
[ ١٠ / ٥٠٩ ]
• ويناقش كلام الباجي وابن العربي من وجهين:
الوجه الأول:
لم يثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قصر الناس على هذا التشهد، ومنعهم من غيره حتى يقال: لولا أنه متعين لما قبل ذلك الناس منه، ولما ضيق على الناس واسعًا، وقبول الناس ذلك من عمر؛ لأنه لم يفعل منكرًا، فالأمر واسع، فالسنن الواردة على وجوه متعددة يجوز للمصلي أن يلتزم صفة منها، ويجوز أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة حتى يأتي على جميع ما ثبت وصح عن النبي ﷺ وهو الأفضل.
الوجه الثاني:
لا يصح القول بأن فعله على المنبر يجري مجرى التواتر؛ لأن الذين حضروا عمر ﵃ بعض الصحابة وليس كلهم، وسكوتهم لا يعد إجماعًا على تعين هذا التشهد، وإلغاء غيره مما ثبت وصح.
القول الثالث:
اختار الشافعية تشهد ابن عباس ﵁ (^١).
(ح-١٩٦١) لما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وعن طاوس،
عن ابن عباس، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (^٢).
قال الشافعي في الرسالة: صرت إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره … لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا، كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، فأخذت به، غير معنف لمن أخذ بغيره مما ثبت عن
_________________
(١) مختصر المزني مطبوع مع الأم (١/ ١٠٨)، المجموع (٣/ ٤٥٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٨١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٠).
(٢) صحيح مسلم (٦٠ - ٤٠٣).
[ ١٠ / ٥١٠ ]
رسول الله ﷺ (^١).
ومن وجوه الترجح التي ذكرها أصحاب الشافعي،
أن تشهد ابن عباس كان متأخرًا عن تشهد ابن مسعود، وذلك أن النبي ﷺ قد علم ابن عباس هذا التشهد، وقد توفي النبي ﷺ وابن عباس غلام لم يحتلم بعد، بخلاف ابن مسعود ﵁ فإنه متقدم إسلامه ﵁، والمتأخر أولى بالاتباع.
• الراجح:
كل ما ثبت عن النبي ﷺ في التشهد فإنه يجوز أن يذكر الله به في الصلاة، فلا يكره شيء صح عن النبي ﷺ من وجوه التعبدات، والاقتصار على بعضها جائز، وإن فعل هذا مرة، وهذا مرة كان أولى، وليس شيء من السنة مهجورًا، والله أعلم.
_________________
(١) الرسالة (١/ ٢٧٥).
[ ١٠ / ٥١١ ]