المدخل إلى المسألة:
• لا يوجد دليل من النصوص يدل على وجوب لزوم (ورحمة الله) والأصل عدم الوجوب، ومجرد الفعل يدل على المشروعية.
• (أل) في التسليم قوله ﷺ (وتحليلها التسليم) للجنس، وليست للعهد، بدليل اقتصار بعض الصحابة على تسليمة واحدة، وإذا كانت للجنس جاز الاقتصار على قوله: (السلام عليكم) لدلالته على التسليم.
• الاحتجاج بعمل أهل المدينة سائغ فيما لا نص فيه، وكان الأصل فيه النقل الحسي، لا الاجتهاد، وقد ترك أهل المدينة زمن التابعين بعض السنن الثابتة كالتكبيرات الأربع في الأذان، وهو معروف من أذان بلال في المدينة، وترك أهل المدينة الاستفتاح، وهو معروف بين الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب، وهو من أهل المدينة.
[م-٧١١] اختلف العلماء في حكم قول: (ورحمة الله) في السلام من الصلاة:
فقيل: ليست بسنة مطلقًا، لا في نافلة، ولا فريضة، ولا يضر زيادتها، وإن كان الأولى تركها، وبه قال المالكية، والليث بن سعد (^١).
وقيل: حكمها ركن في الصلاة، فمن لم يَأْتِ بها لم تصح صلاته، وهو المذهب عند الحنابلة، قال المرداوي: وهو من المفردات (^٢).
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٥٢٣)، التمهيد (١١/ ٢٠٥)، الخرشي (١/ ٢٧٣)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٦)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٦)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٣)، جامع الأمهات (ص: ٩٩)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٩٠).
(٢) الإنصاف (٢/ ٨٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٠)، الفروع (٢/ ٢٢٠)، شرح الزركشي (١/ ٥٩٤)، المبدع (١/ ٤١٧، ٤١٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٤).
[ ١٠ / ٦١٤ ]
وقيل: قولها سنة، وتصح الصلاة من دونها، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى وأبو البركات من الحنابلة (^١).
• دليل من قال بالركنية:
الدليل الأول:
(ح-٢٠٢٤) روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:
حدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (^٢).
فمنع الرسول ﷺ من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي، فتبين من هذا أن ألفاظ العبادة توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها، وقد واظب النبي ﷺ في صلاته على لفظ (ورحمة الله) ولم ينقل عنه ﷺ أنها تركها ولو مرة واحدة، فوجب لزومها.
الدليل الثاني:
أن التسليم ركن في الصلاة، وسبق بحثه، وما كان جزءًا من الركن فهو ركن مثله، ولأنه سلام في الصلاة ورد مقرونًا بالرحمة، فلم يجز بدونها كالسلام على النبي ﷺ في التشهد مقرونة بالرحمة، ولا يصح من دونها.
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٣٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٢٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٢)، المجموع (٣/ ٤٧٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٤٦)، الوسيط (٢/ ١٥٣)، حلية العلماء (٢/ ١١٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥٣٧)، الإنصاف (٢/ ٨٤)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٩)، الفروع (٢/ ٢٢٠)، شرح الزركشي (١/ ٥٩٤).
(٢) صحيح البخاري (٦٣١١)، وصحيح مسلم (٢٧١٠).
[ ١٠ / ٦١٥ ]
• ويناقش:
بأن ركنية التسليم فيها خلاف، وعلى القول بالركنية لا يلزم منه أن يكون كل جزء من التسليم ركنًا وحده، ولهذا قال الجمهور بجواز الاقتصار على تسليمة واحدة، فلم يكن حكم التسليمتين واحدًا، وقال الحنفية بركنية الطواف في النسك، وإذا طاف أربعة أشواط وترك الثلاثة جاز وجبره بدم إذا فات تداركه، وقال المالكية بركنية الفاتحة، ولو ترك بعضها سهوًا جبرها بسجود السهو، فلا يلزم من القول بركنية التسليم ركنية كل جزء منه هذا على التسليم بأن التسليم ركن.
الدليل الثالث:
(ح-٢٠٢٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله حتى يُرَى بَيَاضُ وجهه، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله من كلا الجانبين (^١).
[صحيح] (^٢).
_________________
(١) المصنف (٣٠٤٤).
(٢) رواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ورواه عن أبي إسحاق كل من: سفيان الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (٣١٣٠)، ومسند أحمد (١/ ٣٩٠، ٤٠٩، ٤٤٤)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، وسنن الترمذي (٢٩٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٣٢٤)، وفي الكبرى له (١٢٤٨)، وصحيح ابن حبان (١٩٩٣)، وابن الجارود في المنتقى (٢٠٩). وزائدة بن قدامة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٤)، وفي مسنده (٤١٢)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٣) ح ١٠١٧٣، وأبي الأحوص سلام بن سليم، كما في سنن أبي داود (٩٩٦)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٢٣) ١٠١٧٣، وصحيح ابن حبان (١٩٩١)، ومسند أبي يعلى (٥١٠٢). وعمر بن عبيد الطنافسي، كما في مسند أحمد (١/ ٤٤٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٣)، وفي مسنده (٣٥٧)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، والمجتبى من سنن النسائي (١٣٢٣)، وفي الكبرى له (١٢٤٧)، وسنن ابن ماجه (٩١٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٢٤) ح ١٠١٧٣، وصحيح ابن خزيمة (٧٢٨)، وصحيح ابن حبان (١٩٩٠). وشريك بن عبد الله النخعي، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٣٠٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٣) ح ١٠١٧٣، وإسرائيل، كما في مسند أحمد (١/ ٤٠٦)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٤) ح ١٠١٧٣، ومسند الشاشي (٦٩٥، ٦٩٦). قال أبو داود في السنن: شعبةُ كان ينكر هذا الحديث -حديث أبي إسحاق- أن يكون مرفوعًا. وقال أبو داود في مسائله لأحمد (١٩١١): «سمعت أحمد يقول: كان شعبة ينكر حديث أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله عن النبي ﷺ في التسليمتين، وحديث حماد عن إبراهيم عن عبد الله عن النبي ﷺ؛ قلت: كان ينكره؟ قال أحمد: قال عبد الرحمن ويحيى: كانا عنده بمنزلة الريح، قلت: ما أنكر منه؟ قال: أنكر أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ». قلت: قد رفعه سفيان الثوري، وهو مقدم في أبي إسحاق، وتابعه على الرفع إسرائيل، وزائدة وأبو الأحوص والطنافسي، وشريك، وهو ثبت في أبي إسحاق، وغيرهم فلا شك في أن رواية الرفع محفوظة.
[ ١٠ / ٦١٦ ]
• دليل من قال: يجوز الاقتصار على السلام عليكم:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من النصوص يدل على وجوب لزوم (ورحمة الله) والأصل عدم الوجوب، ومجرد الفعل يدل على المشروعية.
الدليل الثاني:
(ح-٢٠٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا بهز بن حكيم، وقال مرة: أخبرنا قال: سمعت زرارة بن أوفى، يقول:
سئلت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالت كان يصلي العشاء ثم يصلي بعدها ركعتين، ثم ينام، فإذا استيقظ وعنده وضوءه مغطى، وسواكه استاك، ثم توضأ، فقام فصلى ثماني ركعات، يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن، وقال مرة: ما شاء الله من القرآن، فلا يقعد في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعد فيها، فيتشهد ثم يقوم، ولا يسلم فيصلي ركعة واحدة، ثم يجلس فيتشهد، ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته، حتى يوقظنا ثم يكبر (^١).
[هذا إسناده منقطع، زرارة لم يسمعه من عائشة، والمتصل كما في رواية مسلم
_________________
(١) المسند (٦/ ٢٣٦).
[ ١٠ / ٦١٧ ]
وغيره (يسلم تسليمًا يسمعنا)] (^١).
• ويجاب:
من خلال تخريج حديث عائشة تبين لي أن المحفوظ: (يسلم تسليمًا يسمعنا) وأن مقصود عائشة من قولها هو رفع النبي ﷺ صوته بالتسليم لإيقاظ أهله، ولم يكن مقصودها من الحديث نقل صفة التسليم، ولا عدد التسليمات، فمن قال: يسلم تسليمة، أو قال: (السلام عليكم) فقد قصر في النقل.
الدليل الثالث:
(ح-٢٠٢٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ … وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).
وجه الاستدلال:
إذا لم يذكر التسليم في حديث المسيء في صلاته، فمن باب أولى جواز ترك (ورحمة الله) من لفظ التسليم.
الدليل الرابع:
من أجاز الاقتصار على (السلام عليكم)، حمل (أل) في قوله: (وتحليلها التسليم) على الجنس، وليس العهد بدليل أن بعض الصحابة ﵃ اقتصروا على تسليمة واحدة، ولو كانت للعهد لوجبت التسليمتان؛ لأنه التسليم المعهود.
_________________
(١) سبق تخريجه في مسألة حكم التسليم، انظر: (ح-١٩٦٣).
(٢) صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).
[ ١٠ / ٦١٨ ]
• دليل من قال: زيادة ورحمة الله ليست سنة:
المالكية لا ينكرون النصوص الشرعية في زيادة (ورحمة الله) إلا أنهم تركوها لأصل عندهم، وهو عمل أهل المدينة، فالعمل المتوارث في المدينة عندهم أقوى من خبر الآحاد؛ والعهد بالصحابة قريب، والنقل يعتمد على الحس، وليس على الفقه، والصلاة نقلت بالتواتر جيلًا عن جيل، مما يحصل به العلم، وينقطع به العذر، ويجب له ترك أخبار الآحاد؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله. فكون كافة أهل المدينة من التابعين ممن أدركهم الإمام مالك يقتصرون في لفظ التسليم على لفظ (السلام عليكم) فهذا دليل على أن هذا هو المشروع، فمثل هذا لولا أنهم أخذوه من الصحابة رضوان الله عليهم ما فعلوه.
وقد ناقشت الاحتجاج بعمل أهل المدينة في مسألة سابقة، والمهم أن نعرف كيف استدل المالكية على اختيارهم، وهذا القول من مفرداتهم، حتى كره بعضهم زيادة (ورحمة الله) وبعضهم رأى أنها زيادة لا تضر، وأنها من قبل المباح لوقوعها خارج الصلاة، فالمصلي عندهم يخرج من الصلاة حين يقول: (السلام عليكم) فكلمة ورحمة الله وقعت عندهم خارج الصلاة، وكذلك التسليمة الثانية تقع عندهم خارج الصلاة، فلا تضر زيادتها.
• الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بأنها سنة قول وسط بين قول الحنابلة بالركنية، وهي لم تذكر في حديث المسيء في صلاته، وبين القول بأنها ليست مشروعة، أو من قبيل المباح كقول المالكية، والتزامها أحوط، والله أعلم.
[ ١٠ / ٦١٩ ]