المدخل إلى المسألة:
• الخير والبركة والثواب كله في اتباع السنة تطويلًا أو تخفيفًا، فما ورد عن النبي ﷺ تخفيفه أو تطويله فالأفضل اتباعه فيه؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل إلا الأفضل.
• السنة في الركوع والسجود والاعتدال منهما أن تكون قريبًا من السواء.
• كان النبي ﷺ أحيانًا يخفف قيامه وأحيانًا يطيله بحسب اختلاف الأحوال والأوقات، والركوع والسجود والاعتدال تبع لذلك.
• إطالة ما ورد فيه التخفيف، أو تخفيف ما ورد فيه الإطالة مخالف للسنة ومنقص لبركة العبادة، ولا يبطل الصلاة إذا لم يؤثر ذلك على الأركان والواجبات.
• مصلحة مراعاة أحوال المأموم أولى من مصلحة مراعاة بعض السنن، قال ﷺ: اقتد بأضعفهم، وذم الرسول ﷺ المنفرين عن الجماعة.
[م-٦٥٠] اختلف الفقهاء في حكم تطويل مقدار الاعتدال من الركوع بالذكر:
فقيل: لا يشرع طول القيام بعد رفع الرأس من الركوع، هذا مذهب الحنفية والمالكية، وعبر الدسوقي من المالكية: فقال: يسن ترك التطويل في الرفع من الركوع ومن السجود زيادة على الطمأنينة وعلى الزائد عليها استنانًا (^١).
وقيل: يحرم التطويل، وهذا مذهب الشافعية، واختلفوا في بطلان صلاته إذا فعله عمدًا على ثلاثة أقوال، أصحها بطلان صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٠)، البحر الرائق (٢/ ٤٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٧٧)، مواهب الجليل (٢/ ٢٠)، شرح الخرشي (١/ ٣٠٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢١٨)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٣٢٨).
[ ١٠ / ١٧١ ]
كالقنوت في موضعه، والتسبيح في صلاة التسابيح، وهذا مذهب الشافعية (^١).
ومقدار التطويل المحرم عندهم أن يزيد على الذكر المشروع فيه قدر الفاتحة في الاعتدال، ويزيد على أقل التشهد في الجلوس (^٢).
جاء في روضة الطالبين: «الاعتدال عن الركوع ركن قصير، أُمِر المصلي بتخفيفه، فلو أطاله عمدًا بالسكوت أو القنوت أو بذكر آخر ليس بركن، فثلاثة أوجه:
أصحها عند إمام الحرمين وقطع به صاحب التهذيب: تبطل صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت، أو في صلاة التسبيح.
والثاني: لا تبطل.
والثالث: إن قنت عمدًا في اعتداله في غير موضعه بطلت. وإن طول بذكر آخر لا يقصد القنوت لم تبطل» (^٣).
وقيل: يشرع له تطويله بما ليس ركنًا في الصلاة كالفاتحة والتشهد، رجحه النووي والأذرعي من الشافعية (^٤).
قال الأذرعي: «إنه الصحيح مذهبًا ودليلًا، ونقله عن نص الشافعي» (^٥).
واستحب ابن القيم تطويل هذين الركنين (^٦).
• دليل من قال: يسن ترك التطويل في الاعتدال من الركوع:
الدليل الأول:
(ح-١٧٨٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال:
_________________
(١) روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، المجموع (٤/ ١٢٦)، نهاية المطلب (١/ ٩٢)، فتح العزيز (٤/ ١٤٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٧، ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥، ٤٣٠). وقد أخذ الشافعية القول بالبطلان من قول الإمام بأنه إذا أطال الاعتدال ساهيًا سجد للسهو، قال القاضي حسين: وهذا يدل على أنه لو فعل ذلك عامدًا بطلت صلاته؛ لأن ما اقتضى سهوه السجود أبطل عمده الصلاة. انظر: كفاية النبيه (٣/ ٤٧١).
(٢) تحفة المحتاج (٢/ ٧٧).
(٣) روضة الطالبين (١/ ٢٩٩).
(٤) روضة الطالبين (١/ ٢٩٩)، المجموع (٤/ ١٢٧).
(٥) انظر: مغني المحتاج (١/ ٤٣٠).
(٦) تهذيب السنن مع عون المعبود (٣/ ٧٥).
[ ١٠ / ١٧٢ ]
أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد
هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بالإسناد نفسه إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن الزهري، ولفظه مطابق للفظ عقيل (^١).
ورواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد … الحديث (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٨٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^٣).
الدليل الثالث:
(ح-١٧٨٦) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن،
عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).
(٢) صحيح البخاري (٧٩٥).
(٣) صحيح البخاري (٧٣٥).
(٤) رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).
[ ١٠ / ١٧٣ ]
فظاهر هذه الأحاديث أن كان يكتفي بذلك، وهو دليل على أنه ركن قصير.
• دليل من قال: يحرم تطويل الاعتدال من الركوع على القدر المسنون:
قالوا: المصلي مأمور بتخفيف هذا الركن، ولهذا لا يسن فيه تكرار الذكر المشروع، بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، وكأنه ليس مقصودًا لنفسه، بل للفصل بين الركوع والسجود، وإنما وجبت فيه الطمأنينة ليكون المصلي على سكينة، فإذا كان مأمورًا بالتخفيف فإن تطويله تغيير لوضعه كما لو قصر الطويل فلم يتم الواجب.
ولأن تطويله يخل بالموالاة بين أركان الصلاة، سواء طوله بسكوت، أوقنوت في غير موضعه، أو ذكر آخر (^١).
قال ابن دقيق العيد: «وفائدة الخلاف فيه: أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة. ومن هذا قال بعض أصحاب الشافعي: إنه إذا طوله بطلت الصلاة، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركنًا، كقراءة الفاتحة أو التشهد» (^٢).
وخرج بعض الشافعية البطلان على تطويل جلسة الاستراحة عمدًا (^٣).
• ويناقش:
لا نسلم أن المصلي مأمور بالتخفيف، انظر أدلة من قال: يشرع التطويل.
كما أن تكرار الذكر في القيام مختلف فيه، فيرى بعضهم أنه يستحب تكرار التحميد إذا أطال الركوع والسجود حتى يقرب قيامه من ركوعه وسجوده، ويحتج بحديث حذيفة عند أحمد، وأن النبي ﷺ كان يقول: لربي الحمد (^٤)، وسبق تخريجه في المسألة السابقة.
ولو سلمنا أنه مأمور بالتخفيف، فإن التخفيف يكون سنة، لا واجبًا، ومخالفة
_________________
(١) مغني المحتاج (١/ ٤٣٠)، نهاية المحتاج (٢/ ٧١)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٢٥٣).
(٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٤٤).
(٣) انظر: نهاية المحتاج (١/ ٥١٩).
(٤) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٩٨).
[ ١٠ / ١٧٤ ]
السنة تنقص من ثواب الطاعة، ولا تبطل الصلاة، ولذلك فالسنة في قراءة الفجر أن تكون من الطوال، ولو خففها لم تبطل بالاتفاق، فكذلك العكس.
والقول بأنه يخل بالموالاة بين أفعال الصلاة غير مسلم، لأن معنى الموالاة ألا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويل الأركان فوات الموالاة، فالزائد على المشروع إذا كان متصلًا به أخذ حكمه كما لو طول القيام والركوع والسجود عن القدر الواجب.
كما أن القول بأنه يخل بالموالاة مبني على أنه ركن قصير، وأن تقصيره ملحق بالواجبات، وكلاهما غير مسلم.
ولا يصح القياس على تطويل جلسة الاستراحة؛ لأن تسميتها جلسة اصطلاح فقهي، فالجلوس فيها هي صفة في النهوض، لا يقصد فيها الجلوس، فإذا طولها عمدًا أحدث جلسة في صلاته، وخرجت عن كونها صفة في النهوض.
• دليل من قال: يشرع التطويل
الدليل الأول:
(ح-١٧٨٧) ما رواه مسلم من طريق حماد (يعني ابن سلمة)، أخبرنا ثابت،
عن أنس، قال: ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاة رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ، إذا قال: سمع الله لمن حمده قام، حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم (^١).
قوله: (أوهم في صلاته): أي وقع في الوهم، بأن نسي أنه في الاعتدال من الركوع، وليس في القيام.
قال بعضهم: هذا يفعله على الدوام لقوله: (كان) الدالة على المواظبة.
ويحتمل أنه يفعله أحيانًا؛ لأنه لو كان هذا دأبه في الصلاة لم ينسب إذا فعله إلى
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٣٤٤).
[ ١٠ / ١٧٥ ]
الوهم؛ لاعتيادهم عليه، وإنما ينسب إلى الوهم إذا فعل فعلًا على خلاف العادة.
قال الطحاوي: قوله: «(حتى نقول قد أوهم) يوهم أن العادة جرت على خلافه؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعله مرة ويتركه مرة».
ولأن أدلة القول الأول هي أدلة فعلية، وهي نص بأن النبي ﷺ ربما اقتصر على قول ربنا ولك الحمد في اعتداله من الركوع.
وإذا كان قيام النبي ﷺ في الصلوات متفاوتًا، فكذلك قيامه من الركوع والسجود، فقد نقل في السنة أنه يصلي الظهر حتى يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ويعود إلى أهله فيتوضأ، ويدرك الركعة الأولى، ونقل أيضًا أنه قرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل مثل ذلك في سائر صلاته، فالمغرب ربما قرأ فيها من الطوال، وربما قرأ فيها من قصار المفصل، وإذا كان هذا شأنه في القيام، فقل مثل ذلك في الاعتدال من الركوع والسجود.
قال النووي: «كله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات» (^١).
وهو محمول على صلاة الفريضة جماعة؛ لأنه قارن بين فعل النبي ﷺ وفعل خليفتيه، وقد حمله بعضهم على النافلة، وهو خلاف إطلاق الحديث.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٨٨) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتَعَوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده،
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٨٨).
[ ١٠ / ١٧٦ ]
ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (^١).
هذا وإن كان في صلاة النافلة، فإذا كان لا يبطل النافلة لم يبطل الفريضة، وأما استحباب التطويل في الجماعة فهو مقيد بما لا يشق على المأمومين؛ لحديث: إذا أم أحدكم في الناس فليخفف.
الدليل الثالث:
(ح-١٧٨٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الحكم، عن ابن أبي ليلى،
عن البراء، قال: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء. هذا لفظ البخاري (^٢).
فكان النبي ﷺ يسوي بين المواضع الأربعة: الركوع، والاعتدال منه والسجود، والجلسة بين السجدتين فيمكث فيها زمنًا قريبًا من السواء، وظاهره في الفرض والنفل ما لم يشق ذلك على المأمومين؛ لأن الأمور المستحبة لا يلزم بها المأموم.
• الراجح:
أن الاعتدال من الركوع والسجود تبع لمقدار الركوع والسجود، والركوع والسجود يسن إطالتهما أوتخفيفهما تبعًا لتخفيف القيام وطوله، فإذا كانت السنة في الصلاة تخفيف القيام فإنه يخفف الركوع والسجود، والاعتدال تبع لهما، وإذا كانت السنة في الصلاة إطالة القيام فإن الركوع والسجود يشرع تطويلهما، والاعتدال تبع لهما. فسنة الفجر وركعتا الطواف، ونحوهما السنة تخفيفها، وصلاة الفجر وقيام الليل السنة تطويل القيام، فيطيل الركوع والسجود والاعتدال على ما جاء في حديث البراء، وحديث حذيفة، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).
(٢) صحيح البخاري (٧٩٢).
[ ١٠ / ١٧٧ ]