المدخل إلى المسألة:
• لا يجب دعاء في الصلاة بعد التشهد؛ لقوله ﷺ بعد أن ذكر التشهد (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولم يذكر له الاستعاذة من الأربع وتخيير المصلي دليل على عدم تعين صيغة معينة في الدعاء.
• حديث أبي هريرة: فليتعوذ بالله من أربع، أكثر الرواة رووه بلفظ الخبر.
• قول ابن عباس بأن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن هذا التشبيه لا يقتضي الوجوب؛ لأن تعليم السورة من القرآن ليس واجبًا في غير الفاتحة، ولأن هذا التشبيه قيل في تعليم الاستخارة، وهي ليست واجبة إجماعًا.
[م-٧٠٨] اتفق الفقهاء على مشروعية الاستعاذة بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، واختلف في وجوبها:
فقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقال المالكية: يستحب الدعاء بعد التشهد الأخير، وعمومه يشمل الاستعاذة من الأربع، ونص بعضهم عليها (^١).
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٣٤٩)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٣٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٤)، النهر الفائق (١/ ٢٢٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٣٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٥٨)، شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٥٢)، إكمال المعلم (٢/ ٥٤٣)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٢٠٨)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، القوانين الفقهية (ص: ٤٧)، شرح النووي على مسلم (٥/ ٨٥، ٨٩)، طرح التثريب (٣/ ١٠٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٨٨)، المجموع (٣/ ٤٧٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٤)، مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٩٨)، المبدع (١/ ٤١٥)، مختصر الخرقي (ص: ٢٤)، المغني (١/ ٣٩١)، الإنصاف (٢/ ٨١)، الإقناع (١/ ١٢٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٣).
[ ١٠ / ٥٦٨ ]
قال خليل في معرض بيان مندوبات الصلاة: «ودعاء بتشهد ثانٍ» (^١).
قال الخرشي في الشرح: «يعني أن الدعاء يستحب في التشهد الثاني ومحله بعد التشهد» (^٢).
فقوله: (ومحله بعد التشهد) صريح أنهم أدخلوا في جملة الدعاء الاستعاذة من الأربع؛ لأنهم جعلوا محل استحباب الدعاء بعد التشهد، وأولى ما يستحب من الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ الاستعاذة من الأربع للنص عليها.
قال في الفواكه الدواني: «ويدل على هذا خبر الصحيحين من «أنه ﵊ لما علمهم التشهد، قال: وليتخير من الدعاء» (^٣).
وقال ابن عرفة: «يستحب الدعاء عقب التشهد الأخير» (^٤).
فأطلقوا الدعاء، فدخل فيه الاستعاذة من الأربع.
وقيل: الاستعاذة واجبة، وهو رواية عن أحمد حكاها القاضي أبو يعلى (^٥).
وقال أبو عبد الله بن بطة: «من ترك من الدعاء المشروع شيئًا مما يقصد به الثناء على الله تعالى أعاد» (^٦).
وقيل: الاستعاذة فرض، وهو ظاهر فعل طاوس، وصريح كلام ابن حزم (^٧).
_________________
(١) مختصر خليل (ص: ٣٣).
(٢) شرح الخرشي (١/ ٢٨٨).
(٣) الفواكه الدواني (١/ ١٨٧).
(٤) التاج والإكليل (٢/ ٢٥٠)، أسهل المدارك (١/ ٢٢٣).
(٥) الإنصاف (٢/ ٨١)، المبدع (١/ ٤١٥).
(٦) الإنصاف (٢/ ٨١).
(٧) مصنف عبد الرزاق (٣٠٨٧)، المحلى بالآثار (٢/ ٣٠١).
[ ١٠ / ٥٦٩ ]
قال ابن حزم: «ويلزمه فرض أن يقول: إذا فرغ من التشهد في كلتا الجلستين: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم … وهذا فرض كالتشهد، ولا فرق» (^١).
وقال ابن تيمية: «ذهب طائفة من السلف، والخلف، إلى أن الدعاء في آخرها واجب، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي ﷺ آخر الصلاة بقوله: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: … وذكر الحديث). رواه مسلم، وغيره، وكان طاوس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب أحمد» (^٢).
قال مسلم بن الحجاج: «بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك؛ لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة، أو كما قال» (^٣).
قال أبو العباس القرطبي في المفهم: «وأَمْرُ طاوس ابنَه بإعادة الصلاة لمّا لم يتعوذ من تلك الأمور؛ دليل على أنه كان يعتقد وجوب التعوذ منها في الصلاة، وكأنه تمسك بظاهر الأمر بالتعوذ منها، وتأكد ذلك بتعليم النبي ﷺ إياها للناس، كما يعلمهم السورة من القرآن، وبدوام النبي ﷺ على ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيحرم فائدتها وثوابها، والله تعالى أعلم» (^٤).
وقال النووي في شرح مسلم: «لعل طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه، والله أعلم» (^٥).
ورجح شيخنا ابن عثيمين ما قاله أبو العباس احتمالًا خاصة أن الأمر بالإعادة كان لابنه، في سياق تعليمه، لا لعامة المصلين (^٦).
وما قاله أبو العباس ورجحه شيخنا قوي جدًّا؛ لأن الظاهر أن طاوسًا سأل
_________________
(١) المحلى بالآثار (٢/ ٣٠١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١٨).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٤١٣)، وقد وصله عبد الرزاق بسند صحيح في مصنفه (٣٠٨٧)، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال لرجل: أقلتهن في صلاتك؟ قال: لا، قال: فأعد صلاتك.
(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٢٠٩).
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٨٩)، طرح التثريب (٣/ ١٠٧).
(٦) الشرح الممتع (٣/ ٢٠٠).
[ ١٠ / ٥٧٠ ]
ابنه بعد انصرافه من الصلاة مباشرة، فإن كان طاوس يرى التعوذ من أركان الصلاة فالصواب أن يأمره بالإتيان بها، ثم السجود للسهو، وإن كان يراها من الواجبات فكان حسبه أن يأمره بسجود السهو، فأمره بالإعادة مطلقًا فيه نظر، وعلى القول بأنه لا تكليف قبل العلم فإنه يستقبل ذلك فيما يستقبل من صلاته، لا فيما مضى منها قبل علمه بوجوبها، كما أن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة ولا عمارًا حين تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولا عمر حين ترك الصلاة من الجنابة إلى أن يجد الماء، ولم يعلم بمشروعية التيمم للجنابة لم يأمرهم بتدارك ذلك قبل علمهم، مما يرجح أن أمره بالإعادة قد يكون من باب التأديب على ترك السنن المؤكدة، لا على ترك الواجبات والأركان، والله أعلم.
• دليل من قال: الاستعاذة بالله من الأربع واجبة:
الدليل الأول:
(ح-١٩٩٦) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال.
[أكثر الرواة عن أبي هريرة رووه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر … إلخ] (^١).
_________________
(١) رواه جماعة عن أبي هريرة، بلفظ الأمر، منهم محمد بن أبي عائشة، وطاوس، وأبو صالح، لم يختلف عليهم في ذلك. ورواه جماعة بصيغة الخبر: أن الرسول ﷺ كان يتعوذ، وهم الأكثر، مثل عبد الله بن شقيق، ومحمد بن زياد، ومجاهد، والراجح من رواية أبي سلمة، والأعرج، وأبي علقمة من رواية شعبة، عن يعلى بن عطاء، عنه خلافًا لرواية أبي الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، وإليك تفصيل ما وقفت عليه. الأول: محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، رواه بلفظ: (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع)، بصيغة الأمر. =
[ ١٠ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومحمد بن أبي عائشة قليل الحديث، له ستة أحاديث عن أبي هريرة هذا أشهرها، قال ابن حجر: لا بأس به. اه ولم يخرج له البخاري شيئًا، وليس له في مسلم غير هذا الحديث. ومداره على الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة به، وقد رواه عن الأوزاعي جماعة منهم. الوليد بن مسلم كما في صحيح مسلم (١٣٠ - ٥٨٨)، ومسند أحمد (٢/ ٢٣٧)، وسنن أبي داود (٩٨٣)، وسنن ابن ماجه (٩٠٩)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤٣، ٢٠٤٤)، وصحيح ابن حبان (١٩٦٧)، ومستخرج أبي نعيم (١٣٠١). ووكيع كما في صحيح مسلم (٥٨٨)، ومسند أحمد (٢/ ٤٧٧) ومصنف ابن أبي شيبة (٣٧٤٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (٧٢١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٠). وعيسى بن يونس كما في المجتبى من سنن النسائي (١٣١٠)، والسنن الكبرى للنسائي (١٢٣٤)، والمنتقى لابن الجارود (٢٠٧) وصحيح ابن خزيمة (٧٢١)، ومستخرج أبي نعيم على مسلم (١٣٠١)، والشريعة للآجري (٨٧٣)، والحلية لأبي نعيم (٦/ ٧٩)، وأمالي ابن بشران، الجزء الثاني (ص: ١٥٦). وهقل بن زياد (ثقة) كما في صحيح مسلم ولم يَسُقْ لفظه (١٣٠ - ٥٨٨)، ومستخرج أبي نعيم (١٣٠١)، والشريعة للآجري (٨٧٤)، ومكارم الأخلاق للخرائطي (١٠٨٩). ومخلد بن يزيد الحراني، كما في صحيح ابن خزيمة (٧٢١)، والمعافى بن عمران كما في سنن النسائي (١٣١٠)، والسنن الكبرى (١٢٣٤)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٤). ومبشر (هو ابن إسماعيل الحلبي) كما في مسند أبي يعلى (٦١٣٣)، وأبو المغيرة كما في سنن الدارمي (١٣٨٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٠)، وفي الاعتقاد له (ص: ٢٢٥)، وفي الدعوات الكبير له (١٠٥). وعقبة بن علقمة كما في السنن الصغير للبيهقي (٤٦٠)، ومحمد بن كثير كما في سنن الدارمي (١٣٨٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٠)، وفي الاعتقاد له (ص: ٢٢٥)، وبشر بن بكر كما في حديث السراج (٦٣٢)، ومسنده (٨٢٧) وأبو مسهر كما في مسند السراج (٨٢٧)، وحديثه (٦٣١). ويحيى بن عبد الله البابلتي كما في الدعاء للطبراني (٦٢١)، وفوائد تمام (٦٨٢)، كل هؤلاء رووه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، بصيغة الأمر. خالف الأوزاعي عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان كما ذكر الدارقطني في العلل (١٠/ ٧٠)، فرواه عن حسان بن عطية، عن أبي هريرة مرسلًا موقوفًا. اه فأسقط من إسناده محمد بن أبي عائشة، وابن ثوبان لا يقرن بالإمام الأوزاعي. =
[ ١٠ / ٥٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثاني: أبو سلمة، عن أبي هريرة. رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، واختلف على يحيى: فرواه هشام الدستوائي كما في صحيح البخاري (١٣٧٧)، وصحيح مسلم (١٣١ - ٥٨٨)، وأكتفي بالصحيحين. وشيبان، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٢٣)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤٥)، وأمالي ابن بشران الجزء الأول (ص: ١٧٢، ٢٣٧)، والجزء الثاني (ص: ٣٧). وأبو إسماعيل (إبراهيم بن عبد الملك البصري)، كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٠٦٠، ٥٥٠٦)، وفي الكبرى (٢١٩٨، ٧٨٩٠). وعلي بن المبارك كما في مستخرج أبي عوانة (٢٠٤٦، ٢٠٧٨)، ومستدرك الحاكم (١٠١١)، وعمر بن راشد (ضعيف) كما في مصنف عبد الرزاق (٦٧٥٥)، وحصين بن عبد الرحمن السلمي (ثقة تغير حفظه في الآخر) رواه الطبراني في الدعاء (١٣٧٤)، من طريق هاشم بن مرزوق (قال أبو حاتم: ثقة) عن أبي جعفر الرازي (عيسى بن أبي عيسى ماهان صدوق سيئ الحفظ) عن حصين، خمستهم عن يحيى به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. خالفهم الأوزاعي كما في صحيح مسلم مقرونًا برواية الأوزاعي عن حسان بن عطية (١٢٨ - ٥٨٨)، ومصنف ابن أبي شيبة مقرونًا به أيضًا (٣٧٤٦٢)، والمجتبى من سنن النسائي (٥٥١٨)، وفي الكبرى له (٧٩٠٤)، ومسند البزار (٨٦٠٠)، وصحيح ابن خزيمة (٧٢١)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤٤)، وفوائد تمام (٦٨٢)، ومستخرج أبي نعيم (١٣٠٢)، فرواه عن يحيى بن أبي كثير به، بصيغة الأمر بلفظ رواية حسان بن عطية. وأخشى أن يكون دخل على الأوزاعي روايته عن حسان بن عطية، في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فإن اتفاق الرواة عن يحيى على روايته بالصيغة الفعلية ومخالفة الأوزاعي لهم تجعل رواية الأوزاعي شاذة. الثالث: عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، بصيغة الخبر. بلفظ: (عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة الدجال). رواه مسلم (١٣٣ - ٥٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٩٨)، وابن بشران في أماليه، ج الثاني (ص: ٥٢)، من طريق محمد بن جعفر. ورواه أحمد كما في المسند (٢/ ٤٥٤)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١٤١٤) من طريق حجاج بن محمد، ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٩٥)، وعنه النسائي في المجتبى (٥٥١٧)، وفي الكبرى (٧٩٠٣)، أخبرنا أبو عامر العقدي، =
[ ١٠ / ٥٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٥١٨٧) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، أربعتهم (محمد بن جعفر، وحجاج بن محمد، وإسحاق، وعبد الصمد) رووه عن شعبة، عن بديل، عن عبد الله بن شقيق به من السنة الفعلية. تابع بديلًا صالح بن أبي الجوزاء، كما في حديث السراج (٦٣٥)، ومسند السراج (٨٢٩)، ومكارم الأخلاق للخرائطي (١٠٨٤)، والسنن الواردة في الفتن للداني (٦٥٦) من طريق سهل بن تمام، عن صالح بن أبي الجوزاء عن عبد الله بن شقيق. وسهل بن تمام قال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي وأبو زرعة … سئل عنه أبو زرعة، فقال: لم يكن يكذب، كان ربما وهم في الشيء. وسئل أبي عنه، فقال: شيخ. الجرح والتعديل (٤/ ١٩٤). وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. وأبو الجوزاء فيه جهالة، ذكره ابن أبي حاتم وبيض، انظر الجرح والتعديل (٤/ ٣٩٧)، ولم ينفرد به فقد تابعه عبد الله بن شقيق. الرابع: الأعرج، عن أبي هريرة. رواه أبو الزناد، عن الأعرج، واختلف على أبي الزناد فيه: فرواه مالك، عن أبي الزناد بالسنة الفعلية، بلفظ: (أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات). رواه أحمد (١/ ٢٥٨) حدثنا إسماعيل بن عمر، قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج به، ومن طريق إسماعيل بن عمر رواه ابن الأعرابي في معجمه (١٠٧٣). ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٥١٨٦)، والطبراني في الدعاء (١٣٧٥) من طريق ابن وهب، عن مالك به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يدعو يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم … وذكر الحديث بالصيغة الفعلية. ورواه النسائي في المجتبى (٥٥١٤) من طريق ابن القاسم، عن مالك به، بلفظ: كان يدعو في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم … الحديث بالصيغة الفعلية. وهو في مسند الموطأ للجوهري (ص: ٤٥٠). وسليمان بن داود كما في حديث السراج (٦٣٦)، ومسنده (٨٣٠). وموسى بن عقبة كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥٠٥)، وفي الكبرى (٧٨٨٩)، كلاهما (سليمان بن داود وابن عقبة) عن أبي الزناد به، بالصيغة الفعلية. وسليمان بن داود وإن كان بغداديًّا فإن روايته عن أبي الزناد مستقيمة وسبق الكلام عليها، وموسى بن عقبة مدني، ورواية أهل المدينة عن أبي الزناد صحيحة، كيف وقد رواه مالك عنه بصيغة الخبر. تابع أبا الزناد من رواية مالك وموسى وسليمان عنه بالصيغة الفعلية تابعه عبد الله بن الفضل كما في مسند أحمد (٢/ ٢٨٨)، والسنة لابن أبي عاصم (٨٦٩) من طريق عبد الرحمن بن =
[ ١٠ / ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج به. وخالف سفيان بن عيينة، مالكًا وموسى بن عقبة، وسليمان بن دواد، فرواه عن أبي الزناد به بلفظ الأمر، وأظنه دخل على سفيان روايته عن ابن طاوس وعمرو بن دينار، كلاهما عن طاوس، عن أبي هريرة بصيغة الأمر، بروايته عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فإن سفيان كان تارة يقرنهما بلفظ واحد، وتارة يفرقهما. ورواه الحميدي في مسنده (١٠١٢)، ومن طريق الحميدي أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٣٠٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٨٩). ومحمد بن عباد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كما في صحيح مسلم (٥٨٨)، ولم يَسُقْ لفظه. وإبراهيم بن بشار الرمادي، كما في مستخرج أبي نعيم (١٣٠٤)، وإثبات عذاب القبر للبيهقي (١٨٩)، ومحمد بن ميمون كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٣)، وفي الكبرى (٧٨٩٧)، مقرونًا برواية سفيان عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة. ومحمد بن منصور كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٦)، وفي الكبرى (٧٩٠٢)، وأبو خيثمة (زهير بن معاوية) كما في مسند أبي يعلى (٦٢٧٩)، وقتيبة بن سعيد رواه النسائي في الكبرى (٧٦٧٥، ٧٨٩٢) عن سفيان وحده، ورواه في المجتبى (٥٥٠٨)، قال: حدثنا سفيان ومالك، بلفظ الأمر، ولا يعرف هذا اللفظ لمالك إنما يعرف من طريق سفيان، فحمل رواية مالك على رواية سفيان. وقد رواه ابن أبي عاصم في السنة (٨٧٢) حدثنا ابن مصفى، حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عيينة، عن أبي الزناد به، بلفظ: أن النبي ﷺ قال: أعوذ بالله من عذاب القبر. والمحفوظ من رواية سفيان أنه يرويه بصيغة الأمر. وابن مصفى هو محمد بن مصفى، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال صالح جزرة: كان مخلطًا، وأرجو أن يكون صادقًا، وقد حدث بأحاديث مناكير. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، وكان يدلس. الخامس: محمد بن زياد، عن أبي هريرة، رواه أحمد كما في المسند (٢/ ٤٦٩)، وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (١٤١٧)، حدثنا عبد الرحمن (هو ابن مهدي). ورواه أحمد أيضًا (٢/ ٤٨٢) حدثنا وكيع، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٦٥٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٩٤)، والشامخوي في أحاديثه (٢٩)، عن موسى بن إسماعيل، وقبيصة وحجاج كما في الفتن لحنبل بن إسحاق (١٥)، خمستهم رووه عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد به بلفظ: قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يتعوذ بالله من فتنة المحيا والممات، ومن عذاب القبر، ومن شر المسيح الدجال. بالصيغة الفعلية. =
[ ١٠ / ٥٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، واختلف على موسى: فرواه البخاري كما في الأدب المفرد (٦٥٧)، وعثمان بن سعيد الدارمي كما في إثبات عذاب القبر للبيهقي (١٩٤)، وأبو خليفة الجمحي كما في أحاديث الشاموخي (٢٩)، وصحيح ابن حبان (١٠١٨)، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة. كما في صحيح ابن حبان (١٠١٨) فروياه عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال. ورواه أبو خليفة الجمحي (الفضل بن الحباب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخليلي: احترقت كتبه، منهم من وثقه، ومنهم من تكلم فيه، وهو إلى التوثيق أقرب) كما في صحيح ابن حبان (١٠١٨). وعفان كما في مسند أحمد (٢/ ٤١٤)، روياه عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وعفان من أثبت أصحاب حماد، وقد تابعه أبو خليفة فإن لم يكن الوجهان محفوظين عن حماد فالحمل فيهما على حماد، فإنه قد تغير بآخرة، وقد تفرد به بالوجهين، وهو ثقة فيما يرويه عن ثابت وحميد الطويل وعمار بن أبي عمار، وصدوق في روايته عن غيرهم، وضعيف في بعض الرواة، سبق ذكرهم بالتفصيل فيما سبق، والله أعلم. السادس: مجاهد، عن أبي هريرة، كما في صحيح ابن حبان (١٠٠٢) بصيغة الخبر. وإسناده حسن. السابع: أبو علقمة، عن أبي هريرة، رواه شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، واختلف على شعبة. فرواه محمد بن جعفر كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٠)، وفي الكبرى (٧٨٩٤)، ومسند البزار (٩٦٧٦)، وعمرو بن مرزوق كما في مسند البزار (٩٦٧٧)، وإبراهيم بن مرزوق كما في مشكل الآثار (٣٩٣٤)، ثلاثتهم عن شعبة به، بصيغة الفعل. ورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، واختلف عليه فيه فرواه يونس بن حبيب كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٧٠١)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٢٩)، وعمار بن رجاء كما في مستخرج أبي عوانة (١٦٢٩)، وإبراهيم بن مرزوق كما في مسند البزار (٩٦٧٧)، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي به، بصيغة الخبر. فهؤلاء (محمد بن جعفر، وعمر بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي من رواية إبراهيم بن مرزوق، ويونس بن حبيب، وعمار بن رجاء عنه) رووه بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من خمس: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) بصيغة الخبر زاد بعضهم في أوله ما يتعلق بطاعة الأمير. =
[ ١٠ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خالفهم عبد الرحمن بن محمد بن سلام بن ناصح (لا بأس به) كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥٠٩)، وفي الكبرى (٧٨٩٣)، قال: حدثنا أبو داود به، وجمع بين الفعل والقول، (أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من خمس، يقول: عوذوا بالله من عذاب القبر وذكر الحديث. والجمع بين الفعل والقول تفرد به عبد الرحمن بن محمد. وأخشى أن يكون أخطأ فيه؛ لأن لفظ إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود: (كان يتعوذ من خمس يقول: أعوذ بالله من عذاب القبر …). فحول هذا إلى قوله: (عوذوا …). فتبين من هذا أن الراجح في رواية شعبة أن الرواية بصيغة الخبر، ولو خالف عبد الرحمن بن محمد بن سلام محمد بن جعفر وحده لرجح عليه، وهو من أثبت أصحاب شعبة، كيف وقد خالف كل من رواه عن شعبة. ورواه أبو الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله، عن يعلى بن عطاء، بلفظ الأمر واختلف على أبي الوليد الطيالسي في إسناده، وإن اتفقوا على لفظه: فرواه عبد بن حميد كما في المنتخب من إسناده (١٤٦٢)، عن أبي الوليد، عن أبي عوانة، عن يعلى، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، فذكر في أوله طاعة الأمير، ثم قال: استعيذوا بالله من خمس: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. بلفظ الأمر. ورواه النسائي في المجتبى (٥٥١١)، وفي الكبرى (٧٨٩٥) أخبرنا أبو داود (هو الحراني)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أبي علقمة به، فزاد في إسناده (عن أبيه) خالفه أبو عوانة الوضاح بن عبد الله كما في سنن النسائي (٥٥١١) فرواه عن يعلى بن عطاء به بلفظ: استعيذوا بالله من خمس الحديث. قال النسائي في الكبرى: هذا خطأ، والصواب: يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة. ورواية شعبة بصيغة الخبر أرجح من رواية أبي الوليد الطيالسي، والله أعلم. الثامن: سليمان بن سنان (مقبول)، عن أبي هريرة بالصيغة الفعلية. رواه النسائي كما في المجتبى (٥٥٢٠)، وفي الكبرى (٧٩٠٦) من طريق ابن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان المزني، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول في صلاته: اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن فتنة الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن حر جهنم. قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا الصواب. وأخرجه النسائي في المجتبى (٥٥١٥)، وفي الكبرى (٧٨٩٩) قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثنا القاسم بن كثير المقري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن يسار به. قال أبو عبد الرحمن النسائي في المجتبى: هذا خطأ، والصواب سليمان بن سنان. وقال في الكبرى: هذا خطأ، وينبغي أن يكون يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، وليس هذا من حديث سليمان بن يسار، والله هو الموفق وهو أعلم. اه =
[ ١٠ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التاسع: طاوس، عن أبي هريرة، بلفظ الأمر. رواه عن طاوس اثنان، عمرو بن دينار، وابن طاوس، تفرد بالرواية عنهما سفيان بن عيينة: أما رواية عمرو بن دينار، عن طاوس. فرواه محمد بن عباد كما في صحيح مسلم (١٣٢ - ٥٨٨). ومحمد بن ميمون كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٣)، وفي الكبرى (٧٨٩٧). والحميدي كما في مستخرج أبي نعيم على مسلم (١٣٠٤)، وإبراهيم بن بشار كما في مستخرج أبي نعيم على مسلم (١٣٠٤)، وإثبات عذاب القبر للبيهقي (١٨٩)، أربعتهم، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، بلفظ الأمر، بلفظ: قال: قال رسول الله ﷺ: عوذوا بالله من عذاب الله، عوذوا بالله من عذاب القبر، عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات. وأما رواية ابن طاوس، عن أبيه. فرواها الحميدي في مسنده (١٠١٠)، ومن طريقه أبو نعيم في مستخرجه (١٣٠٥). وإبراهيم بن بشار الرمادي كما في مستخرج أبي نعيم (١٣٠٥) ومحمد بن عباد كما في صحيح مسلم (٥٨٨)، ثلاثتهم عن سفيان عن ابن طاوس، عن أبيه به، بمثله. فهذا سفيان إن روى الحديث عن أبي الزناد، عن الأعرج رواه بلفظ الأمر، مخالفًا لمالك، وموسى بن عقبة، وسليمان بن داود. وإن رواه عن عمرو بن دينار، أو عن ابن طاوس، عن طاوس عن أبي هريرة، رواه بلفظ الأمر، ورواية طاوس، عن أبي هريرة بلفظ الأمر أرجح من روايته عن أبي الزناد، لأمرين: الأول: أن طاوسًا نفسه يرى وجوب الاستعاذة من الأربع، فقد يكون ذهب إلى الوجوب استدلالًا بروايته. ولأن الرواية عن طاوس، عن أبي هريرة لم يختلف على سفيان فيها، بل تفرد سفيان برواياتها، بخلاف روايته عن أبي الزناد، فقد خالفه فيها ثلاثة على رأسهم مالك بن أنس. والله أعلم. وقد خالف سفيان بن عيينة محمد بن عبد الله بن طاوس، فرواه عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس بصيغة الخبر. رواه أبو داود في السنن (٩٨٤) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩) ح ١٠٩٣٩، والبزار في مسنده (٤٨٩٣) من طريق عمر بن يونس اليمامي، حدثني محمد بن عبد الله بن طاوس به، بلفظ: عن النبي ﷺ أنه كان يقول بعد التشهد: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جنهم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. هذا لفظ أبي داود. ولم يذكر البزار قيد التشهد. ومحمد بن عبد الله بن طاوس ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره، وهو محفوظ من رواية طاوس، عن ابن عباس، وسوف أسوقه دليلًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى. العاشر: أبو صالح، عن أبي هريرة، بلفظ الأمر. =
[ ١٠ / ٥٧٨ ]
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ: (فليتعوذ بالله من أربع)، فهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وقوله: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر). مفهومه اختصاص هذا الدعاء بالتشهد الأخير.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن أكثر الرواة رووه بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر …)، وهو الموافق لحديث عائشة في الصحيحين، ونحوه حديث ابن عباس في مسلم.
الجواب الثاني:
لو قدر أن الأمر بالتعوذ محفوظ، فالشرط في دلالة الأمر على الوجوب ألا يوجد قرينة تصرفه إلى الاستحباب، وقد وجد ما يصرف الأمر عن الوجوب، كما في حديث ابن مسعود ﵁، فإنه بعد ما ذكر التشهد، قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو)، فلم يذكر الصلاة على النبي ﷺ، ولم يذكر التعوذ بالله من الأربع، فدل على أن الأمر للاستحباب، وسيأتي ذكر الحديث تامًّا في أدلة الجمهور إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنذر: «لولا خبر ابن مسعود لكان هذا يجب؛ لأن النبي ﷺ أمر به» (^١).
وعلى التسليم بأن الأمر لا صارف له عن الوجوب فالحديث لا يدل على أن
_________________
(١) = رواه أبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٢٠٢٧، ٢٩١٣٦)، والأدب المفرد للبخاري (٦٤٨)، وسنن الترمذي (٣٦٠٤)، ومسند البزار (٩١٣٤). وهدبة بن المنهال كما في الدعاء للطبراني (١٣٧٦)، وفضيل بن عياض كما في حلية الأولياء (٨/ ١١٨). وعبد الرحمن بن مَغْرَاء الدوسي، كما في إثبات عذاب القبر للبيهقي (١٩٣)، وأبو عوانة كما في فوائد أبي بكر بن القاسم المطرز وأماليه (٩٧)، كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح به، بلفظ الأمر: (تعوذوا بالله من جهنم، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، تعوذوا بالله من فتنة المحيا والممات).
(٢) الأوسط (٣/ ٢١٤).
[ ١٠ / ٥٧٩ ]
الاستعاذة فرض إلا إن قصدوا بالفرض الواجب، أما الركنية فهي قدر زائد على دلالة الوجوب، فيحتاج القول بها إلى دليل على انتفاء صحة الصلاة بتركها، ولم يوجد، أو يوجد إجماع على بطلان الصلاة بتركها ولو سهوًا، فالقول ببطلان الصلاة أو وجوب إعادتها بمطلق الترك لا تساعد عليه دلالة الأمر بها لو كان محفوظًا، وسلم من قرينة صارفة عن الوجوب إلى الاستحباب، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٩٧) ما رواه مسلم من طريق مالك بن أنس، فيما قرئ عليه، عن أبي الزبير، عن طاوس،
عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات (^١).
• ويناقش:
بأن التشبيه لا يقتضي الوجوب؛ ذلك لأن تعليم السورة من القرآن ليس واجبًا، فكذلك هنا، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب، لورود هذه الصيغة بما هو مجمع على عدم وجوبها.
(ح-١٩٩٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن (^٢).
والمقصود من التشبيه الحرص على التقيد بلفظ التشهد من غير زيادة ولا نقص ولا استبدال ألفاظه بأخرى، وهذا لا يدل على الوجوب؛ لأن كل ذكر مقيد لا يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على التكبير في الصلاة وأدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر المطلق؛ لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي
_________________
(١) صحيح مسلم (١٣٤ - ٥٩٠).
(٢) صحيح البخاري (٢/ ٥٧).
[ ١٠ / ٥٨٠ ]
أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت، ولم يقبل منه الرسول ﷺ استبدال الرسول بالنبي.
قال الزرقاني: «(كما يعلمهم السورة من القرآن) تشبيه في تحفيظ حروفه، وترتيب كلماته، ومنع الزيادة والنقص منه، والدرس له، والمحافظة عليه» (^١).
• دليل من قال: يستحب التعوذ بالله من الأربع:
الدليل الأول:
(ح-١٩٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ … وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يأمره بالاستعاذة من الأربع، فدل على أن ذلك ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود، والاعتدال منهما، وقد طلب الصحابي من النبي ﷺ تعليمه الصلاة، فخرج الحديث مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
الدليل الثاني:
(ح-٢٠٠٠) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،
عن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ: لا تقولوا السلام على
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٥٢).
(٢) صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).
[ ١٠ / ٥٨١ ]
الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^١).
ورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل،
عن عبد الله ﵁، قال: كنا نقول في الصلاة: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا النبي ﷺ ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله -إلى قوله- الصالحين، فإذا قالها أصاب كل عبد لله في السماء والأرض صالح، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الثناء ما شاء (^٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ بعد أن ذكر التشهد (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه)، ولم يذكر له الاستعاذة من الأربع، فدل ذلك على سنية الدعاء بعد التشهد، ومنه الاستعاذة بالله من الأربع؛ إذ لو كان من الواجبات لم يترك الأمر لاختيار المصلي.
قال ابن المنذر: «لولا خبر ابن مسعود لكان هذا يجب؛ لأن النبي ﷺ أمر به» (^٣).
الدليل الثالث:
(ح-٢٠٠١) روى البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرنا عروة بن الزبير،
عن عائشة، زوج النبي ﷺ، أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم.
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).
(٢) صحيح البخاري (٦٣٢٨)، وصحيح مسلم (٥٥ - ٤٠٢).
(٣) الأوسط (٣/ ٢١٤).
[ ١٠ / ٥٨٢ ]
فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف (^١).
وجه الاستدلال على الاستحباب:
المحفوظ من أحاديث الاستعاذة بالله من أربع أنها نقلت إلينا من السنة الفعلية، كما في حديث عائشة، وأكثر الرواة من حديث أبي هريرة، وأفعال الرسول ﷺ على الاستحباب.
الدليل الرابع:
(ح-٢٠٠٢) ما رواه أحمد من طريق حيوة، قال: أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك الجنبي حدثنا،
أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ يقول: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ﷿، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: عجل هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليُصَلِّ على النبي، ثم ليدع بعد بما شاء (^٢).
[صحيح] (^٣).
وجه الاستدلال:
قال النبي ﷺ، (ثم ليدع بعد بما شاء) بعد الثناء على الله والصلاة على النبي ﷺ، ولم يأمره بالاستعاذة من الأربع.
الدليل الخامس:
(ح-٢٠٠٣) ما رواه أحمد من طريق زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن بعض أصحاب النبي ﷺ، قال: قال النبي ﷺ لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ: حولها ندندن (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٣٢)، وصحيح مسلم (١٢٩ - ٥٨٩).
(٢) المسند (٦/ ١٨).
(٣) سبق تخريجه، انظر: (ح-١٩٧٥).
(٤) المسند (٣/ ٤٧٤).
[ ١٠ / ٥٨٣ ]
[صحيح] (^١).
الدليل السادس:
(ح-٢٠٠٤) روى الدارقطني في السنن ومن طريقه البيهقي من طريق شبابة ابن سوار، عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال:
أخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (^٢).
[صحيح] (^٣).
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث بعد أن ذكر ابن مسعود التشهد مرفوعًا، قال عبد الله موقوفًا عليه: (فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة، فإذا شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد).
فدل على أن الاستعاذة من الأربع ليست واجبة. والله أعلم.
• دليل من قال: الاستعاذة في التشهدين فرض:
(ح-٢٠٠٥) ما رواه مسلم من طريق وكيع، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان ابن عطية، عن محمد بن أبي عائشة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله
_________________
(١) رواه معاوية بن عمرو كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧٤). وحسين بن علي الجعفي كما في سنن أبي داود (٧٩٢)، كلاهما عن زائدة به، وإسناده صحيح، ويحتمل أن يكون الصحابي الذي أبهم هو جابر بن عبد الله، وقد سبق لي تخريجه من مسنده، انظر: (ح-١٤٦٠).
(٢) رواه الدارقطني في السنن (١٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٨).
(٣) سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ح-١٩٥٦).
[ ١٠ / ٥٨٤ ]
من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال (^١).
[سبق تخريجه في أدلة القول الأول، والجواب عنه].
وجه الاستدلال:
قوله ﵇ (إذا تشهد أحدكم فليستعذ) عام في التشهد الأول والأخير.
قال ابن دقيق العيد: فمن خصه فلا بد له من دليل راجح. وإن كان نصًّا فلا بد من صحته. والله أعلم» (^٢).
• ويناقش:
من قال بأن الاستعاذة مشروعة في التشهد الأول، ولا يكفي لاعتماد القول النظر إلى دلالة اللفظ بمعزل عن فهم السلف، فلئن كان لابن حزم سلف بالقول بالوجوب، وهو رواية عن أحمد، وظاهر فعل طاوس، فأين السلف له بالقول بمشروعيته في التشهد الأول، ولقد كنت في يوم من الأيام أرى أن مذهب الظاهرية كغيره من المذاهب حتى رأيت طريقتهم في الاستدلال، وعدم اهتمامهم بفهم السلف، ولو تبنوا أقوالًا شاذة، والاعتماد على دلالة اللفظ فقط، وقد ناقشت هذه المسألة في مسائل كثيرة مرت في البحث.
• الراجح:
أن الاستعاذة مستحبة، والقول بالوجوب أو بالركنية قول ضعيف جدًّا مع شذوذه، ومخالفته لمذهب الأئمة الأربعة، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح مسلم (١٢٨ - ٥٨٨).
(٢) إحكام الأحكام (١/ ٣١٢).
[ ١٠ / ٥٨٥ ]