المدخل إلى المسألة:
• كل فراش لا إسراف فيه ولا مخيلة، ولا يشغل المصلي بزخرفته فالصلاة عليه جائزة.
• لا يحفظ قول بتحريم الصلاة على البسط إذا كان منفصلًا عن المصلي.
• كراهة الصلاة على الفرش قول ضعيف؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل.
[م-٦٧٩] اتفق الفقهاء على جواز السجود على حائل لدفع شدة حر أو شدة برد أو خشونة أرض أو جرح بجبهة ونحوها.
واختلفوا في حكمه إذا كان لغير حاجة:
فقيل: يجوز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).
قال في البحر الرائق: «لو سجد على حائل بينه وبين الأرض منفصل عنه فإنه
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٣٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، المبسوط (١/ ٢٠٥، ٢٠٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٠)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، فتح العزيز (٣/ ٤٦٢، ٤٦٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٠)، أسنى المطالب (١/ ١٦١)، المجموع (٣/ ٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٧)، كشاف القناع (١/ ٣٥٢، ٣٥٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٥١).
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
يصح بالأولى كالسجادة والحصير» (^١).
وقال ابن رجب في شرح البخاري:: «تجوز الصلاة على غير جنس ما ينبت من الأرض: كالصوف والجلود، ورخص في الصلاة على ذلك أكثر أهل العلم، وقد روي معناه عن: عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وابن عباس، وأنس، وروي عن ابن مسعود، وضعف الرواية في ذلك عنه الإمام أحمد، وهو قول أكثر العلماء بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد» (^٢).
وقال المالكية: يكره على ثوب أو بساط، إلا أن يكون معدًّا لفرش المسجد موقوفًا عليه، أو كان السجود على ما تنبته الأرض مما لا رفاهية فيه ولا زينة كالحصير والخمرة، فلا بأس بالسجود عليه، وتركه أحسن (^٣).
• دليل من قال بالجواز مطلقًا:
الدليل الأول:
الأصل الجواز، وعدم الكراهة، ولم يحفظ في النصوص نهي عن السجود على البسط والفرش، وكل فراش لا إسراف فيه ولا مخيلة فالصلاة عليه جائزة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فَأُصَلِّيَ لكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسوَدَّ
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٣٣٧).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٥).
(٣) الشرح الكبير للشيخ الدردير (١/ ٢٥٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٦)، الخرشي (١/ ٢٩٠)، منح الجليل (١/ ٢٦٨)، لوامع الدرر هتك أستار المختصر (٢/ ١٦٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٤)، الثمر الداني (ص: ١١١)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٨٤)، النوادر والزيادات (١/ ٢٢٤).
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
من طول ما لُبِسَ، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (^١).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٨٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: حدثنا أبو سعيد الخدري، أنه دخل على رسول الله ﷺ، فوجده يصلي على حصير يسجد عليه (^٢).
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم إلا أن قومًا من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحبابًا (^٣).
الدليل الرابع:
(ح-١٨٨٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن عائشة زوج النبي ﷺ، أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي، في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح (^٤).
وجه الاستدلال:
قال ابن رجب: «إن عائشة ﵂ كانت تنام على فراش النبي ﷺ الذي ينام هو وعائشة عليه، وكان يقوم فيصلي من الليل، وهي نائمة معترضة بين يديه على الفراش، وكانت رجلاها في قبلته، فإذا أراد أن يسجد غمزها فقبضت رجلها ليسجد في موضعها، وهذا يدل على أنه كان يسجد على طرف الفراش الذي كانت نائمة عليه، وكانت رجلاها عليه، والله أعلم …» (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٨٠)، صحيح مسلم (٢٦٦ - ٦٥٨).
(٢) صحيح مسلم (٢٧١ - ٦٦١).
(٣) سنن الترمذي (١/ ٤٣٤).
(٤) صحيح البخاري (٣٨٢)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٥١٢).
(٥) شرح البخاري لابن رجب (٣/ ٢٧).
[ ١٠ / ٣٥١ ]
الدليل الخامس:
(ث-٤٥٤) روى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن توبة، عن عكرمة ابن خالد، عن عبد الله بن عامر قال:
رأيت عمر بن الخطاب: يصلي على عبقري، قلت: ما العبقري؟ قال: لا أدري (^١).
[صحيح] (^٢).
والعبْقَري: الوَشْيُ، منسوبٌ إلى عَبْقَرَ، قريةٍ باليَمن.
وكلُّ جَيِّدٍ عَبْقَرِي.
ورجل عَبْقَرِيٌّ: ليس فوقه شيء (^٣).
فظهر أنها من فرش الزينة.
ولذلك قال ذو الرمة يذكر ألوان الرياض:
حتى كأن رياض القف ألبسها … من وَشْىِ عَبْقَرَ تجليل وتنجيد (^٤).
• دليل من قال: يكره الصلاة على غير ما ينبت على الأرض مما فيه رفاهية:
الدليل الأول:
(ح-١٨٨٨) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير، قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (^٥).
وجه الاستدلال:
استدل به الهادي على كراهة ما ليس من الأرض بناء على أن لفظ الأرض ذكر
_________________
(١) المصنف (١٥٤٠).
(٢) الأوسط (٥/ ١١٥).
(٣) المنجد في اللغة (ص: ٢٦١).
(٤) غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٨٧).
(٥) صحيح البخاري (٣٣٥)، وصحيح مسلم (٣ - ٥٢١).
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
على سبيل الامتنان، فكما لا يتيمم بغير الأرض فلا يصلي على شيء من الثياب ونحوها مما لا تنبته الأرض (^١).
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
هذا الاستدلال يقتضي أن الصلاة على الأرض شرط، ولا قائل به، فلما كرهوا الصلاة على الثياب دل على صحة الصلاة عليها، وإنما كرهت الصلاة على الثياب لأن فيها توسعًا بالترفه، وهو منافٍ لكمال التذلل والخضوع والمسكنة.
قال الشوكاني في الجواب على هذا الاستدلال: «التنصيص على كون الأرض مسجدًا لا ينفي كون غيرها مسجدًا بعد تسليم عدم صدق مسمى الأرض على البسط على أن السجود على البسط ونحوها سجود على الأرض كما يقال للراكب على السرج الموضوع على ظهر الفرس راكب على الفرس، وقد صح أن رسول الله ﷺ صلى على البسط، وهو لا يفعل المكروه» (^٢).
الجواب الثاني:
أجاز المالكية الصلاة على الفرش المعدة للمسجد كالموقوفة عليه، وهذه ليست مما تنبته الأرض، وإذا جاز على الموقوفة جاز على المملوكة، فالوقف لا علاقة له بالصلاة، وإنما تعلقه بالملكية، ومحلها الذمة.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو حمزة، عن أبي صالح،
أن أم سلمة، رأت نسيبًا لها ينفخ إذا أراد أن يسجد، فقالت: لا تنفخ، فإن رسول الله ﷺ قال لغلام لنا يقال له: رباح: ترب وجهك يا رباح (^٣).
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار (٢/ ١٤٨).
(٢) نيل الأوطار (٢/ ١٤٨).
(٣) المسند (٦/ ٣٢٣).
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
[ضعيف] (^١).
_________________
(١) فيه علتان: الأولى: مدار هذا الإسناد على أبي صالح، وفيه جهالة، قيل: مولى طلحة بن عبيد الله، وقيل: مولى أم سلمة، وقد سماه المغيرة بن مسلم السراج عند الطبراني ب (زاذان). العلة الثانية: الاختلاف في إسناده. فرواه حماد بن سلمة، واختلف عليه فيه: فرواه كامل بن طلحة الجحدي (لا بأس به كان أحمد يثني عليه ورمى أبو داود بكتبه)، كما في مسند أبي يعلى (٦٩٥٤) حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح. ولم يتابع كامل بن طلحة في جعل الحديث من رواية عاصم، عن أبي صالح. وخالفه عفان بن مسلم، وهو أوثق منه كما في مسند أحمد (٦/ ٣٢٣)، وموسى بن إسماعيل كما في معرفة الصحابة لابن منده (ص: ٦٢٤)، كلاهما عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو حمزة، عن أبي صالح أن أم سلمة … وذكر الحديث. ولم ينفرد به حماد بن سلمة من هذا الوجه، بل تابعه عليه كل من: أبي الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦٥٤٩). وزائدة بن قدامة كما في مسند إسحاق بن راهويه (١٩٠٤)، ومستخرج الطوسي (٢٢١ - ٣٥٣)، ومستدرك الحاكم (١٠٠١)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٥٨)، وعباد بن العوام كما في سنن الترمذي (٣٨١)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٥٢)، وعبد الوارث بن سعيد، كما في الكنى والأسماء للدولابي (٨٨٨). ويزيد بن زريع كما في مستخرج الطوسي (٢٢٠ - ٣٥٢)، وحماد بن زيد كما في سنن الترمذي (٣٨٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٢٤) ح ٧٤٢، كلهم عن ميمون أبي حمزة (ضعيف)، عن أبي صالح، عن أم سلمة. ورواه المغيرة بن مسلم السراج (لا بأس به)، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٩٤) ح ٩٤٢، عن ميمون، عن زاذان، قال: رأت أم سلمة … وذكر الحديث، وقد انفرد بقوله: زاذان، فربما كان هذا اسم أبي صالح مولى أم سلمة. قال الترمذي: «وحديث أم سلمة إسناده ليس بذاك، وميمون أبو حمزة قد ضعفه بعض أهل العلم». قلت: لم ينفرد به أبو حمزة، تابعه اثنان. الأول: سعيد أبو عثمان الوراق (فيه جهالة) كما في مسند أحمد (٦/ ٣٠١)، عن أبي صالح، قال: دخلت على أم سلمة … وذكر الحديث. الثاني: داود بن أبي هند (ثقة) كما في صحيح ابن حبان (١٩١٣)، ومسند الشاميين للطبراني (١٩٠٣)، عن أبي صالح، مولى آل طلحة بن عبيد الله، قال: كنت عند أم سلمة … فذكر نحوه، فجعل أبا صالح مولى آل طلحة، ولم يتابع داود بن أبي هند على نسبته.
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
• ويجاب:
لا يفهم من قوله: (ترب وجهك) اشتراط التراب، لجواز الصلاة على السفينة والحصر، وإنما أنكر عليه النبي ﷺ نفخ التراب وهو في الصلاة كراهة أن يتعفر وجهه به، فقال له: ترب وجهك، وليس فيه النهي عن الصلاة على الفرش.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٩٠) ما رواه ابن أبي شيبة في مسنده كما في المطالب العالية، قال: حدثنا يزيد بن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه،
عن شريح أنه سأل عائشة ﵂ أكان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير فإني سمعت في كتاب الله ﷿ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قالت عائشة ﵂ لا لم يكن رسول الله ﷺ يصلي عليه.
[شاذ انفرد به يزيد بن المقدام، وهو لا بأس به، فلا يقوى على معارضة
_________________
(١) = وعلته أبو صالح مولى أم سلمة، قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام منتقدًا عبد الحق الإشبيلي في تضعيفه الحديث بميمون أبي حمزة، وعدم تضعيفه الحديث بأبي صالح، فقال: (٣/ ٢٥٥): «اعتراه فيه ما يعتري أكثر الناظرين فيه ما لم يحققوا، وذلك أنهم يظنونه أبا صالح: ذكوان السمان، الثقة المأمون، وليس به، إنما هو ذكوان مولى أم سلمة، وقد بين ذلك ابن الجارود في كتاب (الكنى)، ذكر أبا صالح ذكوان السمان، ثم ذكر بعده أبا صالح ذكوان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، روى عنه ميمون أبو حمزة. فإذا الأمر فيه هكذا، فأبو صالح هذا مجهول الحال، ولا أعلم له غير هذا». وجهله الذهبي في الديوان، وقال في الميزان: لا يعرف، ولعله ذكوان السمان، لا، بل هو ذكوان مولى لأم سلمة. اه وقد روي بإسناد أصح من هذا، فأخرجه النسائي كما في تحفة الأشراف (١٣/ ٣٠)، عن الحسين بن عيسى البسطامي، عن أحمد بن أبي طيبة وعفان بن سيار، كلاهما عن عنبسة بن الأزهر، عن سلمة بن كهيل، عن كريب مولى ابن عباس، عن أم سلمة، قالت: مرَّ النبي ﷺ بغلام لنا يقال له: رباح، وهو يصلي، فنفخ، فقال: ترب وجهك. وسنده حسن. أحمد بن أبي طيبة (صدوق له أفراد)، وعفان بن سيار (صدوق يهم)، وعنبسة ابن الأزهر (صدوق ربما أخطأ) وباقي رجاله ثقات.
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
أحاديث الصحيحين من أحاديث الثقات] (^١).
• الراجح:
الذي لا شك فيه جواز الصلاة على كل حائل منفصل مما لا إسراف فيه ولا مخيلة، ولا زخرفة يمكن أن تشغل المصلي عن الخشوع وتدبر ما يقرأ. والله أعلم.
_________________
(١) ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٤٤٨). قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٢٥٦): «وهذا غريب جدًا، ويزيد بن المقدام: قال أبو حاتم: يكتب حديثه». وأكثر المفسرين فسروا الآية بأن الحصير في الآية بمعنى الحصر والحبس قال تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي أي حبستم. وعلى تقدير أن يكون الحصير هو الفراش، وأن المعنى وجعلنا جهنم للكافرين فراشًا أيعني هذا كراهة الفرش في الدنيا، فالكفار لهم شراب في جهنم، ولباس، ومهاد، ولا يعني كراهة شراب الدنيا، ولباسها، ومهادها لمطلق التسمية.
[ ١٠ / ٣٥٦ ]