المدخل إلى المسألة:
• التشهد الأول مبناه على التخفيف.
• إذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي ﷺ ولا التعوذ من الأمور الأربعة.
• تشرع الصلاة على النبي ﷺ حيث يشرع الدعاء بعدها، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح.
• تعليم التسليم على النبي ﷺ سابق لتعليم الصلاة عليه ﷺ كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة.
• لم يصح حديث في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وحديث عائشة في الباب في النفل حديث شاذ.
• قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقواعد أغلبية يدخلها الاستثناء.
• لا يوجد حديث واحد، ولو ضعيفًا يذكر أن النبي ﷺ كان يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول في الفرض، ولو فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، ولو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا، كما لم يحفظ ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم.
• الفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد، فكان عدم نقل الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول في الفرض بمنزلة نقل العدم.
[ ١٠ / ٥١٢ ]
• لو فرض صحة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول في النفل فإن ذلك يدل على جوازه في الفريضة، لا على استحبابه فيها؛ لأنه لو كان مستحبًّا فيها لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل.
[م-٧٠٤] يتفق العلماء على أن التشهد الأول لا تجب فيه الصلاة على النبي ﷺ (^١)؛ لأن التشهد الأول مبناه على التخفيف، واختلفوا في مشروعيتها،
فقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي (^٢).
قال الدسوقي: «تكره -يعني الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول» (^٣).
وقال البغوي: «وأما الصلاة على النبي ﷺ فعامة العلماء على أن التشهد الأول ليس محلًّا لها » (^٤).
وقال المرداوي: «ظاهر قوله: (هذا التشهد الأول) أنه لا يزيد عليه، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الجمهور، ونص أحمد أنه إن زاد أساء» (^٥).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ت سلامة (٦/ ٤٧١)، وانظر: فتح الباري (١١/ ١٦٦).
(٢) قال في الدر المختار (ص: ٧١): «(ولا يزيد) في الفرض (على التشهد في القعدة الأولى) إجماعًا (فإن زاد عامدًا كره)». قال ابن عابدين في حاشيته عليه (١/ ٥١٠): «والكراهة عند الإطلاق للتحريم». وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ١٣٧)، المبسوط (١/ ٢٩)، البحر الرائق (١/ ٣٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٥)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢)، منح الجليل (١/ ٢٦٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٨)، وانظر القول القديم للشافعي في التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٧٠)، التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص: ٤٤٤)، المجموع (٣/ ٤٦٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٣)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٦١)، المهمات (٣/ ٩). وانظر قول الحنابلة: المغني (٢/ ٢٤)، الإنصاف (٢/ ٧٦)، الإقناع (١/ ١٢٣)، كشاف القناع (١/ ٣٥٩)، مختصر الخرقي (ص: ٢٣).
(٣) حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢).
(٤) شرح السنة للبغوي (٣/ ١٨٥).
(٥) الإنصاف (٢/ ٧٦).
[ ١٠ / ٥١٣ ]
وقيل: يستحب، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قال ابن حزم، واختاره من الحنابلة ابن هبيرة والآجري (^١).
• دليل من قال: تستحب:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وجه الاستدلال:
دلت الآية على أنه متى شرع السلام على النبي ﷺ شرعت الصلاة عليه، ولا يختلف العلماء في مشروعية السلام على النبي ﷺ في التشهد الأول، فكذلك الصلاة على النبي ﷺ.
وقد صرح النووي في الأذكار وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن التسليم، واستدل بورود الأمر بهما معًا في الآية.
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول:
لا يسلم القول بكراهة إفراد التسليم عن الصلاة من الآية، قال ابن حجر: «لو صلى في وقت وسلَّم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلًا» (^٢).
ولو سلم بأن الآية تدل على استحباب جمع الصلاة بالتسليم فلا يدل الترك على الوقوع بالمكروه؛ لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة الشرعية: ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولا يحفظ نهي عن إفراد أحدهما، إلا أن يكون عنى النووي بالكراهة ما هو خلاف الأولى.
(ح-١٩٦٢) وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي صلى الله عليه
_________________
(١) الأم (١/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣/ ٥٠٦)، المجموع (٣/ ٤٦٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٨١)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٧٠)، التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص: ٤٤٤)، الإنصاف (٢/ ٧٧).
(٢) فتح الباري (١١/ ١٦٧).
[ ١٠ / ٥١٤ ]
وسلم يقول: صلوا عَلَيَّ، فإنه من صلى عَلَيَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا (^١).
فلو كانت الصلاة قرينة التسليم لذكرت في الحديث.
ولو سلم القول بالكراهة فإنه يصدق على من لا يسلم أصلًا، وليس على من صلى في محلٍّ، وسَلَّم في محلٍّ آخر، فإنه يصدق عليه أنه صلى وسلم على النبي ﷺ.
الوجه الثاني:
الاستدلال بدلالة الاقتران على مشروعيتهما مقترنين دلالة ضعيفة، فالواو من حيث دلالتها اللغوية لا تفيد اقترانًا، ولا ترتيبًا ولذلك ذكرت الصلاة قبل السلام، وهو خلاف المشروع في الصلاة.
والأمر بالصلاة والسلام على النبي ﷺ في الآية مطلق، فمن صلى وسَلَّم، ولو مرة واحدة فقد امتثل الأمر، سواء أكانا مقترنين أم كانا متفرقين، وسواء أكان ذلك داخل الصلاة أم كان ذلك خارجها، وطلب الفعل يحصل به الامتثال مرة واحدة، والتكرار يحتاج إلى دليل، ومن ادعى أن الآية يستفاد منها محل الصلاة والتسليم فقد تكلف.
كما لا يلزم من اقترانهما في الآية تساويهما في الحكم،
قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأكل مباح، وإتيان الحقوق واجب.
الوجه الثالث:
أن التسليم جزء من التشهد، لا ينفك عنه، وهو مشروع في القعدة الأولى بالإجماع، وإذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي ﷺ ولا التعوذ بالله من الأمور الأربعة، ولذلك كان تعليم التسليم سابقًا لتعليم الصلاة على النبي ﷺ كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة الآتي إن شاء الله تعالى، وإنما ارتبطت الصلاة على النبي ﷺ في التشهد حيث يشرع الدعاء لكون الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء من أسباب الاستجابة، والدعاء لا يشرع إلا في التشهد الأخير أي في دبر الصلاة فكذلك الصلاة على النبي ﷺ؛ لأن التشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه مبني على التخفيف بخلاف التشهد الأخير حيث فتح للمصلي أن يتخير من الدعاء أعجبه إليه
_________________
(١) رواه مسلم (١١ - ٣٨٤) من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو.
[ ١٠ / ٥١٥ ]
بعد أن يتشهد ويصلي على النبي ﷺ.
ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم ليدع بعد بما شاء (^١).
(ث-٤٧٦) وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة،
عن عبد الله، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو لنفسه (^٢).
فذكر الصلاة على النبي ﷺ في مقدمة الدعاء، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه كما قلت مبني على التخفيف،
وقد قال النووي في الأذكار: «أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ (» (^٣)، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٦٣) ما رواه أبو عوانة، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام قال:
انطلقت إلى ابن عباس فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؟ قلت: من؟ قال: عائشة … وذكر الحديث، قال سعد بن هشام: قلت يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ، فقالت: كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيه ﷺ، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا الحديث (^٤).
_________________
(١) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، انظر: (ح-١٩٧٥).
(٢) المصنف (٣٠٢٦).
(٣) الأذكار ت الأرنؤوط (ص: ١١٧).
(٤) مستخرج أبي عوانة (٢٢٩٥).
[ ١٠ / ٥١٦ ]
ورواه النسائي من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة به، وفيه:
(… ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ، ويدعو … الحديث (^١).
وجه الاستدلال:
في حديث عائشة ﵂ ذكرت تشهدين أحدهما في الركعة الثامنة، حيث تشهد، وصلى على النبي ﷺ،، ثم جلس في التاسعة للتشهد الأخير، فدل على صحة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن ذكر الصلاة على النبي ﷺ في الثامنة شاذ (^٢).
_________________
(١) المجتبى من سنن النسائي (١٧٢٠).
(٢) جاء ذكر الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام بن عامر، عن عائشة، وهذه الرواية شاذة لأمرين: الأمر الأول: مخالفة سعيد بن أبي عروبة لأصحاب قتادة، فقد رواه هشام الدستوائي، وشعبة، وهمام بن يحيى وأبو عوانة، ومعمر، خمستهم رووه عن قتادة فلم يذكروا الصلاة على النبي في التشهد الأول. الأمر الثاني: مع تفرد سعيد بن أبي عروبة بذكر الصلاة على النبي ﷺ، فقد اختلف عليه فيها، فرواه محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة واختلف على ابن بشر: فرواه الحسن بن علي بن عفان (صدوق) كما في مستخرج أبي عوانة تامًّا (٢٢٩٥، ٢٠٦٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢٥٣٧)، وفي السنن الكبرى مختصرًا (١/ ٦٣، ٥٢٧)، وكذا في دلائل النبوة مختصرًا (١/ ٣٠٨)، وفي القراءة خلف الإمام مختصرًا (١)، عن محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة به، وفي رواية أبي عوانة والخلافيات للبيهقي الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول. وقد خالفه من هو أحفظ منه، خالفه أبو بكر بن أبي شيبة، كما في سنن ابن ماجه (١١٩١، ١٣٤٨)، وهو في صحيح مسلم (٧٤٦) إلا أنه لم يَسُقْ لفظه، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم وقرنه برواية غيره (١٦٩٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٧٠٣) وقرنه برواية الحسن بن علي بن عفان، وقدم لفظه على لفظ ابن أبي شيبة. =
[ ١٠ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعثمان بن أبي شيبة مختصرًا، كما في سنن أبي داود (١٣٤٤)، ومسائل أحمد رواية أبي داود (١٩٦٧)، كلاهما روياه عن محمد بن بشر به، ورواية أبي بكر بن أبي شيبة تامة في سنن ابن ماجه، وليس فيها ذكر للصلاة على النبي ﷺ، وابن أبي شيبة مقدم على الحسن بن علي بن عفان، لأن الثاني كما علمت صدوق، إشارة إلى خفة ضبطه بخلاف أبي بكر بن أبي شيبة، والله أعلم. تابع عبدة بن سليمان محمد بن بشر في إحدى روايتيه، رواه النسائي في المجتبى (١٧٢٠)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨)، قال: أخبرنا هارون بن إسحق، عن عبدة، عن سعيد به، ولفظه: أن عائشة قالت: كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله ﷿ لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ، ويدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد. وهذا لفظ النسائي، ولم يذكر ابن خزيمة الصلاة في الثامنة ولعله بسبب أنه قرنه برواية غيره. وقد رواه تامًا عن سعيد بن أبي عروبة كل من يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي، فلم يذكروا الصلاة على النبي ﷺ، ويحيى بن سعيد القطان سماعه قديم، ومن أصحاب سعيد بن أبي عروبة، مقدم فيه عند الاختلاف. كما رواه مختصرًا ومقطعًا جماعة من أصحاب سعيد، منهم يزيد بن زريع، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن سواء، وبشر بن المفضل، وشجاع بن الوليد، والمطعم ابن المقدام، وعيسى بن يونس، رووه عن سعيد بن أبي عروبة، وليس فيه موضع الشاهد لأتبين هل يوافقون أو يخالفون من زاد هذا الحرف، وإليك تخريج مروياتهم. فرواه يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٦/ ٥٣)، سنن أبي داود (١٣٤٣)، والنسائي في المجتبى (١٦٠١، ١٣١٥)، وفي الكبرى (١٢٣٩، ١٢٩٦)، وابن خزيمة (١٠٧٨، ١١٢٧، ١١٧٠)، وابن حبان (٢٤٤١)، والحاكم في المستدرك (٤٢٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٦٩٠) قال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٢/ ٣٣٨): «حدثني أبي -يعني الإمام أحمد - قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: يحيى بن سعيد عالم بحديث سعيد بن أبي عروبة». اه. وخالد بن الحارث، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٧١٨)، وفي الكبرى (١٤١٢، ٤٢٤، ١٤١٨، ١١٥٦٣). وابن أبي عدي كما في صحيح مسلم تامًّا (١٣٩ - ٧٤٦)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (٩٦٣). وابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨، ١١٢٧، ١١٧٠)، وأبو نعيم في مستخرجه مقرونًا بغيره (١٦٩٠)، وابن نصر في قيام الليل كما في مختصره تامًا (١٢٢ - ١٢٣)، والبيهقي في السنن =
[ ١٠ / ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مقرونًا بغيره (٣/ ٤٣)، وفي المعرفة (٤/ ٦٨)، والواحدي في تفسيره الوسيط (٤/ ٣٧٢)، والبغوي في شرح السنة (٩٦٣)، ومحمد بن فضيل ببعضه كما في مسند ابن أبي شيبة (٩٦٤)، ومحمد بن سواء، كما في مختصر الأحكام للطوسي (٢٨٩ - ٤٢٢)، وعيسى بن يونس، كما في صحيح مسلم (١٤١ - ٧٤٦)، ومسند إسحاق بن راهويه (١٣١٠)، ومستدرك الحاكم (١١٣٩) فهؤلاء كلهم رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مقطعًا. ورواه بشر بن المفضل، كما في المجتبى من سنن النسائي مختصرًا (١٦٩٨)، وفي الكبرى (١٤٠٤)، وشجاع بن الوليد، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٨٠)، وسنن الدارقطني (١٦٦٥)، والمطعم بن المقدام، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٦٦٦١)، وفي المعجم الصغير (٩٩٠)، ومسند الشاميين (٩١٧). ويزيد بن زريع، كما في مستخرج أبي نعيم مقرونًا بغيره (١٦٩٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي مختصرًا (١/ ٢٨٠)، وقيام الليل لمحمد بن نصر كما في المختصر (ص: ٢٩١)، وسنن الدارقطني (١٦٦٥)، وعبد الوهاب بن عطاء، بذكر بعضه كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣٦٤)، ومستدرك الحاكم (١١٣٩)، ستتهم (بشر بن المفضل، والمطعم، وشجاع وابن زريع، وعبد الوهاب، وعيسى بن يونس) رووه مختصرًا بلفظ: (كان لا يسلم في ركعتي الوتر). قال محمد بن نصر: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الذي ذكرناه، ولم يقل في هذا الحديث: إن النبي ﷺ أوتر بثلاث لم يسلم في الركعتين، فكان يكون حجة لمن أوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين، إنما قال: لم يسلم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث أنه لم يسلم في الركعتين ولا في الثلاث، ولا في الأربع، ولا في الخمس، ولا في الست، ولم يجلس أيضًا في الركعتين، كما لم يسلم فيهما. هذا بيان الاختلاف على سعيد بن أبي عروبة. وأما تخريج رواية أصحاب قتادة ممن خالف سعيد بن أبي عروبة فإليك ما وقفت عليه من تخريج رواياتهم. الأول: هشام الدستوائي، عن قتادة. رواه مسلم (١٣٩ - ٧٤٦)، والطيالسي مختصرًا (١٦٠٠، ١٦٠٣)، وأحمد مختصرًا (٦/ ٢٥٥)، وإسحاق (١٣١٧)، والنسائي (١٧١٩)، وفي الكبرى (١٤١٣)، والدارمي (١٥١٦)، وابن نصر في مختصر قيام الليل كما في المختصر (ص: ١٩٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤٣٨)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨، ١٠٧٩)، وصحيح ابن حبان (٢٤٤٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٤٤).=
[ ١٠ / ٥١٩ ]
الجواب الثاني:
في رواية عبدة بن سليمان عند النسائي غرابة حيث ذكر في التشهد الأول الدعاء قبل الصلاة على النبي ﷺ، وهو خلاف المعروف من صلاته ﷺ، بخلاف التشهد الأخير حيث ذكر الدعاء بعد الصلاة على النبي ﷺ، مما يدل على عدم ضبطه.
_________________
(١) = الثاني: شعبة، عن قتادة مختصرًا. أخرجه مسلم (١٤١ - ٧٤٦)، وأحمد (٦/ ١٠٩)، والنسائي (١٧١٨)، والطبراني في الأوسط (٤٤٠١)، وفي مسند الشاميين (٢٤٧١)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٢٧١)، والبغوي في شرح السنة (٩٨٧)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٦٩٣)، وابن خزيمة (١١٦٩، ١١٧٨)، وابن حبان (٢٤٢٠، ٢٦٤٢، ٢٦٤٤، ٢٦٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٨٢). الثالث: أبو عوانة، عن قتادة مختصرًا. أخرجه مسلم (١٤٠ - ٧٤٦)، وأحمد (٦/ ١٠٩)، والترمذي في السنن (٤٤٥)، وفي الشمائل (٢٦٧)، والنسائي في المجتبى (١٧٨٩)، وفي الكبرى (١٤٦٥)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٦٩٢)، وابن حبان (٢٦٤٥)، وابن نصر في قيام الليل كما في مختصره (ص: ١٨٨). وأبو العباس السراج في حديثه (٧٠ و٢١٧٠ و٢٤٨٢، ٢٥٧١). وتمام في فوائده (١٧١٢)، والمستغفري في فضائل القرآن (٥١٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٦٨٢). وفي الخلافيات (٢٤٩٨)، والبغوي في شرح السنة (٩٨٦). الرابع: همام بن يحيى، عن قتادة. رواه أحمد (٦/ ٩٤، ٩٥)، وأبو داود (١٣٤٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥١٧٣)، والبيهقي في الشعب (١٣٥٩). الخامس: معمر، عن قتادة. أخرجه مسلم (١٣٩ - ٧٤٦)، وعبد الرزاق في المصنف تامًا (٤٧١٤)، وفي التفسير له مختصرًا (٣٢٧٤)، وأحمد (٦/ ١٦٣، ١٦٨)، وإسحاق بن راهويه (١٣١٦، ١٤٧٨)، والنسائي في المجتبى (١٧٢١). وفي الكبرى (٤٤٨)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٦٩١)، وابن حبان في صحيحه (٢٥٥١)، والحاكم (٣٨٤٢)، وابن نصر في قيام الليل كما في المختصر (ص: ١١٠). وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٤٥، ١٥٩، ١٦١) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥١٧٢)، ورواه أبو عوانة في مستخرجه (٢٠٦٠) وأخرج بعضه في طلاق سعد بن هشام لزوجته ومراجعتها دون ذكر عائشة (٢٢٩٤، ٤٠٠٢)، فلو كان هذا الحرف محفوظًا لما انفرد به سعيد دونهم على أن أكثر الرواة عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكروه، ومن ذكره قد اختلف عليه مثل محمد بن بشر، والله أعلم.
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
الجواب الثالث:
قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض هذا صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقاعدة أغلبية يدخلها الاستثناء، فينبغي ألا تحمل هذه القاعدة على ما يمكن أن يكون في حكم المتروك في الفرض، فالفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد حتى نقل لنا الصحابة ما يسن فيها وما يجب، وكانت محل اهتمام رصد الصحابة ﵃ في نقل صفة صلاته ﷺ، حتى نقلوا لنا قبض اليدين، ومواضع رفعها، وإشارة الأصبع، وصيغ التشهد، وصيغ الاستفتاح، وأدعية الركوع والسجود وما بين السجدتين، وأكثر هذه الأذكار مما لا يجهر به، مما يدل على حرص الصحابة على نقل صفة صلاته إلى الأمة حتى حفظوا كل ذلك، ثم لا يوجد حديث واحد يذكر أن النبي ﷺ كان يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول في الفريضة، ألا يقال: لو كان فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، بل يقال: لو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا في الفرض حيث تتكرر في الليل والنهار أكثر من أي عبادة أخرى، ولا يوجد في النفل إلا من هذا الوجه في وتر النبي ﷺ، وأكثر الرواة على عدم ذكره، ومن ذكره قد اختلف عليه في ذكره، فلو كان هذا الفعل معهودًا منه ﵊ في صلاة النفل لتوافرت الدواعي على نقله من أكثر من حديث، فلما لم يَأْتِ إلا من هذا الطريق الغريب، حيث تفرد به سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وخالفه شعبة، وهشام، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر في قتادة فلم يذكروه، صار الاحتياط للشريعة عدم قبوله، والله أعلم.
ولو ثبت أن النبي ﷺ فعله في النفل، ولم يثبت أنه فعله في الفرض مع توفر الدواعي على نقله فإن هذا يدل على جوازه في الفريضة لا على استحبابه؛ إذ لو كان مستحبًّا لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل، أما الاستحباب مع كونه في حكم المتروك فهذا فيه بعد، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٩٦٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا الحكم، قال:
[ ١٠ / ٥٢١ ]
سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:
لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^١).
وجه الاستدلال:
الحديث مطلق، يشمل كل تشهد، وإذا كان السلام مشروعًا في التشهدين، فكذلك الصلاة على النبي ﷺ في التشهدين، وليس مع من قيد الحديث بالتشهد الأخير دليل على هذا التقييد، والمطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله.
• الجواب:
لو كانت الصلاة مشروعة حيث يشرع التسليم ما تأخرت مشروعية الصلاة عن مشروعية التسليم، فلا ارتباط في المحل بين التسليم والصلاة على النبي ﷺ وسبق لي أن الصلاة على النبي ﷺ تشرع حيث يشرع بعدها الدعاء، والله أعلم.
• دليل القائلين بأنه لا تستحب الصلاة في التشهد الأول:
الدليل الأول:
لم يثبت أن النبي ﷺ كان يصلي على ذاته في التشهد الأول، ولا علمه للأمة، ولا يعرف استحبابه عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والصلاة على النبي ﷺ ليست جزءًا من التشهد، فالتشهد إذا أطلق فإنه ينتهي بالشهادتين،
(ح-١٩٦٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال:
قال عبد الله: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ، قلنا: السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال إن الله هو
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٣٥٧)، وصحيح مسلم (٦٦ - ٤٠٦).
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^١).
وهذا مشروع بالإجماع في التشهد الأول، فأين الدليل على مشروعية زيادة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وإنما أجمعوا على مشروعيته في التشهد الثاني.
(ح-١٩٦٦) وقد روى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه،
عن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي ﷺ بهذه القصة - قال: إذا أنت قمت في صلاتك، فكبر الله تعالى، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، وقال فيه: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد .. الحديث (^٢).
[ذكر التشهد في الحديث شاذ] (^٣).
فقوله: (ثم تشهد) فالأمر بالتشهد لا يدخل فيه الأمر بالصلاة على النبي ﷺ، ولو كانت الصلاة مشروعة لذكر له مع التشهد الصلاة على النبي ﷺ.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان في الركعتين كأنه على الرَّضْف، قلت: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم (^٤).
[أبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن العلماء جعلوه في حكم المتصل] (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٣١)، واختصره مسلم (٥٨ - ٤٠٢).
(٢) سنن أبي داود (٨٦٠).
(٣) سبق تخريجه وجمع طرقه، انظر: ح- (١١٨٧).
(٤) المسند (١/ ٣٨٦).
(٥) رواه شعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (٣٢٩)، ومسند أحمد (١/ ٣٨٦، ٤١٠، ٤٣٦)، =
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
الدليل الثالث:
(ث-٤٧٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن منصور،
عن تميم بن سلمة، قال: كان أبو بكر، إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف، يعني، حتى يقوم (^١).
[منقطع، تميم لم يدرك أبا بكر] (^٢).
_________________
(١) = ومصنف ابن أبي شيبة (٣٠١٦) وفي المسند له (٣٧١)، وفي الجعديات لأبي القاسم البغوي (١٥٥٠)، ومسند أبي يعلى (٥٢٣٢)، وسنن أبي داود (٩٩٥)، وسنن الترمذي (٣٦٦)، المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٥١) ح ١٠٢٨٥، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٠٨ - ٣٤٠)، ومسند الشاشي (٩٢٤، ٩٢٦، ٩٢٧، ٩٢٨)، ومستدرك الحاكم (٩٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٠٩). ومسعر بن كدام، كما في مسند أحمد (١/ ٤٢٨)، ومعجم ابن الأعرابي (٢٩٧)، والحاكم في المستدرك (٩٩٤)، والشاشي في مسنده (٩٢٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٥٠) ح ١٠٢٨٤، وفي الأوسط (٥٠٧٧)، وإبراهيم بن سعد كما في مسند أحمد (١/ ٤٦٠)، والجامع لابن وهب (٤١٦)، والأم للشافعي (١/ ١٢١)، وفي المسند له (ص: ٤٣)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٧٦)، وفي الكبرى (٧٦٦)، وفي مسند الشاشي (٩٢٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٢)، ومعرفة السنن (٣/ ٧٢)، ثلاثتهم (شعبة، ومسعر، وإبراهيم بن سعد رووه عن سعد بن إبراهيم به. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٤): «يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلقٍّ لآثاره من أكابر أصحاب أبيه … ولم يكن في أصحاب عبد الله من يُتَّهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه». وذكر ابن رجب هذا الحديث في شرح البخاري (٧/ ٣٤٢)، وقال: «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه؛ إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره». وقال يعقوب بن شيبة كما في شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ٥٤٤): «إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، -يعني: في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يَأْتِ فيها بحديث منكر». وقال الدارقطني في السنن في حديث رواه من طريق أبي عبيدة عن أبيه في دية الخطأ (٤/ ٢٢٣): «وهذا إسناد حسن، ورواته ثقات».
(٢) المصنف (٣٠١٧).
(٣) تميم بن سلمة لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، وفي التاريخ الكبير (٢/ ١٥٣): رأى عبد الله بن الزبير. رواه محمد بن جعفر (غندر) كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠١٨). وعلي بن الجعد كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (٢٠٤) كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن رجل صلى خلف أبي بكر، فكان في الركعتين كأنه على الجمر وقال ابن الجعد- كأنه على الرضف حتى يقوم. وهذا ضعيف أيضًا؛ لإبهام الرجل الذي كان يصلي خلف أبي بكر ﵁.
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
• وأجيب عن الحديث والأثر:
قال الشوكاني: «تخصيص التشهد الأخير -يعني بالصلاة على النبي ﷺ مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف، وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث: (إن النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف) وليس فيه إلا مشروعية التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله: أعني التشهد الأخير، وأما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا، ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات، وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه ﷺ كان مسارعًا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه» (^١).
• ورد هذا الجواب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
القول بأن تخصيص الصلاة على النبي ﷺ بالتشهد الأخير لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف لا يسلم، فقد سبق حديث المسيء في صلاته من حديث رفاعة، والقائل باستحباب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول يحسنه، وانظر الدليل التالي من مسند ابن مسعود، فنفي ورود ذلك في الأحاديث مطلقًا حتى الضعيفة ليس دقيقًا، والله أعلم.
الجواب الثاني:
لا يحفظ القول بالصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول عن أحد من الصحابة ﵃، وذلك دليل على ضعف هذا القول.
_________________
(١) نيل الأوطار (٢/ ٣٣٣).
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
الجواب الثالث:
أن كلام الشوكاني مبني على صحة حديث عائشة، وقد علمت ما فيه.
الدليل الرابع:
(ح-١٩٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن تشهد رسول الله ﷺ في وسط الصلاة وفي آخرها، عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه،
عن عبد الله بن مسعود، قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله ﷺ علمه إياه، قال: فكان يقول: إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده ما شاء الله أن يدعو ثم يسلم (^١).
[تفرد به محمد بن إسحاق] (^٢).
_________________
(١) المسند (١/ ٤٥٩).
(٢) أعل الحديث بعلتين: العلة الأولى: أنه ذكر التورك في التشهد الأول، وهذا منكر، مخالف لحديث أبي حميد الساعدي في البخاري. ويجاب: بأن قوله: (إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى) إن عاد قوله (على وركه اليسرى) على الجلستين كان هذا اللفظ شاذًّا ويكون الجار والمجرور في قوله (على وركه اليسرى) متعلقًا بالفعل الظاهر (جلس). وإن عاد قوله (على وركه اليسرى) إلى قوله: (وفي آخرها) صار التورك مختصًّا بالتشهد الأخير، وصار الجار والمجرور (على وركه) متعلقًا بالفعل المقدر على نية تكرار العامل، وتكون الجملة على هذا التقدير (وإذا جلس في وسط الصلاة وجلس في آخرها على وركه اليسرى) ويؤيد هذا أن هذا هو المعروف من صلاته ﷺ كما في حديث أبي حميد الساعدي في البخاري، وحمله على المعروف أولى من الحكم بشذوذ اللفظ، ويتأيد ذلك بقاعدة عود =
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الضمير على أقرب مذكور، خاصة أن الراوي ساق الحديث من أجل بيان صفة التشهد، لا صفة الجلوس، وقد رواه ابن خزيمة (٧٠١) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق به بلفظ: أن رسول الله ﷺ كان يجلس في آخر صلاته على وركه اليسرى. العلة الثانية: أن هذا اللفظ تفرد به محمد بن إسحاق، ولا يحتمل تفرده، وقد روى الحديث أبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم النخعي عن الأسود، عن عبد الله فلم يذكرا ما ذكره محمد بن إسحاق. فأما رواية أبي إسحاق، عن الأسود، فرواها الترمذي (٢٨٩)، والنسائي في المجتبى (١١٦٢)، وفي الكبرى (٧٥٢)، والطوسي في مختصر الأحكام (٢٧٥)، وأبو يعلى في المعجم (٣٣٢) وغيرهم من طريق عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: علمنا رسول الله ﷺ إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وهذا إسناد صحيح، عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي ثقة أثبت الناس كتابًا في الثوري. وأما رواية إبراهيم، عن الأسود، فرواها ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٠٧)، والبزار في المسند (١٦٢٩)، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم به، بلفظ: قال: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن، يأخذ علينا الألف والواو. وإسناده صحيح. ورواه أحمد (١/ ٤١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٤)، والبزار في المسند (١٦٢٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٥٣) ح ٩٩٣١، من طريق زائدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه كان يعلمهم التشهد في الصلاة: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. كما روى حديث ابن مسعود في التشهد كل من أبي وائل شقيق بن سلمة وسبق تخريجه، وأبي الأحوص، وعلقمة، وأبي عبيدة، كلهم رووا عن عبد الله بن مسعود ﵁ حديث التشهد، ولم يذكر أحد منهم هذا التفريق بين التشهد الأول والأخير. والحديث رواه أحمد (١/ ٤٥٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٣٦٤)، وابن خزيمة (٧٠١، ٧٠٨)، من طريق إبراهيم بن سعد، ورواه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، الجزء المفقود (٦٣٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٥٣) ح ٩٩٣٢، وابن خزيمة (٧٠٢) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ورواه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٧٣٢) من طريق عبد الله بن الأجلح، ثلاثتهم رووه عن محمد بن إسحاق به.
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
الدليل الخامس:
(ح-١٩٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد السلام، عن بديل، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقول في الركعتين التحيات (^١).
[صحيح].
وجه الاستدلال:
المقصود بالتحيات التشهد، والتشهد لا يدخل فيه الصلاة على النبي ﷺ، ولو كانت مشروعة لذكرها.
وهو في مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين … وذكر الحديث وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية … الحديث (^٢).
(ح-١٩٧٠) وروى النسائي من طريق الأشجعي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود،
عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٣).
[صحيح] (^٤).
وجه الاستدلال:
فيه دلالة على اختصاص الركعتين الأوليين بالتشهد، فمن ادعى مشروعية
_________________
(١) المصنف (٢٠٢٣).
(٢) صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).
(٣) سنن النسائي (١١٦٢).
(٤) سبق تخريجه تبعًا لتخريج حديث محمد بن إسحاق السابق.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
زيادة الصلاة على النبي ﷺ فعليه الدليل، والله أعلم.
(ث-٤٧٨) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عياض بن مسلم،
عن ابن عمر، أنه كان يقول: ما جُعِلَت الراحة في الركعتين إلا للتشهد (^١).
[ضعيف] (^٢).
• الراجح:
قول الجمهور، وأنه لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى، والله أعلم.
_________________
(١) المصنف (٣٠٢٠).
(٢) في إسناده عياض بن مسلم، ليس له إلا هذا الأثر، ولا يروي عنه أحد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، ففيه جهالة، والله أعلم.
[ ١٠ / ٥٢٩ ]