المدخل إلى المسألة:
• إذا ذكر القرآن أعضاء السجود خَصَّ الوجه بالذكر، فكان دليلًا على أنه هو المقصود أصالة بالسجود، والباقي تبع.
• الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع غيره على الأرض، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا.
• لو لزمه السجود على هذه الأعضاء كما يلزمه السجود على الجبهة للزمه الإيماء بها في حال العجز، كما لزمه الإيماء بالجبهة في حال العجز عن السجود على الوجه.
• الإيماء بدل عن السجود، فلو ألزم بالسجود على بقية الأعضاء لجمع فيه بين البدل والمبدل منه.
[م-٦٧٨] إذا عجز عن السجود بالجبهة والأنف وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فهل يلزمه ذلك، أما القائلون بأن السجود على الأعضاء الأربعة مستحب، وهو قول الجمهور فلا يلزمه ذلك؛ لأنه إذا لم يلزمه في حال القدرة، ففي حال العجز من باب أولى، وأما على القول بالوجوب، فاختلفوا:
فقيل: لا يلزمه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).
_________________
(١) المبسوط (١/ ٢١٧)، البحر الرائق (٢/ ١٢٣)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٩٨)، مراقي الفلاح (ص: ١٦٦)، فتح العزيز (٣/ ٤٥٤)، المجموع (٣/ ٤٢٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٦)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١١)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١١٤). وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٧١): «وإن سقط السجود على الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره؛ لأنه الأصل، وغيره تبع له، فإذا سقط عن الأصل سقط عن التبع». اه وانظر: حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٥٨)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٤٠٢)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
قال ابن رجب في القواعد: «المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع وجهه على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا للسجود على الوجه وتكميلًا له» (^١).
وقيل: يلزمه ذلك، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ومال إليه الخلوتي في حاشيته على منتهى الإرادات، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين، وشيخه السعدي (^٢).
• دليل من قال: لا يلزمه السجود على غير الوجه:
اعتمد الجمهور في استدلالهم على قاعدة: أن المقصود بالسجود هو الوجه وبقية الأعضاء تبع له، سواء أقلنا: السجود على بقية الأعضاء من الواجبات أم من المستحبات، فإذا سقط الفرض عن الأصل وهو الوجه، سقط الفرض عن التابع.
وعمدتهم في تأصيل ذلك ثلاثة أدلة:
الدليل الأول:
أن كل موضع ذكر فيه السجود في الشرع، فإنما خص الوجه بالذكر دليل على أن سجود الوجه هو المقصود، ولم يَأْتِ قط، سجد قدمي أو ركبتي.
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وجاء في مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁: … وإذا سجد، قال: … سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين الحديث (^٣).
_________________
(١) القواعد لابن رجب (ص: ١١).
(٢) الإنصاف (٢/ ٦٧)، حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات (١/ ٣٠٣)، الفتاوى السعدية (ص: ١٤٧)، الشرح الممتع (٤/ ٣٣٧).
(٣) مسلم (٢٠١ - ٧٧١).
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
الدليل الثاني:
أن الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع غيره على الأرض، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا، فتعلق التسمية بسجود الوجه دليل على أنه هو المقصود بالسجود.
الدليل الثالث:
أنه لو لزمه السجود على هذه الأعضاء كما يلزمه السجود على الجبهة للزمه الإيماء بها في حال العجز، كما لزمه الإيماء بالجبهة في حال العجز عن السجود على الوجه، فلما سقط عنه الإيماء بها عند عجزه بالسجود عليها سقط وجوب السجود عليها على وجه الاستقلال؛ لأن وجوب السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، فالتابع لا يستقل بنفسه، فحيث سقط الأصل سقط التابع.
الدليل الرابع:
ولأن الإيماء بدل عن السجود، والقاعدة: أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه.
• دليل من قال: يجب السجود على بقية الأعضاء:
الدليل الأول:
من القرآن قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الدليل الثاني:
(ح-١٨٨٤) من السنة ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: … إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
فالشرع أَمَرَ بالسجود على الأعضاء السبعة على الأرض، ولم يفرق بين عضو وآخر، فإذا تعذر السجود عليها كلها سقط الفرض، وإن عجز عن بعضه سقط ما عجز عنه، ولزم القيام بالباقي، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الدليل الثالث:
الاستدلال بالقاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور.
قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: «(قاعدة) وهي أن من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه لقوله ﷾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﵇: (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وبهذا قال أهل الظاهر» (^١).
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ٧).
[ ١٠ / ٣٤٨ ]