المدخل إلى المسألة:
• حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) سيق لبيان تحميد المأموم وموضعه، ولم يتعرض لتحميد الإمام لا نفيًا ولا إثباتًا، والسكوت لا يصلح دليلًا على نفيه إذا ثبت بأدلة أخرى.
• منطوق الأحاديث الصحيحة الصريحة المتكاثرة بتحميد الإمام مقدم على الأحاديث التي لم تتعرض لتحميد الإمام.
• إذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة.
• حديث: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) الأمر للمأموم بالتحميد لا يقتضي الوجوب؛ لأن الأمر سيق لبيان وقت تحميد المأموم، كالأمر بالتأمين في حديث: (إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا: آمين).
• إذا لم يجب التسميع على الإمام على الصحيح، وقد سبق بحثه، لم يجب التحميد على الإمام؛ لأنه فرع عنه.
• الفرق بين تحميد الإمام وتحميد المأموم أن تحميد الإمام من أذكار الاعتدال، وتحميد المأموم من أذكار الرفع من الركوع.
[م-٦٣٩] اختلف العلماء في مشروعية التحميد للإمام:
فقيل: لا يشرع التحميد للإمام، وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من مذهب المالكية (^١).
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، الهداية للمرغيناني (١/ ٥٠)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦١٤)، المبسوط (١/ ٢٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، المدونة (١/ ١٦٧)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٤٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، شرح التلقين (١/ ٥٨٥)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤٠)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٧)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣)، بداية المجتهد (١/ ١٦٠)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٠).
[ ١٠ / ٦٨ ]
قال مالك كما في المدونة: «وإذا قال (يعني الإمام): سمع الله لمن حمده فلا يقل هو: اللهم ربنا لك الحمد، ولكن يقول ذلك من خلفه» (^١).
وقيل: يشرع له التحميد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، واختاره عيسى بن دينار وابن نافع من المالكية، وحكي رواية شاذة عن مالك، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وبه قال صاحبا أبي حنفية: أبو يوسف ومحمد، والإمام ابن راهويه على خلاف في حكمه:
فقيل: سنة، وهو قول الشافعية، وصاحبي أبي حنيفة، وقال بمشروعيته بعض المالكية.
وقيل: واجب، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقيل: فرض، وبه قال ابن حزم، كالخلاف السابق في التسميع (^٢).
قال ابن قدامة: «يشرع قول (ربنا ولك الحمد) في حق كل مُصَلٍّ، في المشهور عن أحمد، وهذا قول أكثر أهل العلم» (^٣).
• دليل من قال: يشرع للإمام التحميد:
(ح-١٧٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال:
_________________
(١) المدونة (١/ ١٦٧).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦١٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٧)، إكمال المعلم (٢/ ٢٦٨)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٨)، شرح التلقين (٢/ ٥٨٦)، الأم (١/ ١٣٥)، مختصر المزني مطبوع مع الأم (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٣)، الوسيط (٢/ ١٢٩)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٩)، المجموع (٣/ ٤١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، منهاج الطالبين (ص: ٢٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٥١)، مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٦٢)، مسائل أحمد وإسحاق (٢٦٨)، المبدع (١/ ٣٩٧، ٤٤٣)، الإنصاف (٢/ ٦٢، ٦٤)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٦).
(٣) المغني (١/ ٣٦٥).
[ ١٠ / ٦٩ ]
أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد
هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بالإسناد نفسه إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن الزهري، ولفظه مطابق للفظ عقيل (^١).
ورواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد، وكان النبي ﷺ إذا ركع، وإذا رفع رأسه يكبر، وإذا قام من السجدتين، قال: الله أكبر (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٣١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^٣).
الدليل الثالث:
(ح-١٧٣٢) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد ابن الحسن،
عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).
(٢) صحيح البخاري (٧٩٥).
(٣) صحيح البخاري (٧٣٥).
(٤) رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).
[ ١٠ / ٧٠ ]
الدليل الرابع:
(ح-١٧٣٣) روى البخاري من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن نمر، سمع ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة ﵂، جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر، فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد الحديث (^١).
الدليل الخامس:
(ح-١٧٣٤) روى البخاري عن معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه،
أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله - ﴿فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨] (^٢).
وله شاهد من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (^٣).
وثانٍ: من حديث حذيفة في مسلم (^٤).
وثالث: من حديث علي بن أبي طالب في مسلم (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٠٦٥).
(٢) صحيح البخاري (٤٠٦٩، ٤٥٥٩).
(٣) صحيح البخاري (٤٥٦٠).
(٤) رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢) من طريق جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد … الحديث. وقد رواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، وأبي معاوية، عن الأعمش به، وليس فيه زيادة (ربنا لك الحمد).
(٥) رواه مسلم (٢٠٢ - ٧٧١) من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون ابن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب.
[ ١٠ / ٧١ ]
ورابع: من حديث أبي سعيد الخدري في مسلم (^١).
• وأجيب عن هذه الأحاديث:
بأن هذه الأحاديث محمولة على المنفرد توفيقًا بينها وبين الأحاديث الدالة على أن الإمام لا يأتي بالتحميد كما سيأتي في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
• ورد هذا بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
لا يوجد ما يعارض هذه الأحاديث حتى تحمل على المنفرد، وسكوت بعض الأحاديث عن تحميد الإمام لا يعد معارضًا.
الجواب الثاني:
بعض هذه الأحاديث صريح أن النبي ﷺ قال ذلك، وهو إمام، كما في حديث الكسوف، والقنوت.
الجواب الثالث:
الأحاديث التي لم يصرح فيه بأن النبي ﷺ كان إمامًا محمولة عليه.
إما لأن الأحاديث إنما تحمل على الغالب من فعل النبي ﷺ، وليس على النادر، والغالب من صلاة النبي ﷺ كونه إمامًا، وما يصليه النبي ﷺ من النوافل فغالبه يكون في البيت، وقد قال النبي ﷺ: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، متفق عليه (^٢).
فحملُ الأحاديث على الظاهر خير من حَمْلِها على النادر، ولأن هذا الحكم لو كان خاصًّا بالمنفرد لبينه الراوي منعًا للبس.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٥ - ٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
(٢) صحيح البخاري (٧٣١)، وصحيح مسلم (٧٨١).
[ ١٠ / ٧٢ ]
وإما لأن إطلاق الأحاديث يقتضيه، فالمطلق على إطلاقه، فيدخل الإمام كما يدخل المنفرد، فلما أطلق الراوي الأحاديث كان تخصيصها بالمنفرد تخصيصًا بلا مخصص ومخالفًا لإطلاق هذه الأحاديث، فيكون دخول الإمام لشمول اللفظ.
وعلى التنزل أن هذه الأحاديث نص في المنفرد، فيدخل الإمام بمقتضى القياس؛ لأن أحكامهما واحدة كما سأبينه في دليل مستقل إن شاء الله تعالى.
فكان دخول الإمام، إما لكون الأحاديث محمولة على الإمام، لكونه الغالب من فعل النبي ﷺ، أو لشمول اللفظ، أو بمقتضى القياس.
قال ابن دقيق العيد تعليقًا على حديث ابن عمر: «فإن الظاهر أن ابن عمر إنما حكى وروى عن حالة الإمامة، فإنها الحالة الغالبة على النبي ﷺ في الفرائض، وغيرها نادر جدًّا فيها، وإن حمل اللفظ على العموم دخل فيه المنفرد والإمام» (^١).
الدليل السادس:
(ح-١٧٣٥) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا عمرو ابن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة،
عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ: يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد.
ورواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا، سعيد بن عثمان الخزاز به (^٢).
[ضعيف جدًّا] (^٣).
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٣٨).
(٢) سنن الدارقطني (١٢٨٤)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (١٧٦٤).
(٣) تفرد به سعيد بن عثمان الخزاز قال ابن القطان: لا أعرفه لسان الميزان (٣/ ٣٨). وعمرو بن شمر وشيخه جابر الجعفي متروكان. قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٤٤): «وحديث بريدة: إسناده ساقطٌ، وعمرو وجابر: ضعيفان، وكذلك سعيد بن عثمان، وشيخ ابن عقدة وأبوه: لا يعرفان». وقال البيهقي: جابر الجعفي ومن دونه أكثرهم ضعفاء.
[ ١٠ / ٧٣ ]
الدليل السابع:
القياس على المنفرد، فإذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة، فالإمام منفرد في حق نفسه، ونية الإمامة ليست شرطًا لصحة إمامته، فلو صلى منفردًا ولم يَنْو الإمامة فائتم به جماعة صح الاقتداء على الصحيح، فكان ما يصدق على المنفرد يصدق على الإمام، بخلاف المأموم فلا بد من نية الائتمام.
قال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك،، فأردنا أن ننظر في الإمام، هل حكمه حكم من يصلى وحده أم لا؟ فوجدنا الإمام يفعل في صلاته كلها من التكبير، والقراءة، والقيام، والقعود، والتشهد مثل ما يفعله من يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكامه من الأشياء التي توجب فسادها وكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواءً بخلاف المأموم فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (^١).
• ويناقش:
لا تصح حكاية الإجماع في تحميد المنفرد، وكيف غفل الطحاوي عليه رحمة الله عن الرواية الأخرى عن أبي حنيفة والتي يرى فيها أن المنفرد لا يأتي بالتحميد.
الدليل الثامن:
أن التسميع حَثٌّ على التحميد، وتحريضٌ عليه، فلا ينبغي أن يأمر بالبر، وينسى نفسه حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
ولا حاجة في الحقيقة إلى استدعاء هذه الآية للاحتجاج بها في هذا الموضع، ولولا أن الكاساني من الحنفية استدل بها لم أذكرها؛ فالاستدلال بدليل في غير
_________________
(١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٠).
[ ١٠ / ٧٤ ]
سياقه في شأن الصلاة التي تتكرر كل يوم، دليل على ضعف الاستدلال، وفي المسألة نصوص متفق على صحتها، ودلالتها صريحة، وهي نص في محل النزاع، تنقل لنا أن النبي ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، وإذا فتح الاستدلال بهذه الآية فتح مجالًا للاعتراض على القول الذي لا ينبغي الخلاف فيه مع كثرة الأحاديث في الصحيحين، ولذلك اعترض بعضهم على هذا الاستدلال، فقال: إن الإمام إذا أتى بالتسميع فقد صار دالًّا على التحميد، والدال على الخير كفاعله، فلا حاجة إلى تحميد الإمام لفظًا، فانتقلنا من دلالة النص التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا، إلى استدعاء آية في غير ما سيقت له، وهذا إنما يلجأ له بعض الفقهاء إذا أعوزه الدليل في المسألة، أما مع هذه النصوص الكثيرة المتفق عليها فلا حاجة إلى هذا النوع من الاستدلال، والمصلي إذا ترك التسميع والتحميد فقد ترك سنة، فكيف يكون الترك منافيًا للعقل، والذي ختمت به الآية.
• دليل من قال: لا يشرع التحميد للإمام:
الدليل الأول:
(ح-١٧٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).
ورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٢).
ورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (^٣).
ورواه مسلم من طريق شعبة، عن يعلى هو ابن عطاء، سمع أبا علقمة سمع
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).
(٢) صحيح البخاري (٧٩٦، ٣٢٢٨)، وصحيح مسلم (٧١ - ٤٠٩). ورواه مسلم (٨٧ - ٤١٥) عن الأعمش، عن أبي صالح به.
(٣) صحيح البخاري (٧٢٢).
[ ١٠ / ٧٥ ]
أبا هريرة بنحوه (^١).
ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ بمثله (^٢).
وفي الباب حديث أنس في الصحيحين (^٣).
وحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (^٤).
وجه الاستدلال:
أن الحديث أفرد الإمام بالتسميع، وأفرد المأموم بالتحميد على وجه المقابلة، وإذا كان المأموم لا يشرع له التسميع على الصحيح، لم يشرع التحميد للإمام (^٥).
ولأن هذه الأحاديث أحاديث قولية، والقول مقدم على الفعل.
• ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
بأن الاستدلال بحديث: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) من الاستدلال بالمفهوم؛ لأنه جعل حكم المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به، ويسميه بعضهم دليل الخطاب، وعلماء الأصول متفقون على أن المفهوم ليس بحجة إذا عارض المنطوق، فالمنطوق مقدم عليه، وقد ثبت المنطوق
_________________
(١) صحيح مسلم (٨٨ - ٤١٦).
(٢) صحيح مسلم (٨٩ - ٤١٧).
(٣) رواه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٨٠ - ٤١١) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أنس مرفوعًا. وقد رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٧٨ - ٤١١) من طريق الليث، والبخاري (٨٠٥، ١١١٤)، ومسلم (٧٧ - ٤١١) من طريق ابن عيينة. ورواه البخاري (٧٣٢، ٧٣٤) من طريق شعيب، ورواه مسلم (٧٩ - ٤١١) من طريق يونس، ورواه أيضًا (٨١ - ٤١١) من طريق معمر، كلهم (الليث، وابن عيينة، وشعيب، ويونس) عن ابن شهاب به.
(٤) صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤) من طريق قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى.
(٥) انظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٧).
[ ١٠ / ٧٦ ]
بأدلة صحيحة صريحة بأسانيد كالشمس، منها حديث ابن عمر في الصحيحين، وحديث أبي هريرة فيهما، وحديث حذيفة، وابن أبي أوفى وعلي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري وكلها في مسلم، فلا يترك منطوق هذه الأحاديث الصريحة، ودلالتها نصية لمفهوم المخالفة في بعض الأحاديث. فالاحتجاج بالمفهوم مختلف فيه من حيث الأصل، والمنطوق أقوى من المفهوم بالاتفاق فتقديم المفهوم إهدار لمنطوق هذه الأحاديث بلا مسوغ.
يقول ابن رشد الحفيد: «والحق في ذلك أن حديث أنس يقتضي بدليل الخطاب أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.
وحديث ابن عمر يقتضي نصًّا أن الإمام يقول ربنا ولك الحمد، فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب فإن النص أقوى من دليل الخطاب» (^١).
الوجه الثاني:
حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) ليس لبيان القسمة بين قول الإمام وقول المأموم، وإنما سيق لبيان وقت تحميد المأموم وأن قول المأموم (ربنا لك الحمد) يكون عقب قول الإمام: (سمع الله لمن حمده) وسكت الحديث عن تحميد الإمام، والسكوت عن تحميد الإمام لا ينفيه، كما أن حديث: (إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين)، لم يمنع من تأمين الإمام بأدلة أخرى (إذا أمن الإمام فأمنوا)، فكذلك تحميد الإمام.
يقول القاضي عياض عن التعلق بهذا الاستدلال: «وفى هذا التعلق نظر؛ لأن القصد بالحديث تعليم المأموم ما يقول، ومجمل قوله له، ولا يعتمد على إسقاط ذكر ما يقول الإمام بذلك، لأنه ليس هو الغرض بالحديث، وعلى هذه الطريقة جرى الأمر في اختلاف قول مالك في الإمام، هل يقول: (آمين) في صلاة الجهر؟ فقال في أحد قوليه: لا يقولها … (^٢).
الدليل الثاني:
يقول الكاساني: «أن الذكر يقارن الانتقال، فإذا قال الإمام مقارنًا للانتقال:
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ١٦١).
(٢) إكمال المعلم (٢/ ٢٦٨).
[ ١٠ / ٧٧ ]
سمع الله لمن حمده يقول المقتدي مقارنًا له: ربنا لك الحمد، فلو قال الإمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي، فينقلب المتبوع تابعًا والتابع متبوعًا، ومراعاة التبعية في جميع أجزاء الصلاة واجبة بقدر الإمكان» (^١).
ولو كان الإمام يجمع الأمرين لقال ﵇: إذا قال الإمام: ربنا ولك الحمد، فقولوا: ربنا ولك الحمد، حتى يكون ابتداء قولهم بعد انتهاء قوله، كما قال: وإذا كبر فكبروا، ولم يكن للفرق بينهما معنى.
• وأجيب:
أن القول بأن الإمام إذا شرع له التحميد وقع تحميده بعد المأموم، وهذا مخالف لسنة الإمامة، فيقال: هذا نظر في مقابل النص، والنص مقدم، مع أنه لا يلزم تقدم المأموم على الإمام، لأن ذكر الرفع من الركوع في حق الإمام (سمع الله لمن حمده)، وذكر الرفع في حق المأموم: (ربنا ولك الحمد)، والمأموم يشرع بالرفع بعد فراغ الإمام منه، فيتفق الإمام والمأموم في وقت التحميد، إلا أن الإمام يذكر التحميد من أذكار الاعتدال، والمأموم من أذكار الرفع، واتفاقهما معًا في وقت التحميد لا يخالف سنة الصلاة كما يتفقان في التأمين.
ولو فرض اختلافهما فلا إشكال أيضًا؛ لأن السنة في التحميد الإسرار، فلا يجهر به أحد منهما، فلا يظهر أثر للمخالفة، وإنما يكره تقدم المأموم على الإمام فيما يجهر به كل منهما، ولذلك في الصلاة السرية قد يفرغ المأموم قبل الإمام من قراءة الفاتحة، ويؤمن قبله، ولا أثر لهذا السبق.
الدليل الثالث:
استدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين: (إنما جعل الإمام ليؤتم به …) (^٢). قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء.
وهذا من غريب الاستدلال، فإنه فرع على هذا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، فخالفوا الحديث.
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩).
(٢) صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).
[ ١٠ / ٧٨ ]
الدليل الرابع:
قالوا: بأن قول الإمام سمع الله لمن حمده دعاء، وقول المأموم ربنا ولك الحمد تأمين وقد بَيَّنَّا أن من سبيل الدعاء أن يَدْعُوَ واحد، ويؤمن غيره (^١).
• ويجاب بجوابين:
الجواب الأول:
أن هذا من قياس الشبه وهو من أضعف أنواع القياس، لا يحتج به جمهور الأصوليين، فكيف يكون حجة إذا كان مصادمًا للنص، والقول بأن التسميع دعاء قد قيل به، وقد قيل إن المعنى حث المأموم على التحميد.
وعلى التسليم بأنه دعاء، فليس تحميد المأموم من قبيل التأمين، وإنما هو من قبيل الامتثال، لأن التأمين دعاء بصيغة خاصة، وهو قول: (آمين)، فكل تأمين دعاء، وليس كل دعاء تأمينًا.
ومن الدعاء ما لا يشرع له تأمين عقبه، كالصلاة على النبي ﷺ، فإذا سمع الرجل أحدًا يصلي على النبي ﷺ، وهي جملة دعائية استحب للسامع أن يصلي على النبي ﷺ، وليس بالتأمين، فكذلك هنا، فكان التحميد امتثالًا لقول الإمام: سمع الله لمن حمده.
وعلى التنزل بأنه بمنزلة التأمين فإنه لا يمنع الداعي من التأمين خاصة إذا جاء النص بذلك كما يشرع للإمام التأمين على دعاء الفاتحة قال ﷺ: إذا أمن الإمام فأمنوا.
الجواب الثاني:
أن بعض العلماء يرى أن قوله (سمع الله لمن حمده) إخبار عن إجابة الدعاء، وقول: (ربنا لك الحمد) شكر لله ﷿ على قبول الدعاء فلا يشرع للمأموم أن يجمع بينهما.
هذا ما يتعلق بمشروعية التحميد
وأما اختلاف القائلين بالمشروعية بين القول بالسنية وهو قول الجمهور وبين القول بالوجوب، وهو مذهب الحنابلة، أو الركنية، وهو قول ابن حزم، فقد ذكرت
_________________
(١) المعونة على مذهب (ص: ٢٢٢).
[ ١٠ / ٧٩ ]
أدلتهم في الخلاف في حكم التسميع فالأدلة واحدة، ومحلهما واحد، وهما من أذكار الانتقال، فإذا كان التسميع قد تبين لنا أنه لا يجب على الإمام فالتحميد من باب أولى لا يجب على المأموم؛ لأنه فرع عنه.
وأما القول بأنه وجب على المأموم للأمر به؛ لقوله في الحديث: (إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا وجب على المأموم وجب على الإمام من باب أولى.
• فالجواب:
أن التحميد لا يجب على المأموم حتى يصح القياس عليه، والأمر في الحديث سيق لبيان وقت تحميد المأموم، ومتى يشرع له التحميد، ولو كان الأمر سيق لوجوب التحميد نفسه لجاء الأمر به على وجه الاستقلال، وهذا الحديث يشبه حديث (إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) فالتأمين ليس واجبًّا مع الأمر به، فكذلك التحميد، والأصل أن يقاس المأموم على الإمام، وليس العكس، فإذا كان التسميع لا يجب على الإمام كما بينت في مسألة سابقة، فالتحميد فرع عنه، لا يجب على المأموم، لأنهما ذكران محلهما واحد، شرعا للانتقال من ركن إلى آخر.
وإذا كان التكبير للانتقال للركوع ليس بواجب على الصحيح، فكذلك التسميع والتحميد، لكون التسميع والتحميد بدلًا عن التكبير في غير الرفع من الركوع.
انظر الخلاف في حكم التكبير للركوع في مسألة مستقلة، والله أعلم.
[ ١٠ / ٨٠ ]