المدخل إلى المسألة:
• الدعاء في الركوع كتعظيم الرب في السجود لا يكرهان، وإن استحب الإكثار من الدعاء في السجود، والتعظيم في الركوع.
• لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
• الشرط في حديث ابن عباس (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء) إذا قصد به التكثير فلا مفهوم له، فلا يكره التعظيم في السجود، ولا الدعاء في الركوع.
• منطوق حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) مقدم على مفهوم حديث ابن عباس؛ لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع.
• علة الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود كونه أقرب للإجابة، وهذه العلة لا تقتضي تخصيصًا، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة.
[م-٦٣٣] اختلف العلماء في حكم الدعاء في الركوع والسجود،
فقيل: يكره مطلقًا، وهو قول مالك (^١).
وقيل: يكره الدعاء في الركوع والسجود زيادة على التسبيح في الفريضة
_________________
(١) جاء في المدونة (١/ ١٦٨): «كان مالك يكره الدعاء في الركوع، ولا يرى به بأسًا في السجود. قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع، وكان يكره التسبيح في الركوع؟ فقال: لا». وانظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٢)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٩)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٦٠).
[ ١٠ / ٣١ ]
دون النافلة، وهو رواية عن أحمد (^١).
وحملها بعض الحنابلة في حق الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين، أونقص بدعائه عن التسبيح عن أدنى الكمال، أما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه (^٢).
وقيل: الدعاء في الركوع لا يشرع إلا ما ورد به النص، من قول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، اختاره الشيخ ابن باز من المعاصرين، وقول شيخنا ابن عثيمين قريب منه (^٣).
وهو قول ملفق من قول مالك وقول البخاري ومن وافقه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وقيل: يستحب، وهو مروي عن ابن مسعود، وظاهر اختيار البخاري في صحيحه، وقال ابن رجب: وهو قول أكثر العلماء، واختاره الخطيب من الشافعية (^٤).
قال ابن رجب في فتح الباري: «وأما الدعاء في الركوع، فقد دل حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا على استحبابه، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا، وهو قول أكثر العلماء، وروي عن ابن مسعود» (^٥).
وقال القرطبي في المفهم عكس قول ابن رجب، فقال: «مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع» (^٦).
_________________
(١) شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: ٩٤)، المبدع (١/ ٤٠٥)، المغني (١/ ٣٥٧).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٤).
(٣) الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري (١/ ٢٢٩)، وقوله: لا يشرع، يحتمل التحريم، ويحتمل الكراهة؛ ولا يدخل فيه نفي الاستحباب لأن العبادة إذا لم تكن مشروعة فأقل أحوالها الكراهة، لهذا اعتبرت قوله تلفيقًا بين قولي الإمام مالك والإمام البخاري. وقال شيخنا ابن عثيمين في فتح ذي الجلال والإكرام (٢/ ١٠٤): هذا الدعاء -يعني سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي- مستثنى فيقال: ادعوا بهذا في الركوع كما فعل النبي ﷺ ويكون هذا مستثنى من قوله: (عظموا فيه الرب)».
(٤) قال البخاري في صحيحه (١/ ١٥٨): باب الدعاء في الركوع، ثم ساق بإسناده حديث عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. وانظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٩٩).
(٥) فتح الباري (٧/ ١٨٣).
(٦) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٨٥).
[ ١٠ / ٣٢ ]
وهو أقرب من قول ابن رجب، فلم أجد في مذهب الجمهور نصًّا على استحباب الدعاء في الركوع، فلعله يقصد به استحباب سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي.
وقيل: يجوز الدعاء في الركوع، اختاره بعض المالكية، وابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر (^١).
• دليل مالك على كراهة الدعاء في الركوع:
(ح-١٧٢١) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (^٢).
[سبق تخريجه في المسألة السابقة].
وجه الاستدلال:
قال أبو الوليد الباجي: «وجه الدليل منه أنه أمر بتعظيم الله تعالى في الركوع وهذا يقتضي إفراده لذلك.
ووجه ثانٍ: وهو أنه خص كل حالة من الحالتين بنوع من العمل، فالظاهر اختصاصه به، وإلا بطلت فائدة التخصيص، فلا يعدل عن هذا» (^٣).
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
الأمر بتعظيم الله في الركوع إما أن يكون للوجوب، فيكون الدعاء في الركوع
_________________
(١) قال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٣٩٦): «وذهب طائفة من العلماء إلى جواز الدعاء فيهما، وفى مختصر أبى مصعب نحوه». وانظر: شرح التلقين (٢/ ٥٩٢)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٣١٥).
(٢) صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩).
(٣) المنتقى للباجي (١/ ١٤٩).
[ ١٠ / ٣٣ ]
محرمًا، ولم يقل أحد بتحريم الدعاء في الركوع، وإما أن يدل على استحباب تعظيم الرب في الركوع، فلا يقتضي كراهة الدعاء، لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه من حيث القواعد الأصولية، فلو أن المصلي سجد وعظم الله في السجود، ولم يدع لم يكن ذلك مكروهًا، فكذلك إذا دعا في الركوع لم يفعل ما يقتضي الكراهة، فلا يترتب على ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلا تلازم بين ترك المستحب والوقوع في المكروه، ذلك لأن المكروه عند الفقهاء قسمان:
القسم الأول: متفق على كراهته، وهو ما نهى الشارع عنه، لا على سبيل الإلزام، والدعاء في الركوع ليس منه؛ لأنه لا يحفظ في النصوص نهي صريح عن الدعاء في الركوع، كما لم يحفظ فيها نهي صريح عن التعظيم في السجود.
القسم الثاني من المكروه: وهو مختلف في كراهته، وهو ترك السنن المؤكدة، ويعبر عنه بعض الأصوليين بخلاف الأولى، والأذكار في الركوع والسجود لا تعد عند المالكية من السنن المؤكدة حتى يقتضي تركها الكراهة عندهم.
إذا تقرر هذا علم أن ترتب كراهة الدعاء في الركوع على الأمر بتعظيم الله في الركوع، أو على الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود، لا تساعد عليه القواعد الأصولية.
الوجه الثاني:
أن قوله: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب … إلخ).
منطوقه: الأمر بتعظيم الله في الركوع، والإكثار من الدعاء في السجود.
ومفهوم الشرط: الامتناع عن الدعاء في الركوع، والامتناع عن تعظيم الله في السجود، والجمهور القائلون بجواز الاحتجاج بالمفهوم، ومنه مفهوم الشرط لا يقولون: إن كل مفهوم حجة، بل يضعون لذلك شروطًا إذا تخلف شرط منها لم يكن حجة، ويرجع إليها في كتب الأصول.
فقد يأتي المنطوق، ولا مفهوم له إذا ذكر للترغيب أو للتنفير.
قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فَوَصْفُ الربا بكونه أضعافًا مضاعفة جاء للتنفير، وليس لتقييد الحكم بهذا الوصف، فلا يفهم منه جواز القليل من الربا، وهذا المثال في مفهوم الصفة.
[ ١٠ / ٣٤ ]
ومثال مفهوم الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، فالشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لا مفهوم له، فالتحريم ثابت مطلقًا.
والشرط بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود لا مفهوم له؛ لأنه جاء بقصد الترغيب في الإكثار من التعظيم في الركوع، فلا ينافي ذلك جواز التعظيم في السجود، وكذلك الشرط في السجود جاء بقصد الترغيب من الإكثار من الدعاء في السجود المفهوم من قوله: (فاجتهدوا فيه)، فلا ينافي ذلك جواز القليل منه في الركوع، كما ورد ذلك في السنة، فالمصلي إذا لم يمنع من التعظيم في السجود، لم يمنع من الدعاء في الركوع، فالمستحب أن تكون وظيفة الركوع إظهار التعظيم فيه أكثر من السجود، وفي السجود أن يكون الدعاء فيه أكثر من الركوع.
قال ابن حجر: «لا مفهوم له فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود» (^١).
• ورد هذا الوجه:
لا يصح حمل الاجتهاد في الدعاء في السجود على جواز القليل منه في الركوع؛ لأن حديث عائشة ﵂ في الصحيحين، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي (^٢).
فقد صرحت عائشة بوقوع الكثير بقولها: (كان يكثر أن يقول في ركوعه) فلا يصح الجمع بين حديث ابن عباس وحديث عائشة، بحمل حديث عائشة على جواز القليل منه في الركوع اختار ذلك الفاكهاني (^٣).
• وتعقب هذا الرد:
قال ابن حجر: «وهو عجيب؛ فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله: (اللهم اغفر لي) في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء، المشعر بتكثير الدعاء ولم يرد أنه كان يقول ذلك في بعض
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٢٨١).
(٢) صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢٧١ - ٤٨٤).
(٣) انظر فتح الباري (٢/ ٣٠٠)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥١٨).
[ ١٠ / ٣٥ ]
الصلوات دون بعض حتى يعترض عليه بقول عائشة كان يكثر» (^١).
الوجه الثالث:
أن الدعاء في الركوع لا ينافي التعظيم، والتعظيم في السجود لا ينافي الدعاء، ولذلك قال الزهري: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب دعاء (^٢).
أتى أمية بن أبي الصلت ابن جدعان يطلب نائلة، فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضك الثناءُ
فهذا مخلوق اكتفى بالثناء عليه عن المسألة، فكيف بالخالق ﷿.
الوجه الرابع:
إذا ثبت أن النبي ﷺ كان يدعو في الركوع فلا يعارض هذا المنطوق بالمفهوم لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع، وسوف نذكر الأدلة على أن النبي ﷺ كان يدعو في الركوع إن شاء الله عند ذكر أدلة القائلين بالاستحباب.
الوجه الخامس:
أن الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود دون الركوع، ليس لأن الركوع ليس موضعًا للدعاء؛ فالدعاء من جملة الذكر، وإنما معلل بأنه أقرب في إجابة الدعاء من غيره، ومنه الركوع، لقوله: (فقمن أن يستجاب لكم).
(ح-١٧٢٢) وروى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو، ساجد، فأكثروا الدعاء (^٣).
وكونه أقرب لإجابة الدعاء لا يقتضي التخصيص، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة، فالصلاة كلها موضع للدعاء، وقد جاء الأذن
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٣٠٠).
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٧/ ١٦٦).
(٣) صحيح مسلم (٢١٥ - ٤٨٢).
[ ١٠ / ٣٦ ]
بالدعاء في آخر التشهد، في قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) (^١)، فإذا كان الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود لا يقتضي قصر الدعاء عليه، لم يمنع المصلي من الدعاء في الركوع، لأن الدعاء في ذاته قربة، وذكر لله.
وقد اشترك الركوع والسجود بالتسبيح، وهو من جملة تعظيم الرب؛ لأن تنزيه الله سبحانه يستلزم تعظيمه، واشتركا في النهي عن قراءة القرآن فيهما، فلا مانع من الاشتراك في الدعاء، وإن خص السجود بكثرة الدعاء تَحَرِّيًا للإجابة.
قال القرطبي: «والصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع» (^٢).
• دليل من قال: يستحب الدعاء في الركوع:
(ح-١٧٢٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق،
عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (^٣).
(ح-١٧٢٤) ورواه مسلم من طريق مفضل، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] يصلي صلاة إلا دعا، أو قال فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي (^٤).
(ح-١٧٢٥) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك. قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٩٦٨).
(٢) نقلًا من كتاب الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٢٥/ ٨٠).
(٣) صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٤٨٤).
(٤) صحيح مسلم (٢١٩ - ٤٨٤).
[ ١٠ / ٣٧ ]
الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [لنصر: ١] إلى آخر السورة.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ طلب منه إذا رأى علامة في أمته أن يستغفر الله مسبوقًا بالتسبيح والتحميد، والثناء إذا سبق الدعاء فهو مسوق من أجله، لكونه من آدابه وسببًا في الإجابة، فالجملة كلها دعاء، والثناء جزء منه، كما في حديث: (سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ﷿، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: عَجِلَ هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم لِيُصَلِّ على النبي ﷺ، ثم ليدعُ بعد بما شاء).
فقوله: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه) فقوله: (إذا صلى) أي إذا دعا، فيكون التسبيح والتحميد من آداب الدعاء وجزءًا من الدعاء، سيق من أجله.
وقد طلب من النبي ﷺ هذا الدعاء إذا رأى نصر الله والفتح، وهو مطلق، يشمل داخل الصلاة وخارجها، فكان النبي ﷺ يقوله خارج صلاته، كما يقوله في صلاته، وقد تحرى النبي ﷺ أن يدعو به في ركوعه وسجوده، ولم يفرق بين الركوع والسجود؛ فعلم أنهما موضع للدعاء.
وكونه قليلًا فهذا لأنه هو المطلوب من النبي ﷺ، فلم يتجاوز ما طلب منه، ومن السنة أن يختم العمل بالاستغفار جبرًا للنقص، فالصلاة إذا انتهى منها المصلي استغفر الله ثلاثًا، وفي الحج، لما كان الحج عرفة، فإذا فرغ الإنسان من عرفة، ثم أفاض منها، طلب منه الاستغفار، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله.
فالرسول ﷺ لما طُلِبَ منه إذا رأى الفتح أن يستغفر الله كان ذلك إيذانًا بقرب أجله، وعلامة على قيام الرسول ﷺ برسالته، وقد تحرى النبي ﷺ في استغفاره في صلاته أن يجعله في الركوع والسجود، ولو لم يكن الركوع مَحلًّا للاستغفار لخصص ذلك الاستغفار في السجود.
• دليل من قال: يجوز الدعاء في الركوع:
هؤلاء حاولوا الجمع بين حديث ابن عباس: (أما الركوع فعظموا فيه الرب،
[ ١٠ / ٣٨ ]
وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء).
وبين حديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي).
فحملوا حديث ابن عباس على استحباب الدعاء في السجود.
وحملوا حديث عائشة على الجواز.
• دليل من قال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا فيما ورد في حديث عائشة:
هؤلاء جمعوا بين حديث ابن عباس وحديث عائشة.
فحملوا حديث ابن عباس على منع الدعاء في الركوع.
واستثنوا منه الدعاء الوارد بحديث عائشة: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).
فالعموم الذي في حديث ابن عباس خص منه ما ورد في حديث عائشة.
• وتعقب هذا:
يبدو لك من النظرة الأولى أن هذا القول هو الأقوى، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، لكنه في الحقيقة نزعة ظاهرية، فالذي شرع في الركوع (اللهم اغفر لي)، كيف يقال: لا يشرع قول: (اللهم ارحمني)، وأي فرق بينهما، إلا أن ذاك دعاء بالمغفرة، وهذا دعاء بالرحمة، والرحمة جنس والمغفرة نوع، ولو قيل بأن المنصوص أولى، وتفضيل الدعاء بالاستغفار بالركوع على غيره لكان له وجه، أما أن يقال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا بهذه الصيغة، فهذا محل نظر.
ولو فتح هذا لكان لقائل أن يقول: إن هذا الدعاء كان خاصًّا بالنبي ﷺ، ومشروطًا برؤية علامة في حياته إذا رآها، فالأمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار ليس مأمورًا به قبل رؤية هذه العلامة، وما كان خاصًا ومشروطًا بعلامة لا يصح القول به مطلقًا على العموم ودون شرطه، لو قيل هذا لكان أسعد من القول بأنه خاص بهذه الصيغة، فلا يشرع الدعاء بغيرها في الركوع.
ولم أقف على أحد من الأئمة الأربعة خصص الجواز بالاستغفار، ولولا أنه قول ملفق من قولين لقلت: إنه قول محدث، ولو سلكنا بالاستدلال هذا الطريق لجعلنا
[ ١٠ / ٣٩ ]
المطلوب من المصلي أن يقتصر في أدعية الركوع والسجود على الوارد فحسب، والصواب أن الركوع والسجود مأذون للعبد أن يزيد على المقدار الوارد في السنة إذا كان من جنس الوارد، ما لم يكن إمامًا يشق على المأمومين، والله أعلم.
• الراجح:
يستحب القليل من الدعاء بالركوع، والوارد أولى من غيره، كما أن الأولى أن يكثر الدعاء بالسجود، فهو أحرى بالإجابة، والله أعلم.
[ ١٠ / ٤٠ ]