المدخل إلى المسألة:
• الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره.
• رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين.
• رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب.
• السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.
[م-٦٤٤] اختلف العلماء القائلون بمشروعية رفع اليدين للرفع من الركوع في صفة الرفع:
فقيل: يرفع يديه مع ابتداء رفع رأسه قبل أن يَسْتَتِبَّ قائمًا. وهو مذهب الشافعية والحنابلة، زاد الشافعية: ويكون انتهاؤه مع انتهاء رفعه (^١).
_________________
(١) تحفة المحتاج (٢/ ٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، المغني (١/ ٣٦٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٧٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥)، الفروع (٢/ ١٩٧)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، المبدع (١/ ٣٩٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٦)، الإنصاف (٢/ ٦١)، الإقناع (١/ ١٢٠).
[ ١٠ / ٩٧ ]
ومعلوم أنه يشرع له مع ابتداء رفع رأسه أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد، فيكون الرفع على هذا مقارنًا لرفع الرأس من الركوع، وفي الوقت نفسه مصاحبًا للذكر الخاص بالرفع.
وقال القاضي ابن كج من الشافعية: «يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين» (^١).
• واستدل من قال: يرفع يديه مقارنًا للرفع والذكر:
(ح-١٧٤٥) ما رواه البخاري، حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله (يعني ابن المبارك)، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله،
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (^٢).
فجعل الرفع من اليدين وقول سمع الله لمن حمده إذا رفع رأسه للركوع، وإذا كان وقت التسميع بالاتفاق حين يرفع رأسه، فكذلك رفع اليدين.
ورواه النسائي أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأ عبد الله بن المبارك به، بلفظ:
رأيت رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، قال: وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (^٣).
وسويد بن نصر راوية ابن المبارك، وإن لم يخرجا عنه في الصحيح.
وتابعه عبدان وعلي بن إبراهيم البناني كما في السنن الكبرى للبيهقي (^٤).
ورواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
_________________
(١) فتح العزيز (٣/ ٤١٢)، الهداية إلى أوهام الكفاية مطبوع بخاتمة كفاية النبيه (٢٠/ ١٢٦).
(٢) صحيح البخاري (٧٣٦).
(٣) سنن النسائي (٨٧٧).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي تحقيق فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٣/ ٤٧٥).
[ ١٠ / ٩٨ ]
أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر، ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ (^١).
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا ركع رفع يديه وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه)،
فإذا كان قوله: (إذا ركع رفع يديه) لا يحمل على معنى: إذا فرغ من الركوع رفع يديه بالاتفاق، فكذلك قوله: (إذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه) لا يراد منه: إذا فرغ من التسميع، كما في الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فإذا هنا تفيد المعية أي مع تأمين الإمام، فكذلك يحمل قوله: (إذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه) أي مع الركوع والتسميع، لا قبلُ، ولا بعدُ.
ومثله قوله: (إذا دخل في الصلاة كبر) لا يريد أن المعنى إذا فرغ من الدخول في الصلاة كبَّر، بل يريد اقتران الدخول بالتكبير، فكذلك يقال: اقتران الرفع بالتسميع.
وقيل: يرفع يديه بعد اعتداله، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).
وعلى هذا القول يكون الرفع بعد فراغ الإمام من قول: سمع الله لمن حمده، وبعد فراغ المأموم من قول: ربنا ولك الحمد.
• واستدلوا على ذلك:
الدليل الأول:
(ح-١٧٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع -وقال سفيان: مرة، وإذا رفع رأسه- وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٣٩).
(٢) الفروع (٢/ ١٩٧)، المبدع (١/ ٣٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦١).
(٣) مسند أحمد (٢/ ٨).
[ ١٠ / ٩٩ ]
[رواه سفيان بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) على اختلاف عليه، ورواه غيره بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع)، وهو المحفوظ] (^١).
_________________
(١) أشار الإمام أحمد عليه رحمة الله أن سفيان يروي رفع اليدين بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) وربما رواه بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع). والحديث مداره على الزهري، عن سالم، عن أبيه ابن عمر ﵄. رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، واختلف عليه: فرواه علي بن المديني في رفع اليدين بالصلاة للبخاري، كما في قرة العينين (٢)، ومعجم ابن الأعرابي (١٢٥٧). ويحيى بن يحيى التميمي، كما في مسلم (٢١ - ٣٩٠). وابن أبي عمر كما في سنن الترمذي (٢٥٥)، وقتيبة بن سعيد كما في سنن الترمذي (٢٥٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٢٥)، وفي الكبرى له (١٠٩٩)، وعبد الله بن المبارك كما في معجم ابن الأعرابي (١٩٢٩)، والبيقهي في السنن الكبرى (٢/ ٣٦) من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم (ثقة)، ستتهم رووه عن سفيان به، وذكروا رفع اليدين من الركوع بلفظ: (… وإذا رفع رأسه من الركوع …). وقوله: (إذا رفع من الركوع …) أي إذا أراد. وخالف هؤلاء كل من: الإمام أحمد كما في المسند (٢/ ٨)، وعنه أبو داود في السنن (٧٢١). والحميدي كما في مسنده (٦٢٦)، والإمام الشافعي كما في مسنده (ص: ١٧٦)، وعمرو بن محمد الناقد كما في مسند أبي يعلى (٥٤٨١)، ويونس بن عبد الأعلى كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٢)، وفي مشكل الآثار (٥٨٢٧)، وعلي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبي عمر الضرير كما في سنن ابن ماجه (٨٥٨)، ومحمد بن رافع في آخرين واللفظ له كما في صحيح ابن خزيمة (٥٨٣)، وعبد الله بن محمد الزهري في آخرين، واللفظ له كما في مستخرج الطوسي (٢٣٦)، وأحمد بن عبدة كما في مسند البزار (٦٠٠٢)، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، كما في منتقى ابن الجارود (١٧٧)، ومستخرج الطوسي (٢٣٦). وهارون بن إسحاق، ويوسف بن موسى كما في المنتقى لابن الجارود (١٧٧). ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو الربيع الزهراني كما في صحيح ابن حبان (١٨٦٤). وأبي نعيم عبيد بن هشام الحلبي كما في المعجم الصغير للطبراني (١١٦٨). ومحمد بن عيسى، كما في فوائد تمام (١١٣)، =
[ ١٠ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسعدان بن نصر المُخَرِّمِيُّ كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٧٢) والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠١)، وفي الخلافيات له (١٤٧٣)، وكما في مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم وإسماعيل الصفار (٦٣٤)، وجزء من أحاديث ابن المقير (١٣٢٢). وعبد الله بن أيوب المخرمي، كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٧٢)، والخلافيات للبيهقي في آخرين (١٦٣٥). وشعيب بن عمرو كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٧٢). والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني كما في معجم ابن الأعرابي (١٣٤٨)، والخلافيات للبيهقي (١٦٣٥). ومحمد بن الحجاج بن إياس بن نذير أبو الفضل الكوفي كما في الخلافيات للبيهقي (١٦٣٥). كلهم (أحمد والحميدي، والشافعي، وعمرو الناقد، ويونس بن عبد الأعلى، وعلي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبو عمر الضرير، وعبد الله بن محمد الزهري، وأحمد بن عبدة، وابن المقرئ، وهارون بن إسحاق، ويوسف بن موسى، وابن نمير، وأبو الربيع الزهراني، وعبيد بن هشام، ومحمد بن عيسى، وسعدان بن نصر، وعبد الله بن أيوب المخرمي، وشعيب بن عمرو، والزعفراني، ومحمد بن الحجاج) رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه وذكروا أن رفع اليدين بعدما يرفع رأسه من الركوع. وقد رواه كبار أصحاب الزهري كالإمام مالك، ويونس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وشعيب، وابن جريج، وابن أخي الزهري، وهشيم، وغيرهم، فذكروا الحديث بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع) فاتفاقهم على هذا اللفظ، ومخالفتهم لرواية سفيان، تدل على ضبطهم وشذوذ ما رواه سفيان بن عيينة، وقد تجنب البخاري ومسلم إخراج الحديث من رواية سفيان بن عيينة مع كون الإسناد على شرطهما، ولعل ذلك لمخالفة سفيان كبار أصحاب الزهري، وقد أشار الإمام أحمد إلى اختلاف سفيان بن عيينة في لفظه، فتارة يرويه برواية الجماعة، وتارة يخالفهم، وهو الأكثر عنه، وإليك تخريج بعض هذه الطرق عن الزهري: الأول: مالك بن أنس، عن الزهري. رواه مالك، واختلف عليه: فرواه يحيى بن أبي يحيى كما في الموطأ (١/ ٧٥)، وعبد الله بن مسلمة كما في صحيح البخاري (٧٣٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٣٤). وأبو مصعب الزهري، كما في روايته للموطأ (٢٠٤)، ومحمد بن الحسن كما في روايته للموطأ (٩٩)، والشافعي كما في مسنده (ص: ٢١٢)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٧٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠). =
[ ١٠ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٢/ ١٨)، وسنن النسائي (١٠٥٧)، وفي الكبرى (٦٤٨). وقتيبة بن سعيد كما في سنن النسائي (٨٧٨)، وفي الكبرى (٩٥٤) وعبد الله بن المبارك كما في سنن النسائي (١٠٥٩)، وفي الكبرى (٦٥٠)، وصحيح ابن حبان (١٨٦١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠). وابن وهب كما في جامعه (٣٨٦)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣). وعثمان بن عمر كما في سنن الدارمي (١٢٨٥). وخالد بن مخلد كما في سنن الدارمي (١٣٤٧)، وإسماعيل بن أبي أويس كما في مسند أبي يعلى (٥٤٩٩)، وعبد الله بن يوسف في رفع اليدين للبخاري، كما في قرة العينين (١١)، كلهم رووه عن مالك، عن الزهري فذكروا رفع اليدين بلفظ: (… وإذا رفع من الركوع …). ورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، واختلف عليه: فرواه هارون بن سليمان كما في الخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٢٩)، عن مالك به، بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع …)، وهذا المحفوظ أنه لفظ ابن عيينة، عن الزهري. وخالفه أحمد بن حنبل فرواه في المسند (٢/ ٦٢) عن عبد الرحمن بن مهدي به، بلفظ الجماعة: (كان يرفع يديه إذا استفتح الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع). الثاني: يونس بن يزيد، عن الزهري. رواه البخاري (٧٣٦) عن محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري به، بلفظ: ( إذا قام في الصلاة رفع يديه … وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده …). ورواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق سلمة بن سليمان، عن ابن المبارك به مختصرًا. وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. الثالث: شعيب، عن الزهري. أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٨) بلفظ: (… رفع يديه حين يكبر … وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثله، وقال: ربنا ولك الحمد …)، وأكتفي فيه بالصحيح عن غيره. الرابع: ابن جريج، عن الزهري. رواه مسلم (٢٢ - ٣٩٠) بلفظ: (… إذا قام للصلاة رفع يديه … ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ). وأكتفي به بالصحيح عن غيره. الخامس: معمر عن الزهري. رواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٥١٧)، عن معمر بلفظ: ( وإذا رفع رأسه من الركعة =
[ ١٠ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رفعهما ). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٢)، والدارقطني في السنن (١١١٥). ورواه أحمد (٢/ ٤٧)، وأبو يعلى (٥٥٦٤)، عن إسماعيل بن إبراهيم، ورواه النسائي في المجتبى (١٠٨٨)، وفي الكبرى (٦٧٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك، ورواه الروياني في مسنده (١٤٠٢) من طريق عبد الأعلى، ثلاثتهم عن معمر، عن الزهري به، بلفظ: (… يرفع يديه إذا دخل إلى الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع ). السادس: عبيد الله بن عمر، عن الزهري. رواه النسائي في المجتبى (١١٨٢)، وفي الكبرى (١١٠٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٦٩٣)، وابن حبان (١٨٧٧)، من طريق المعتمر بن سليمان، ورواه البزار في مسنده (٦٠٠٣)، والروياني في مسنده (١٤٠٢)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٨) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، ورواه أبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك ثلاثتهم (المعتمر، وابن المبارك، وعبد الوهاب) رووه عن عبيد الله بن عمر به، بلفظ: (كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع ). ولفظ ابن حبان (١٨٦٨) من طريق عبد الوهاب: (… إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده)، وهما بمعنى واحد. السابع: عقيل، عن الزهري. رواه الليث عن عقيل، واختلف عليه: رواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق حجين بن المثنى، وحجاج بن محمد كما في مستخرج أبي نعيم (١٥٧٨)، وسنن الدارقطني (١١١٣)، كلاهما عن الليث، عن عقيل به، مختصرًا، ليس فيه اللفظ موضع البحث، ولفظه: (كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر). ورواه عبد الله بن صالح كاتب الليث، في رفع اليدين للبخاري كما في قرة العينين (٧٨)، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب به، بلفظ: (… وبعدما يرفع رأسه من الركوع) كرواية سفيان عن الزهري، ولم يقل ذلك عن عقيل إلا عبد الله بن صالح، وهو صالح الحديث، وله مناكير. وخالفه من هو أوثق منه في الليث، فرواه يحيى بن عبد الله بن بكير كما في مسند أبي العباس السراج (٩٥)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٨٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٢)، وفي الخلافيات (١٦٣٩)، فرواه عن الليث بن سعد به، حدثني عقيل، عن الزهري به، بلفظ: =
[ ١٠ / ١٠٣ ]
وجه الاستدلال: قوله: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) صريح أن رفع اليدين بعد رفع الرأس، لا قبله، ولا معه.
• وأجيب:
بأن المحفوظ من الحديث: (وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما)، كما كشف ذلك تخريج الحديث، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٤٧) ما رواه أبو داود، حدثنا الإمام أحمد، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:
سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم
_________________
(١) = ( وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك …). مثل رواية مالك ويونس ومعمر وغيرهم من أصحاب الزهري، وهذا هو المحفوظ من رواية الليث، عن عقيل الثامن: هشيم، عن الزهري. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٢٨). والبخاري في رفع اليدين للصلاة كما في قرة العينين (٧٧) حدثنا قتيبة، والسراج في حديثه (٧١، ١٧٢٦)، وفي مسنده (٩٨) حدثنا داود بن رُشَيْد، وهناد بن السَّرِيِّ، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٣) من طريق الإمام أحمد، كلهم عن هشيم، عن الزهري به، بلفظ: (كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع …). التاسع: ابن أخي الزهري، عن عمه. رواه أحمد (٢/ ١٣٣، ١٣٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٨)، والسراج في مسنده (٩٠)، وفي حديثه (١٥٩٤)، والدارقطني في السنن (١١١٧) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه (الزهري) به، بلفظ: (… ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه ). هذه طرق بعض الرواة ممن رواه عن الزهري مخالفين له لسفيان بن عيينة في لفظه، وإذا شئت أن تستكمل ما بقي من طرقه فقد خرجته في المجلد السابع عند الكلام على رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، فارجع إليه، وبالله التوفيق.
[ ١٠ / ١٠٤ ]
يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا (^١).
[اضطرب عبد الحميد بن جعفر في موضع رفع اليدين بعد الركوع، فتارة يرويه بلفظ: (يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه) وتارة يرويه بلفظ: (يقول: سمع الله لمن حمده ورفع يديه، بالواو] (^٢).
_________________
(١) سنن أبي داود (٧٣٠).
(٢) الاحتجاج بالحديث في محل موضع رفع الأيدي في هذا الحديث معلول بعلتين: الأول: أن الحديث مداره على محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ويرويه اثنان عن محمد بن عمرو بن عطاء. الأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء. وروايته في صحيح البخاري (٨٢٨) بلفظ: (رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه … الحديث). ولم يذكر رفع الأيدي في الرفع من الركوع. الثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء. وعبد الحميد صدوق ربما وهم، وتكلم فيه الطحاوي بلا حجة، وقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي. واختلف النقل عن يحيى بن سعيد القطان، فمرة نقل أنه كان يوثقه، ونقل أنه كان يضعفه، ومع تفرد عبد الحميد بن جعفر في ذكر موضع رفع الأيدي إذا رفع رأسه من الركوع، فقد رواه بثلاثة ألفاظ مما يدل على اضطرابه في ضبطه، من ذلك: اللفظ الأول: رواه بلفظ: (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم رفع، واعتدل). والمتبادر بإطلاق الرفع، أنه يقصد به الرفع من الركوع، لعطف الاعتدال عليه. رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٢٤)، ويحيى بن حكيم كما في مسند البزار (٣٧١١)، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد ابن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي. اللفظ الثاني: (ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه) بالعطف، وهذا يقتضي المشاركة، بلا ترتب بينهما. =
[ ١٠ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رواه محمد بن بشار كما في سنن الترمذي (٣٠٤)، وسنن ابن ماجه (٨٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥٨٧). ومحمد بن المثنى، كما في سنن الترمذي (٣٠٤)، وعمرو بن علي الفلاس كما في صحيح ابن حبان (١٨٦٥)، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد القطان. وعبد الملك بن الصباح المسمعي كما في صحيح ابن خزيمة (٦٧٧)، كلاهما يحيى بن سعيد القطان، والمسمعي، روياه عن عبد الحميد بن جعفر به. وتابعهما هشيم عن عبد الحميد بمعناه، عند ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٨)، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: (… إذا ركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه). فهؤلاء ثلاثة من الرواة (القطان، والمسمعي، وهشيم) رووا رفع الأيدي مع قول سمع الله لمن حمده. اللفظ الثالث: (ثم قال: سمع الله لمن حمده ثم رفع يديه)، بلفظ (ثم) المتقضية للترتيب. رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، واختلف عليه: فرواه أحمد بن حنبل كما في سنن أبي داود (٧٣٠)، والدارمي (١٣٩٦)، وأبو بكرة كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣)، ومحمد بن سنان القزاز البصري كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٥)، أربعتهم (أحمد، والدرامي وأبو بكرة والقزاز) عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ (ثم يرفع يديه). ورواه محمد بن بشار كما في سنن ابن ماجه (١٠٦١) حدثنا أبو عاصم به، بلفظ (ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه …). ورواه محمد بن يحيى كما في المنتقى لابن الجارود (١٩٢) أخبرنا أبو عاصم به، بلفظ: (… فيقول: سمع الله لمن حمده يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا )، ليس فيه الواو، ولا ثم، والأظهر دلالتها على الاقتران. ورواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر واختلف عليه: فرواه عمرو بن عبد الله الأودي كما في صحيح ابن حبان (١٨٧٠)، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبد الحميد بن جعفر به، وفيه: (… ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه). ورواه عبد الله بن محمد بن شاكر كما في السنن البيهقي (٢/ ١٩٦) حدثنا أبو أسامة به، بلفظ: ( ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده ثم رفع يديه ). ورواه علي بن محمد الطنافسي كما في سنن ابن ماجه (٨٠٣)، عن أبي أسامة به مختصرًا برفع اليدين في تكبيرة الإحرام. فإن كان ثَمَّةَ ترجيح، فترجيح رواية الواو على رواية ثم: أي أن المحفوظ (ثم يقول: سمع الله لمن حمده ورفع يديه) أولى من لفظ (ثم يرفع يديه) لأن الروايات الموافقة لحديث ابن عمر في الصحيحين، أولى من إثبات صفة تخالف حديث ابن عمر مع اضطراب رواية في لفظه، فتارة يرويه بالواو، وتارة يرويه بثم، والراوي ليس بالقوي، والله أعلم.
[ ١٠ / ١٠٦ ]
الدليل الثالث:
(ح-١٧٤٨) رواه ابن ماجه حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثنا عباس بن سهل الساعدي، قال:
اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، إن رسول الله ﷺ قام، فكبر، ورفع يديه، ثم رفع حين كبر للركوع، ثم قام فرفع يديه، واستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه الحديث (^١).
[اختلف على فليح بن سليمان في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم ذكر موضع رفع اليدين في الرفع من الركوع] (^٢).
_________________
(١) سنن ابن ماجه (٨٦٣).
(٢) الحديث مداره على أبي عامر العقدي، عن فليح، عن عباس بن سهل الساعدي، عن أبي حميد الساعدي. رواه محمد بن بشار عن أبي عامر العقدي كما في سنن ابن ماجه (٨٦٣)، وابن حبان (١٨٧١) وفيه (ثم قام فرفع يديه، فاستوى …). فجاء الرفع بعد القيام مفرعًا عنه بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب. ورواه الترمذي مختصرًا (٢٦٠، ٢٧٠، ٢٩٣)، وابن خزيمة مختصرًا (٦٤٠) عن محمد بن بشار به، ليس فيه موضع البحث. ورواه أبو داود الطيالسي كما في صحيح ابن خزيمة (٥٨٩، ٦٠٨) عن أبي عامر العقدي به، وجاء فيه: (… ثم رفع رأسه، فاستوى قائمًا حتى عاد كل عظم منه إلى موضعه ). ولم يذكر موضع رفع اليدين. وهذه الرواية أرجح؛ لأن أبا داود الطيالسي مقدم على بندار من جهة، ومن جهة أخرى فإن رواية أبي داود الطيالسي موافقة لرواية الإمام البخاري. فقد رواه البخاري في الصحيح (٨٢٨) من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد بلفظ: (… فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه)، ولم يذكر رفع اليدين. =
[ ١٠ / ١٠٧ ]
وجه الاستدلال:
قوله: (قام فرفع يديه واستوى) فذكر القيام أولًا، وجاء بعده رفع اليدين بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وأما الاستواء فذكر مع رفع اليدين بالواو الدالة على الاشتراك بلا ترتيب بين الاستواء ورفع اليدين.
• ويجاب:
بأن الحديث قد اختلف في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم الرفع، وفي إسناده فليح صدوق كثير الخطأ، فلا يمكن به إثبات صفة في الرفع معارضة لحديث ابن عمر في الصحيحين، والله أعلم.
وقيل: يرفع المأموم يديه مع رفع رأسه رواية واحدة؛ وكذا المنفرد إن قلنا: لا يشرع له التحميد، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).
قال ابن قدامة: «ولا تختلف الرواية في أن المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه؛
_________________
(١) = ومرجح ثالث، أن زيادة بندار معارضة لحديث ابن عمر في الصحيحين، من كون رفع اليدين إذا رفع رأسه من الركوع مع قول سمع الله لمن حمده، فلا تقوى زيادة بندار، وهي عنه، عن فليح بن سليمان، والأول قال أبو داود: لولا سلامة في بندار ترك حديثه. وفليح صدوق كثير الخطأ، فلا يقدر هذا الإسناد على معارضة حديث ابن عمر، وهو في الصحيحين، والله أعلم، ولا يمنع من القول بأن حديث فليح حسن في الجملة إلا هذا الحرف منه، ولا يمكن تقويته برواية عبد الحميد بن جعفر فإن هذا الحرف من حديث عبد الحميد قد اضطرب فيه حميد كما تبين لك في التخريج، لكن يتقوى به الحديث في الجملة دون جملة البحث، والله أعلم. وقد رواه جملة من الرواة عن أبي عامر العقدي، فاختصروه، ولم يذكروا جملة البحث، منهم: الأول: الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي كما في سنن أبي داود (٩٦٧). الثاني: عبد الله بن محمد في رفع اليدين للبخاري مختصرًا كما في قرة العينين (٥). الثالث: ابن مرزوق كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٣). الرابع: محمد بن رافع كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨٩). الخامس: إسحاق بن إبراهيم كما في سنن الدارمي (١٣٤٦). السادس: محمد بن المثنى كما في مسند البزار (٣٧١٢) كل هؤلاء رووه عن أبي عامر العقدي، عن فليح به مختصرًا، ليس فيه جملة البحث.
(٢) المبدع (١/ ٣٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦٢).
[ ١٠ / ١٠٨ ]
لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال، والرفع إنما جعل هيئة للذكر، بخلاف الإمام.
يعني أن له ذكرًًاحال قيامه وذكرًا وهو قائم».
• الراجح:
أن المشروع في رفع اليدين أن يكون مع التسميع إن كان المصلي إمامًا أو فَذًّا، ومع التحميد إن كان المصلي مأمومًا، والله أعلم.
[ ١٠ / ١٠٩ ]