المدخل إلى المسألة:
• كل حديث صح في حق الإمام أنه يجمع بين التسميع والتحميد فهو صالح للاحتجاج به في حق المنفرد.
• الإمام منفرد في حق نفسه.
• أحكام الإمام وأحكام المنفرد واحدة، ونية الإمامة ليست شرطًا في صحة إمامته.
• قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.
[م-٦٤٢] اختلفوا في المنفرد:
فقيل: المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورواية الحسن عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو الأصح في المذهب (^١).
_________________
(١) المبسوط (١/ ٢١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، فتح القدير (١/ ٢٩٩)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٦)، المدونة (١/ ١٦٧)، شرح التلقين (٢/ ٥٨٨)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، بداية المجتهد (١/ ١٦٠)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٩٥)، المعونة (ص: ٢٢١)، التلقين (١/ ٤٦)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢١٨)، الخرشي (١/ ٢٧٥)، الشرح الكبير (١/ ٢٤٨)، الأم (١/ ١٣٢)، الوسيط (٢/ ١٢٩)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٩)، المجموع (٣/ ٤١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٤)، المبسوط (٢/ ١٢٩)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٠، ١٦١)، نيل المآرب (١/ ١٤٠)، الهداية (ص: ٨٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، المغني (١/ ٣٦٦)، المبدع (١/ ٣٩٦)، الإنصاف (٢/ ٦٤)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥).
[ ١٠ / ٩٠ ]
قال ابن عابدين: المعتمد «أن المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد …».
وقيل: المنفرد يكتفي بالتحميد فقط، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ورجحه السرخسي وغيره من المشايخ، وهو رواية عن أحمد (^١).
وقيل: المنفرد يأتي بالتسميع فقط، وهو رواية المعلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنفية، ورواية عن أحمد (^٢).
• دليل من قال: يجمع بين التسميع والتحميد:
الدليل الأول:
كل حديث صح في الإمام أنه يجمع بين التسميع والتحميد فهو صالح للاحتجاج به في حق المنفرد؛ لأن الإمام منفرد في حق نفسه، وأحكام الإمام وأحكام المنفرد واحدة، ونية الإمامة ليست شرطًا في صحة إمامته، والمنفرد يجب عليه أن يتأسى بفعل الرسول ﷺ.
(ح-١٧٤٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد (^٣).
وفي الباب حديث ابن عمر في البخاري (^٤).
وحديث عائشة، في البخاري (^٥).
_________________
(١) شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦١٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩، ٢١٠)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٦)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦٤).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، الإنصاف (٢/ ٦٤)، الفروع (٢/ ١٩٨).
(٣) صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).
(٤) صحيح البخاري (٧٣٥).
(٥) صحيح البخاري (١٠٦٥).
[ ١٠ / ٩١ ]
وحديث ابن أبي أوفى في مسلم (^١).
وحديث حذيفة في مسلم (^٢).
وحديث علي بن أبي طالب في مسلم (^٣).
وحديث أبي سعيد الخدري في مسلم (^٤).
والظاهر من إطلاق هذه الأحاديث عموم أحوال صلاة النبي ﷺ جماعة ومنفردًا، ولوكان هذا خاصًّا بالإمامة لجاء التنبيه عليه من الرواة.
وقد احتج الطحاوي على مشروعية التحميد للإمام بقياسه على المنفرد.
قال الطحاوي: «لما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (^٥).
الدليل الثاني:
حكى بعض العلماء الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما.
قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، أو ولك الحمد» (^٦).
وقال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك» (^٧). يعني الجمع بين التسميع والتحميد.
وقال العيني في شرح سنن أبي داود: «وأما المنفرد فيجمع بينهما بلا خلاف» (^٨).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).
(٢) رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).
(٣) رواه مسلم (٢٠٢ - ٧٧١).
(٤) رواه مسلم (٢٠٥ - ٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
(٥) شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٠).
(٦) التمهيد (٦/ ١٤٨)، الاستذكار (٢/ ١٧٨).
(٧) شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٠).
(٨) شرح سنن أبي داود للعيني (٤/ ٣٣).
[ ١٠ / ٩٢ ]
ولا يثبت الإجماع لوجود الخلاف فيه كما هو واضح من عرض الأقوال، ولذلك عبارة العيني في شرح البخاري وفي البناية شرح الهداية أشار إلى الخلاف بقوله: والمنفرد يجمع بينهما في الأصح (^١).
وهي أدق من عبارته في شرح سنن أبي داود السابقة
وقال مثله القسطلاني في إرشاد الساري (^٢).
ومحمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي في شرح مسلم (^٣).
• دليل من قال: المنفرد يكتفي بالتحميد:
أن قوله: (سمع الله لمن حمده) يراد منها حث المصلين على التحميد، والمنفرد ليس معه غيره ليحثهم عليه، فكانت حاجته إلى التحميد فقط.
• ويجاب:
بأن جملة (سمع الله لمن حمده) مختلف في تأويلها على قولين: أيراد منها الدعاء أم الخبر؟
وعلى الأول لا يمنع المنفرد من أن يتقدم التحميد الدعاء له بالقبول والإجابة.
وعلى التأويل الثاني وأن المراد منه الخبر والحث على التحميد، فلا يمتنع أن يحث المصلي نفسه على ذلك، ولا يستبعد أن تكون ألفاظ العبادة يغلب عليها التوقيف على مراعاة المعنى، ولذلك يقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي … بكاف المخاطب، مع أن النبي ﷺ ليس شاهدًا لصلاته، ولا سامعًا لسلامه، ويسلم المنفرد، وليس خلفه من يسلم عليهم، ويشرع الرمل في طواف القدوم وليس ثمت مشركون في مكة، ويؤذن المنفرد ويقيم ولولا ينتظر أحدًا يصلي معه، والله أعلم.
• دليل من قال: يكتفي بالتسميع:
(ح-١٧٤٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزناد، عن الأعرج،
_________________
(١) عمدة القارئ (٦/ ٦٢)، البناية شرح الهداية (٢/ ٢٣٠).
(٢) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٢/ ١٠٤).
(٣) الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٧/ ٦٣).
[ ١٠ / ٩٣ ]
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).
وجه الاستدلال:
إذا كان الإمام يقتصر على قول سمع الله لمن حمده، والمأموم على قول: ربنا لك الحمد، فالمنفرد إمام نفسه؛ ويشرع له ما يشرع للإمام، لأن أحكام صلاتهما واحدة، فلا يشرع له التحميد، والله أعلم.
• ويناقش:
سبق الخلاف في المشروع للإمام، ورجحت أنه يجمع بين التسميع والتحميد، وناقشت دلالة هذا الحديث، فانظر في الخلاف في تحميد الإمام، والله أعلم.
• الراجح:
أن المنفرد يشرع في حقه التسميع والتحميد، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).
[ ١٠ / ٩٤ ]