المدخل إلى المسألة:
• ثبت الأمر بالسجود على الجبهة، والأصل في الأمر الوجوب.
• الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف، والسجود عليه ثابت بالسنة الفعلية، والفعل لا يدل على الوجوب.
• استيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع.
• الأنف تابع للجبهة، في السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لم يجزئه.
[م-٦٥٦] اتفق الفقهاء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء،
(ح-١٨٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين … الحديث (^١).
[م-٦٥٧] واختلف العلماء في هذا الأمر، أهو للوجوب أم للندب؟
_________________
(١) صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
وعلى القول بأنه للوجوب، أهو شامل لجميع الأعضاء، أم يختص ببعضها دون بعض؟
أما الخلاف في الجبهة:
فقيل: السجود على الجبهة ركن من أركان الصلاة على التعيين، فلو ترك السجود عليها في حال الاختيار لا يجزئه، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه وزفر، وإليه صح رجوع الإمام إليه، وعليه الفتوى، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).
قال ابن عابدين: «وأما جواز الاقتصار على الأنف فشرطه العذر على الراجح» (^٢).
وقال النووي: «أما الجبهة فجمهور العلماء على وجوبها، وأن الأنف لا يجزي عنها» (^٣).
وقال أبو حنيفة: الفرض: الجبهة، أو الأنف من غير تعيين، فإن اقتصر على
_________________
(١) الأصل (١/ ١٣، ٢١٠)، المبسوط (١/ ٣٤)، مختصر القدوري (ص: ٢٧)، كنز الدقائق (ص: ١٦٣)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨، ٤٩٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣). وقال خليل في مختصره (ص: ٣٢): «وسجود على جبهته -أي من فرائض الصلاة- وأعاد لترك أنفه بوقت، وسن على أطراف قدميه، وركبتيه، كيديه على الأصح». وقال ابن القاسم كما في التاج والإكليل (٢/ ٢١٦): «إن سجد على الأنف دون الجبهة أعاد أبدًا». وانظر: منح الجليل (١/ ٢٥٠)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، شرح التلقين (٢/ ٥٢٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٠). وانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٦)، المجموع (٣/ ٤٢٢، ٤٢٤)، فتح العزيز (٣/ ٤٥١)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)، المهذب (١/ ١٤٥)، منهاج الطالبين (ص: ٢٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٩)، الإقناع (١/ ١٢١)، الكافي (١/ ٢٥٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥١)، مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (ص: ١٧١)، المغني (١/ ٣٧٠)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٤٠٠)، الإنصاف (٢/ ٦٧).
(٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٧).
(٣) المجموع (٣/ ٤٢٤).
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
الأنف وحده جاز مع الكراهة، وإن اقتصر على الجبهة فقولان عن أبي حنيفة:
ففي التحفة والبدائع: لا يكره عنده.
وفي المفيد والمزيد والدر المختار يكره الاقتصار على أحدهما (^١).
قال ابن المنذر عن قول أبي حنيفة: «وهو قول لا أحسب أن أحدًا سبقه إليه، ولا تبعه عليه» (^٢).
وأبو حنيفة عاصر التابعين، ومع ذلك انظر كيف تعقبه ابن المنذر في كون هذا القول لم يسبق إليه، فماذا يقول ابن المنذر فيما يتفرد به ابن حزم مع تأخره، ويخالف فيه الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.
ولم ينفرد به أبو حنفية، قال ابن رجب: «ولو اقتصر على أنفه دون جبهته لم
_________________
(١) اختلف الحنفية في تفسير الكراهة أهي للتحريم، أم للتنزيه، على قولين: ولم يستبعد ابن الهمام في الفتح حمل الكراهة على التحريم بناء على أصول المذهب. وجه حملها على التحريم: أن الأمر بالسجود على الأنف جاء بطريق الآحاد، وهو ظني الثبوت، والأمر بالسجود نفسه جاء بالقرآن وهو قطعي الثبوت، فيكون السجود فرضًا، والسجود على الأنف واجبًا؛ وترك الفرض يعبر عنه الحنفية بالتحريم، وترك الواجب يعبر عنه الحنفية بالكراهة ويقصدون التحريمية، كما قال الحنفية: القراءة في الصلاة ركن، وقراءة الفاتحة واجبة، قال أصحاب هذا التفسير: فلو قلنا بركنية السجود على الأنف لزم منه الزيادة على الكتاب، والزيادة على النص نسخ، والآحاد لا ينسخ القطعي، فكان مقتضى الأمر بالسجود على الأنف بحديث ابن عباس، وهو آحاد، والمواظبة عليه من النبي ﷺ دليل على وجوبه، لا على ركنيته، وترك الواجب يكره تحريمًا لا تنزيهًا. وسبق لي مناقشة الحنفية في تأصيلهم هذا، والمهم عندي هنا فهم القول، لا بيان صوابه من ضعفه. انظر فتح القدير (١/ ٣٠٤)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٩، ٤٩٩)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥، ٣٣٦). وجاء في بدائع الصنائع (١/ ١٠٥): «قال أبو حنيفة: هو الجبهة أو الأنف من غير تعيين، حتى لو وضع أحدهما في حالة الاختيار يجزيه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة». وانظر: الأصل (١/ ١٣، ٢١٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣).
(٢) الأوسط (٣/ ١٧٧)، وانظر: المجموع (٣/ ٤٢٥).
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسان بن إبراهيم» (^١).
وعند أبي الفرج المالكي في الحاوي أن من اقتصر على الأنف دون الجبهة تجزئه صلاته ويعيد في الوقت (^٢).
• دليل الجمهور على أن السجود على الجبهة فرض:
الدليل الأول:
(ح-١٨٠٥) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح ابن سليمان، عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته … الحديث (^٣).
[حسن في الجملة، وسبق تخريجه] (^٤).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين … الحديث (^٥).
وجه الاستدلال:
أنه ذكر الجبهة بالنص، وأشار إلى الأنف فدل على أن الأنف تابع للجبهة، في
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٥٧).
(٢) الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٩)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٧).
(٣) سنن أبي داود (٧٣٤).
(٤) انظر تخريجه في هذا المجلد: (ح-١٧٤٨).
(٥) صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لا يجزئه.
• دليل أبي حنيفة القائل بأن الفرض: الجبهة أو الأنف من غير تعيين:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وجه الاستدلال:
أن الأمر في الآية تعلق بالسجود مطلقًا من غيرتعيين، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، والأنف بعض الوجه كالجبهة، ولا إجماع على تعيين الجبهة، فلا يجوز تعيينها، فيبقى الأمر على التخيير بين الجبهة والأنف.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
إن كان المقصود بالإجماع إجماع الأمة فلا يصح؛ لأن الحنابلة يقولون بوجوب السجود على جميع الأعضاء بما فيها الأنف.
وإن كان المقصود بالإجماع إجماع الحنفية، فغير مسلم أيضًا فهذا زفر يقول بوجوب السجود على جميع الأعضاء عدا الأنف، ومحمد بن الحسن وأبو يوسف يقولان بوجوب السجود على الجبهة على وجه التعيين، فلا يصح دعوى الإجماع لا في مذهب الحنفية، ولا في أقوال الأئمة.
الوجه الثاني:
أن الأمر بالسجود في الآية مجمل، وقد بينه النبي ﷺ في حديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، فأشار إلى الأنف، وسبق ذكره، وتخريجه.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف
[ ١٠ / ٢١٠ ]
القدمين … الحديث (^١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، وفيه إشارة إلى أنهما في حكم العضو الواحد، واستيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع، كما لو سجد على كفه دون أصابعه، أو سجد على بعض أصابع رجليه فلا تتعين الجبهة دون الأنف.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وسوف أبين ذلك عند البحث على حكم السجود على الأنف.
الوجه الثاني:
أن الأنف تابع للجبهة وليس العكس، ولهذا نص على الجبهة بالذكر، وأشار إلى الأنف، والتابع تابع، لا يستقل بنفسه، فالسجود عليه وحده إسقاط لما هو فرض أصالة، واستغناء بالتابع عن الأصل.
الدليل الثالث:
أن الأنف محل للسجود بالإجماع، بدليل جواز السجود عليه عند العذر، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
جواز السجود على الأنف عند العذر مسألة خلافية، فالمالكية والحنابلة ذهبوا إلى أنه إذا عجز بالجبهة أومأ ما أمكنه، فلا يصح الإلزام.
الوجه الثاني:
على فرض جواز الاكتفاء بالأنف عند العذر، فلا يصح القياس عليه في غير المعذور،
_________________
(١) صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).
[ ١٠ / ٢١١ ]
فقياس الصحيح على المعذور قياس مع الفارق، فالضرورة لها أحكامها، والعذر يسقط به القيام والركوع وغيرهما من الفرائض المجمع عليها، فلا يصح القياس عليه.
الوجه الثالث:
لم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من الصحابة، القول بجواز الاقتصار على الأنف، والمقصود بالسجود التذلل والخشوع، ولا يقوم الأنف مقام الجبهة في ذلك.
الدليل الرابع:
أن الأنف أحد محلي سجود الوجه، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش:
الأنف محل لكمال السجود، وما كان كذلك لا يجوز الاقتصار عليه، ألا ترى أن الكفين والركبتين وأصابع القدمين محل لكمال السجود، ولا يجوز الاقتصار عليها دون الجبهة، وكذلك الأذنان محل لكمال المسح على الرأس، ولو اقتصر على مسحهما لم يجزه (^١).
• الراجح:
أن السجود على الأنف وحده لا يجزئ، وكراهة أبي حنيفة الاقتصار على الأنف وحده قد اختلف أصحابه في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تحريمية، وعليه يكون السجود على الأنف واجبًا، والقول بأنها كراهة تنزيهية ليس هو المعتمد في مذهب الحنفية، فالفتوى في المذهب على أنه لا يجزئ السجود على الأنف، والله أعلم.
_________________
(١) انظر التعليقة الكبرى لأبي الطيب الطبري (ص: ٣٩٤).
[ ١٠ / ٢١٢ ]