المدخل إلى المسألة:
• وضع اليدين في السجود صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية.
• لم يثبت في السنة القولية موضع اليدين في السجود، أيضعهما حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، وما ورد كله من السنة الفعلية.
• لم يثبت حديث في وضع اليدين في السجود حذاء المنكبين.
• أحسن ما ورد في الباب حديث وائل وأنه سجد بين كفيه.
[م-٦٦٨] اختلف العلماء في موضع الكفين حال السجود:
فقال الحنفية والمالكية: يضع كفيه حذاء أذنيه، زاد المالكية: أو دون ذلك (^١).
وجاء في المدونة: قال مالك: يوجه بيديه إلى القبلة، قال: ولم يَحُدَّ لنا أين يضعهما (^٢).
وقال ابن شاس في الجواهر: «واستحب المتأخرون أن يسجد بين كفيه، ولم
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٠٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨). قال القيرواني في الرسالة (ص: ٢٨): «تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك». وقال في الشرح الكبير (١/ ٢٤٩): «ونُدِبَ وضعهما حَذْوَ أذنيه، أو قربهما». قال زروق في شرحه على الرسالة: «قوله: (أو دون ذلك) يحتمل أن يكون تخييرًا في الفعل من القائل الواحد، ويحتمل أن يكون على قولين، فهو تخيير في النقلين، كقوله: ثمانية أيام، أو عشرة». وانظر: القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٥)، كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٢٦٩)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٩).
(٢) المدونة (١/ ١٦٩)، وانظر التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤١).
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
يحدَّ مالك في ذلك حدًّا» (^١).
وقيل: يضع كفيه حذو منكبيه، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).
وقيل: كلاهما سنة، اختاره جماعة من أهل العلم (^٣).
وإذا كان الجميع سنة، فالمصلي بالخيار إن شاء فعل هذا أو فعل هذا، والأفضل أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة؛ ليتحقق فعل السنة بوجوهها المتنوعة، ولأننا لو لازمنا سنة واحدة ماتت السنة الأخرى،
قال ابن المنذر: «… الساجد بالخيار إن شاء وضع يديه حذاء أذنيه، وإن شاء جمعهما حذو منكبيه» (^٤).
وقال ابن الهمام في الفتح: «ولو قال قائل: إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعًا للمرويات بناء على أنه كان ﷺ يفعل هذا أحيانًا وهذا أحيانًا، إلا أن بين الكفين أفضل؛ لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر كان حسنًا» (^٥).
وقال البنوري في معارف السنن: «ولا يبعد أن يجمع بين الروايات كما جمعوا في رفع اليدين بأن يكون الكفان حذو المنكبين، والأصابع حذاء الأذنين، وقد استحسنوه من الشافعي في الرفع، والله أعلم» (^٦).
• دليل من قال: يضع كفيه حذاء أذنيه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٤٧) ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٥).
(٢) الحاوي الكبير (٢/ ١١٨)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٦)، المجموع (٣/ ٤٣٠)، منهاج الطالبين (ص: ٢٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٥٢)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١١٥).
(٣) الأوسط (٣/ ١٦٩)، فتح القدير (١/ ٣٠٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨)، مرعاة المفاتيح (٣/ ٧٢)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧)، مجموع الفتاوى والرسائل لشيخنا ابن عثيمين (١٣/ ٣٧٦)، رفع اليدين في الصلاة لابن القيم ت علي العمران (ص: ٢٩١).
(٤) الأوسط (٣/ ١٦٩).
(٥) فتح القدير (١/ ٣٠٣).
(٦) معارف السنن (٣/ ٣٧).
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،
عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه (^١).
وجه الاستدلال:
يلزم من السجود بين الكفين أن تكون يداه حذاء أذنيه.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٤٨) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،
عن وائل بن حجر قال: رمقت رسول الله ﷺ، فلما سجد كانت يداه حذو أذنيه (^٢).
[حسن] (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم (٥٤ - ٤٠١).
(٢) المصنف (٢٩٤٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٩٤٨، ٢٥٢٢)، ومن طريقه أحمد في المسند (٤/ ٣١٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨١، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٠)، عن سفيان به. ورواه أحمد (٤/ ٣١٨) حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثني سفيان به. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣) من طريق مؤمل (يعني: ابن إسماعيل)، قال: حدثنا سفيان به، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه. ومؤمل سيئ لحفظ، لكنه قد توبع. ورواه أحمد (٤/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٧) عن وكيع، ورواه أيضًا (٤/ ٣١٨) حدثنا يحيى بن آدم وأبو نعيم (الفضل بن دكين). ورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩) وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣٧٠٩) من طريق أبي نعيم وحده. ورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٣)، وفي الكبرى (١١٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٨، من طريق محمد بن يوسف الفريابي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٠) من طريق الحسين بن حفص، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٥، من طريق علي بن قادم، ستتهم (وكيع، ويحيى، وأبو نعيم، والفريابي والحسين بن حفص وعلي بن قادم) رووه عن سفيان به مختصرًا. وقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
ورواه أحمد من طريق زائدة، حدثنا عاصم به، وفيه: (… ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه …) الحديث (^١).
تابعه زهير بن معاوية، عن عاصم به، وفيه: (… ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه ) الحديث (^٢).
ورواه البيهقي في السنن من طريق خالد بن عبد الله، ثنا عاصم بن كليب به، وفيه: (… فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، فلما سجد وضع يديه فسجد بينهما …) الحديث (^٣).
ورواه الطبراني في الكبير من طريق قيس بن الربيع، عن عاصم به، وفيه … فلما رفع رأسه كبر ورفع، فلما سجد وضع جبينه بين كفيه ..» (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ٣١٨)، حدثنا عبد الصمد. والنسائي في المجتبى (٨٨٩، ١٢٦٨) وفي الكبرى (٩٦٥، ١١٩٢)، من طريق عبد الله بن المبارك. والدارمي (١٣٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن خزيمة (٤٨٠، ٧١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٩)، عن معاوية بن عمرو، وابن الجارود في المنتقى (٢٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٠) من طريق أبي الوليد الطيالسي، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣) من طريق عبد الله بن رجاء، ستتهم (عبد الصمد، وابن المبارك، ومعاوية بن عمرو، وابن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي، وابن رجاء) عن عاصم بن كليب به. وقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).
(٢) رواه أحمد (٤/ ٣١٨)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٧)، حدثنا أسود بن عامر، ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٤، من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، كلاهما عن زهير بن معاوية به.
(٣) السنن الكبرى (٢/ ١٨٨).
(٤) رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٩، قال: حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه)، حدثنا أسد بن موسى، عن قيس بن الربيع به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ افتتح الصلاة، وكبر ورفع يديه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر فرفع يديه فوضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه، فلما رفع رأسه كبر ورفع، فلما سجد وضع جبينه بين كفيه … رواه الطبراني في الأوسط مختصرًا (٥٤٨٥) من طريق أبي بلال الأشعري (ضعفه الدارقطني) ورواه أيضًا في الكبير مختصرًا (٢٢/ ٣٩) ح ٩٣ من طريق يحيى الحماني (حافظ مجروح) كلاها عن قيس بن الربيع (صدوق تغير بآخرة)، عن عاصم بن كليب به. وقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
[حسن] (^١).
وجه الاستدلال:
أن من سجد بين يديه كانت يداه حذاء أذنيه.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٤٩) ما رواه الترمذي من طريق حفص بن غياث، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، قال:
قلت للبراء بن عازب: أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد، فقال: بين كفيه (^٢).
[منكر، رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق به موقوفًا بغير هذا اللفظ] (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٧) من طريق الحماني، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٨) من طريق مسدد، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٣) من طريق وهب بن بقية، ثلاثتهم (الحماني، ومسدد ووهب بن بقية) رووه عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن عاصم به، وقد اقتصر الطحاوي على ذكر إسناده وأحال على لفظ سابق، وساق لفظه البيهقي تامًّا واختصره الخطيب، وذكرا فيه رفع اليدين حيال الأذنين في تكبيرة الإحرام. وقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).
(٢) سنن الترمذي (٢٧١).
(٣) ومن طريق حفص بن غياث رواه أبو يعلى في مسنده (١٦٦٩)، والطوسي في مستخرجه (١٢٦ - ٢٥٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٧). في إسناده حجاج بن أرطاة كثير الخطأ، وقد خالفه شعبة وسفيان، فرووه عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفًا بغير هذا اللفظ، وهو المعروف. رواه ابن أبي شيبة في المصنف تحقيق عوامة (٢٦٩١) حدثنا وكيع، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥٤) من طريق عفان بن مسلم، ومسلم بن إبراهيم، وأبي عمر الحوضي، وعمرو بن مرزوق، أربعتهم، عن شعبة. ورواه ابن أبي شيبة أيضًا (٢٦٩٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٤/ ٣٠٨)، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، كلاهما (شعبة، وسفيان)، عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفًا، بلفظ: السجود على أَلْيَةِ الكف، فخالفا حجاجًا في إسناده ولفظه.
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
الدليل الرابع:
(ح-١٨٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد، قال:
أتينا أبا مسعود الأنصاري، في بيته، فقلنا: علمنا صلاة رسول الله ﷺ، فصلى، فلما سجد وضع كفيه قريبا من رأسه (^١).
[الحديث حسن إلا قوله: (قريبًا من رأسه) انفرد بها أبو الأحوص، عن عطاء] (^٢).
• دليل من قال: حذو منكبيه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٥١) ما رواه أبو داود من طريق عبد الملك بن عمرو، أخبرني فليح،
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦٨).
(٢) الحديث مداره على عطاء بن السائب، عن سالم البراد، عن أبي مسعود: رواه أبو الأحوص عن عطاء بن السائب، واختلف عليه: فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٢٤)، عن أبي الأحوص به، وذكر: (فلما سجد وضع كفيه قريبًا من رأسه). ورواه هناد بن السَّرِيِّ كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٣٦)، وفي الكبرى (٦٢٨)، وعثمان بن أبي شيبة كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٢٤٢) ح ٦٧٢، كلاهما عن أبي الأحوص به، وليس فيه قوله: (فلما سجد وضع كفيه قريبًا من رأسه). وقد رواه زائدة بن قدامة، وهمام، وابن علية، وأبو عوانة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وجعفر بن الحارث، وحماد بن شعيب، ومفضل بن مهلهل، كلهم رووه عن عطاء بن السائب، فلم يذكروا ما ذكره أبو الأحوص، وأصحها طريق زائدة؛ وهمام؛ فالأول صرح الطبراني بأنه ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، والثاني صرح الطحاوي في مشكل الآثار بأنه ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وأما جرير وأبو الأحوص، وابن علية فهم ممن روى عن عطاء بعد تغيره، فالحديث حسن في الجملة إلا ما تفرد به أبو الأحوص، وقد سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: المجلد التاسع (ح-١٦٤٧).
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
حدثني عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول ﷺ فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه (^١).
[الحديث حسن إلا ما انفرد به فليح ومنه قوله: (ووضع كفيه حذو منكبيه)] (^٢).
_________________
(١) سنن أبي داود (٧٣٤).
(٢) روى حديث أبي حميد الساعدي كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل، أما رواية عباس بن سهل، عن أبي حميد: فرواه أحمد بن حنبل كما في سنن أبي داود (٩٦٧)، ومحمد بن بشار كما في صحيح ابن حبان (١٨٧١)، كلاهما أحمد وابن بشار، روياه عن أبي عامر العقدي بتمامه، عن فليح بن سليمان به، وذكرا فيه (ووضع كفيه حذو منكبيه). وقد روى الترمذي (٢٦٠، ٢٧٠، ٢٩٣)، وابن ماجه (٨٦٣)، وابن خزيمة (٦٨٩)، رواية محمد بن بشار مختصرة، ليس فيها جملة البحث. وقد رواه بعضهم عن أبي عامر العقدي مختصرًا ليس فيه جملة البحث، منهم: عبد الله بن محمد كما في رفع اليدين للبخاري (٥). وابن مرزوق كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣)، ومحمد بن رافع مقرونًا بمحمد بن بشار واللفظ لمحمد بن بشار كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨٩). وإسحاق بن إبراهيم كما في سنن الدارمي (١٣٤٦). ومحمد بن المثنى كما في مسند البزار (٣٧١٢) وأحال على رواية أخرى، أربعتهم رووه عن أبي عامر العَقَدِيِّ به مختصرًا. وتابع أبا عامر العقدي، كل من: الأول: أحمد بن يزيد الحراني (قال الذهبي: ضعفه أبو حاتم، ومشاه غيره) كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٨)، أخبرنا فليح به، وفيه: (وجعل يديه حذو منكبيه). وهذه متابعة لا بأس بها لأبي عامر العقدي في ذكر صفة جعل اليدين حذو المنكبين. الثاني: أبو داود الطيالسي، كما في صحيح ابن خزيمة مختصرًا (٥٨٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (٢٩٧)، عن فليح بن سليمان، حدثني العباس بن سهل الساعدي به، وذكر صفة السجود بقوله: (رأيت رسول الله ﷺ سجد فأمكن جبهته وأنفه من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه) ولم يذكر منه وضع الكفين حذو المنكبين. =
[ ١٠ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفليح بن سليمان صدوق، كثير الخطأ، إلا أنه قد توبع في أصل الحديث، ولم يتابع على ذكر وضع اليدين حذو المنكبين. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٦٨١) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن رسول الله ﷺ في صلاته إذا سجد العباس بن سهل بن سعد بن مالك بن ساعد، قال: جلست بسوق المدينة في الضحى مع أبي أُسَيْد مالك بن ربيعة، ومع أبي حميد صاحب رسول الله ﷺ، وهما من رهطه من بني ساعدة، ومع أبي قتادة الحارث بن ربعي، فقال بعضهم لبعض -وأنا أسمع- أنا أعلم بصلاة رسول الله ﷺ منكما، كل يقولها لصاحبه فقالوا لأحدهم: فقم فصلِّ بنا حتى ننظر أتصيب صلاة رسول الله ﷺ أم لا؟ فقام أحدهما فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم قرأ بعض القرآن، ثم ركع، فأثبت يديه على ركبتيه حتى اطمأن كل عظم منه، ثم رفع رأسه، فاعتدل حتى رجع كل عظم منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم وقع ساجدًا على جبينه، وراحتيه، وركبتيه وصدور قدميه راجلًا بيديه حتى رأيت بياض إبطيه ما تحت منكبيه، ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم منه، ثم رفع رأسه فاعتدل على عقبيه وصدور قدميه حتى رجع كل عظم منه إلى موضعه، ثم عاد لمثل ذلك قال: ثم قام فركع أخرى مثلها قال: ثم سلم فأقبل على صاحبيه، فقال لهما: كيف رأيتما؟ فقالا له: أصبت صلاة رسول الله ﷺ، هكذا كان يصلي. فقد ساق الحديث ابن إسحاق بتمامه، وليس فيه ذكر وضع اليدين حذو المنكبين، وإبراهيم بن سعد من أوثق أصحاب محمد بن إسحاق، فهذه متابعة حسنة لفليح بن سليمان على أصل الحديث، إلا أنها تبين تفرد فليح عن العباس بن سهل بلفظ: (ووضع كفيه حذو منكبيه). وقد روى حديث أبي حميد من غير طريق العباس بن سهل، وليس فيه: (ووضع كفيه حذو منكبيه)، كما سيأتي في الطريق التالي. وأما رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، فقد رواه عن محمد بن عمرو اثنان: أحدهما: محمد بن عمرو بن حلحلة، كما في صحيح البخاري (٨٢٨) ولفظه: (أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)، ولم يذكر ما ذكره فليح بن سليمان. الثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء. وعبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، قال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي، وذكره العقيلي في الضعفاء.
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
الدليل الثاني:
(ح-١٨٥٢) ما رواه أحمد من طريق عبد الواحد، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه،
عن وائل بن حجر الحضرمي قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: لأنظرن كيف يصلي، قال: فاستقبل القبلة، فكبر، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه»، قال: فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما سجد وضع يديه من وجهه، بذلك الموضع … الحديث (^١).
[المحفوظ من حديث وائل بن حجر أنه رفع يديه حذاء أذنيه، فلما سجد وضع يديه من وجهه بذلك الموضع] (^٢).
• دليل من قال: يفعل هذا مرة وهذا مرة:
هذا القول احتج بمجموع الأحاديث الواردة في الباب، فإن شاء وضع يديه حذاء المنكبين، وإن شاء وضعهما حذاء أذنيه؛ والاختلاف بين هذه الأحاديث إنما هو من اختلاف التنوع، وليس التضاد، فلا حاجة إلى نزعة الترجيح بينها مع إمكان العمل بها كلها فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، ويكون الاختلاف في هذا من قبيل تنوع
_________________
(١) = انظر تخريج الحديث في (ص: ٥١) من هذا المجلد، فقد خرجته هناك مستوفًى، وإنما أعدت تخريجه لأن تخريجه السابق لم يتوجه إلى دراسة هذا الحرف منه، والله أعلم.
(٢) المسند (٤/ ٣١٦).
(٣) الحديث رواه سفيان بن عيينة وعبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ابن حجر، أن النبي ﷺ رفع يديه حاذى منكبيه. ورواه أكثر من عشرين راويًا، على رأسهم الثوري، وزائدة بن قدامة، وأبو الأحوص، وشعبة، وعبد الله بن إدريس، وابن فضيل، وزهير بن معاوية، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبو عوانة الضحاك بن عبد الله، وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن مسلم، وغيرهم، رووه عن عاصم بن كليب به، بأنه رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، وهو المحفوظ من حديث وائل، ولعله دخل على ابن عيينة حديثه الذي رواه مسلم من طريقه، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر وفيه أنه رفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، بحديثه عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، والله أعلم، وقد سبق تخريجه، انظر: (ح-١٢٤٧).
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
صفة العبادة، كالتنوع الوارد في دعاء الاستفتاح، والتنوع الوارد في أنواع التشهد في الصلاة، ونحوها، ليس شيء منها مهجورًا.
والسنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.
• ويناقش:
هذا الكلام جيد لو ثبت حديث في وضع اليدين في السجود حذو المنكبين وما ورد في حديث أبي حميد الساعدي في سنن أبي داود قد تفرد به فليح بن سليمان، والحديث في البخاري وليس فيه صفة وضع اليدين في السجود، والله أعلم.
• الراجح:
أن المصلي يسجد بين كفيه لحديث وائل، وأما وضع اليدين حذو المنكبين في السجود فلم يصح فيه حديث، وإن كان رفع اليدين في تكبيرة الإحرام حذاء المنكبين أصح من وضعهما حذاء الأذنين، ولو كان يصح قياس فيما لا تعلم علته لقيل: إن آخر الركعة معتبر بأولها، فكما يرفع يديه في الإحرام حذاء المنكبين، فكذلك في آخرها يضع يديه حذاء المنكبين، ولكن لم يتوفر شروط صحة القياس، ومنها أن يكون الرفع معللًا، وأن توجد العلة في الفرع، والله أعلم.
[ ١٠ / ٢٩٤ ]