المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب التسبيح.
• الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.
• كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.
• لم يُعَلِّم النبي ﷺ المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبًا لعلمه.
• القول بأن الرسول ﷺ علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدًّا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.
• يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.
• القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبًا ثم وجب ضعيف جدًّا، فلوكان التسبيح مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.
• لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عارٍ عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.
• إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.
• سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
• لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنًا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.
• لو كان التسبيح واجبًا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين؟.
[م-٦٦٣] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم.
وقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاء موقوتًا (^١).
وتأوله أصحابه بأن معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة،
[م-٦٦٤] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:
فقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).
_________________
(١) المدونة (١/ ١٦٨)، وانظر: التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٣٨)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨).
(٢) الأصل للشيباني (١/ ٥)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣، ٣٢١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨، ٢١٠)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠، ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١، ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨، ٣٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢، ٥٤). واعتبر المالكية التسبيح في الركوع والسجود من مندوبات الصلاة، انظر مختصر خليل (ص: ٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٢)، الخرشي (١/ ٢٨١)، شرح التلقين (٢/ ٥٥٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٨)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٣). وانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٩، ١٢٠)، المهذب (١/ ١٤٣)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠، ٣٩٢)، المجموع (٣/ ٤١١، ٤٣٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠، ٢٥٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١، ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩). وانظر رواية الإمام أحمد بأن التسبيح سنة في: الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠)، المغني (١/ ٣٦٢)، الفروع (٢/ ٢٤٩).
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعُدَّ من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:
فقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة (^١).
وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي ﷺ من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (^٢).
ولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حدًّا، أي لا يعين فيه تسبيحًا بعينه، ولا عددًا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك اللهم وبحمدك، ونحو ذلك (^٣).
وقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية (^٤).
_________________
(١) ذكر ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٩٤) أن في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال، أحدها القول بالوجوب. وانظر في مذهب الحنابلة: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠، ٢٦٢)، المبدع (١/ ٤٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، الإنصاف (٢/ ١١٥)، الإقناع (١/ ١٣٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠)، الفروع (٢/ ٢٤٩). وقد عده من مفردات الحنابلة كل من الناظم المفيد الأحمد (ص: ١٩)، والمرداوي في الإنصاف (٢/ ١١٥)، وغيرهم. وانظر قول الإمام إسحاق: تفسير القرطبي (١/ ١٧٢)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٤). ونسب المازري والقاضي عبد الوهاب القول به للإمام داود الظاهري انظر: شرح التلقين (٢/ ٥٤٧، ٥٥٦)، والإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٤٤)، فإن ترك التسبيح عمدًا بطلت صلاته عند الإمام أحمد خلافًا لداود، وإن تركه سهوًا سجد للسهو.
(٢) فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٢).
(٣) انظر: شرح التلقين (١/ ٥٥٦).
(٤) جاء في البحر الرائق (١/ ٣٣٣): «روي عن أبي مطيع البلخي أن التسبيحات ركن، لو تركه لا تجوز صلاته كما في الذخيرة، والذي في البدائع عنه: أن من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لا تجوز صلاته. قال وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقًا عن شرط التسبيح، فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد، فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عملا بالدليلين بقدر الإمكان اه». وعن أحمد رواية أن التسبيح ركن، انظر: الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٧)، الفروع (٢/ ٢٤٩). وانظر نسبة القول للظاهرية في شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٤).
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
وقد سبق أن ذكرت أدلة المسألة في حكم التسبيح في الركوع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد، وإنما اقتضى الإشارة إلى المسألة للتذكير بها، وربما طلب الباحث حكمها في مظانها فلم يجدها، فيظن أن البحث أغفلها، والحمد لله.
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
مطلب
في بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة
[م-٦٦٥] ورد في السجود أذكار وأدعية متنوعة، منها:
(ح-١٨٣٣) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين … وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي … وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين الحديث (^١).
(ح-١٨٣٤) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق،
عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (^٢).
(ح-١٨٣٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،
أن عائشة نبأته أن رسول الله ﷺ كان يقول: في ركوعه وسجوده: سبوح
_________________
(١) مسلم (٢٠١ - ٧٧١).
(٢) صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٤٨٤).
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
قدوس، رب الملائكة والروح (^١).
(ح-١٨٣٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فأخبرني ابن أبي مليكة،
عن عائشة قالت: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر (^٢).
(ح-١٨٣٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (^٣).
(ح-١٨٣٨) ومنها ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، حدثنا معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد،
عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة (^٤).
[حسن] (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٢٣ - ٤٨٧).
(٢) صحيح مسلم (٢٢١ - ٤٨٥).
(٣) صيح مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦).
(٤) سنن أبي داود (٨٧٣).
(٥) سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ح- ١٦٩١).
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
(ح-١٨٣٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول: في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه، وجله، وأوله وآخره وعلانيته وسره (^١).
فيستحب للمصلي أن ينوع من هذه الأذكار، ليأتي بجميع ما ورد في السنة.
قال ابن المنذر بعد أن ذكر هذه الآثار: «للمرء أن يقول بأي خبر شاء من هذه الأخبار؛ إذ الاختلاف في ذلك من جهة المباح، فأي تسبيح، أو تعظيم، أو ذكر أتى به مما ذكرناه في هذه الأخبار فصلاته مجزية» (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم (٢١٦ - ٤٨٣).
(٢) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٣/ ١٥٨).
[ ١٠ / ٢٥٨ ]