المدخل إلى المسألة:
• الفرض في استقبال القبلة متعلق بالبدن خاصة، أما سائر الأعضاء كالوجه وأصابع اليدين والرجلين فاستقبال القبلة فيها من المستحبات.
• إذا كان الالتفات بالوجه في الصلاة جائزًا للحاجة ويكره لغيرها، فمن باب أولى أن يكون توجيه الأصابع إلى القبلة في الصلاة ليس بواجب.
• استقبال القبلة بأطراف الأصابع ثبت من السنة الفعلية، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب.
• جواز الصلاة بالنعال والخفاف دليل على أن استقبال القبلة بأطراف الأصابع ليس بواجب؛ إذ لوكان واجبًا لوجب خلعها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[م-٦٧٠] تكلمت في مبحث سابق عن اتفاق العلماء بأن القدمين من الأعضاء السبعة التي أمرنا بالسجود عليها على خلاف بينهم في الأمر، أهو للوجوب أم للاستحباب؟
وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يستحب للمصلي إذا نصب قدميه في السجود أن يوجه أطراف أصابعه إلى القبلة (^١).
_________________
(١) الأصل للشيباني (١/ ٧)، البحر الرائق (١/ ٣٣٩)، الهداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤)، كنز الدقائق (ص: ١٦٤)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، المجموع (٣/ ٤٣١)، فتح العزيز (٣/ ٤٩٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٧)، المغني (١/ ٣٧٣).
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
وقيل: يضع أطراف أصابعه على الأرض من غير أن يوجهها إلى القبلة، اختاره إمام الحرمين وتبعه الغزالي، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).
قال إمام الحرمين: «ظاهر النص أنه يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض في السجود، ونقل المزني أنه يضع أصابعه بحيث تكون مستقبلة للقبلة، وهذا يتضمن أنه يتحامل عليها، ويوجه رؤوسها إلى قُبالة القبلة. والذي صححه الأئمة أنه لا يفعل ذلك بل يضع أصابعه من غير تحامل عليها» (^٢).
قال النووي: «وتابعه عليه الغزالي في البسيط، ومحمد بن لهى في المخيط، وهو شاذ مردود مخالف للأحاديث الصحيحة السابقة، ولنص الشافعي، ولما قطع به الأصحاب أنه يستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (^٣).
وقيل: يخير بين أن يسجد على أطراف أصابعه، وبين أن يجعل بطونها على الأرض، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤).
وقيل: يجب جعل باطن أطرافها إلى القبلة إلا أن تكون في نعال أو خف، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).
ويستثنى من ذلك إذا كانت القدم في نعل أو خف، فيكفي السجود على أطراف النعل أو الخف.
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، المجموع (٣/ ٤٣١)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، الفروع (٢/ ٢٠٣). وقال ابن تميم الحنبلي في مختصره (٢/ ١٤٢): «ثم يكبر، ويخر ساجدًا، ويضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويكون صدور قدميه على الأرض، ويفتح أصابعه نحو القبلة، أويكون على أطراف أصابعه».
(٢) نهاية المطلب (٢/ ١٦٩).
(٣) المجموع (٣/ ٤٣١).
(٤) انظر: المرجعين السابقين.
(٥) الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، مختصر ابن تميم (٢/ ١٤٣).
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
فتحصل الخلاف في المسألة على أربعة أقوال:
فقيل: يستحب السجود على أطراف الأصابع موجهة إلى القبلة، وهذا قول الأكثر.
وقيل: يجب جعل باطن أطراف الأصابع إلى القبلة إلا أن تكون في نعال أو خف.
وقيل: يستحب السجود على أطراف الأصابع، ولا يتوجه بها إلى القبلة.
وقيل: يتخير بينهما.
• دليل من قال: يستحب أن تكون أطراف أصابعه إلى القبلة:
الدليل الأول:
(ح-١٨٥٦) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ،
فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة الحديث (^١).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٥٧) ما رواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الحميد ابن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،
عن أبي حميد الساعدي قال: كان النبي ﷺ إذا أهوى إلى الأرض ساجدًا جافى عضديه عن إبطيه، وفتخ أصابع رجليه (^٢).
ورواه أحمد مطولًا حدثنا يحيى بن سعيد به، وفيه: (… ثم هوى ساجدًا وقال: الله أكبر، ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه، وفتح أصابع رجليه ) (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٢٨).
(٢) النسائي (١١٠١).
(٣) المسند (٥/ ٤٢٤).
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (^١).
والفتخ كما في شرح البخاري لابن رجب: «هو أن يكسر أصابعه فيثنيها حتى تكون أطرافها مواجهة للقبلة، ولو لم يفعل ذلك كانت أطرافها إلى غير القبلة» (^٢).
• دليل من قال: يسجد على أطراف أصابعه، ولا يستقبل بها القبلة:
الدليل الأول:
(ح-١٨٥٨) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان الحديث (^٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٥٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين … الحديث (^٤).
فذكر أن السجود على أطراف القدمين، فإذا وقعت أطراف أصابعه على الأرض مع بقية أعضاء السجود فقد تم سجوده.
ولأن توجيه أطراف أصابع القدمين إلى القبلة لا يكون إلا بالتحامل عليها، وهذا فيه مشقة.
• ويجاب عن هذا:
بأن السجود على أطراف الأصابع هذا أدنى ما يقع عليه السجود، وكماله إنما
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (ح ١٢٦١).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥١).
(٣) صيح مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦).
(٤) صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
يكون في توجيه أطراف أصابعه إلى القبلة كما هو في حديث أبي حميد الساعدي في البخاري.
• دليل من قال: يجب أن يستقبل بأطراف أصابعه القبلة:
استدل أصحاب هذا القول بوجوب السجود على القدمين، وسبق بحث الخلاف فيها، والدليل على الوجوب.
(ح-١٨٦٠) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس، أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^١).
ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس، قال: أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (^٢).
فالأمر بالسجود على القدمين مجمل، وحديث أبي حميد في البخاري (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة …) (^٣)، وإن كان من السنة الفعلية إلا أنه جاء بيانًا لذلك المجمل، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم ذلك المجمل، فتكون هذه الصفة واجبة.
• ويجاب:
لو كانت هذه الصفة واجبة لما صح السجود على القدمين بالخف والنعل، ولوجب خلع النعال والخفاف في الصلاة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلما صح السجود فيها دل على أن استقبال القبلة بأطراف الأصابع من الأمور المستحبة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٠٩).
(٢) صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).
(٣) صحيح البخاري (٨٢٨).
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
• الراجح:
استحباب استقبال القبلة بأطراف أصابعه، والسنة في هذا صريحة والحديث فيها في البخاري، والقول بوجوب هذه الصفة قول ضعيف، انفرد به بعض الحنابلة، فالسجود على القدمين سواء كان بأطراف القدمين أو بظهورهما كاف في القيام بفرض السجود، والله أعلم.
[ ١٠ / ٣٠٧ ]